مصادر – وكالات
تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة مع استمرار الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتصاعد العقوبات الأمريكية، في وقت بدأت فيه القيادة الإيرانية نفسها تقر بحجم التداعيات التي أصابت الاقتصاد وحركة التجارة، دون أن يعني ذلك تراجع طهران عن مواقفها السياسية أو استعدادها للتخلي عن أوراق القوة التي تمتلكها، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
وبعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، أقرت القيادة الإيرانية بأن العقوبات والحصار المفروضين على البلاد تركا آثارًا مباشرة على حركة التجارة والأوضاع المعيشية، فيما دعا المرشد الأعلى آية الله مجتبى خامنئي الحكومة إلى التعامل بصورة عاجلة مع التحديات الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق.
وفي السياق ذاته، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الصادرات والواردات تراجعت بنحو 35% نتيجة العقوبات الأمريكية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، لكنه شدد في الوقت نفسه على قدرة بلاده على الصمود أمام الضغوط ومواصلة البحث عن مخارج دبلوماسية للأزمة.
وتسعى الحكومة الإيرانية، وفق ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية، إلى احتواء تداعيات الأزمة من خلال الحد من التضخم، وإدارة الأسواق، وتوفير فرص العمل، وتوجيه الاستثمارات نحو الإنتاج المحلي، إلى جانب تقليص الاعتماد على الدولار تدريجيًا، في محاولة لتعزيز قدرة الاقتصاد الإيراني على مواجهة الضغوط الخارجية.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت كثفت فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملتها الاقتصادية ضد طهران، وهددت دولًا وشركات تربطها علاقات تجارية مع إيران بعقوبات ثانوية إذا واصلت التعامل معها. وتقدم واشنطن حملتها الجديدة باعتبارها ما وصفته بـ”يوم إنزال اقتصادي” ضد إيران، في إشارة إلى استهداف مصادر التمويل والتجارة المرتبطة بها.
قطر وباكستان
وامتدت العقوبات الأمريكية إلى مؤسسات مالية خارج إيران، إذ فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على بنك مصر بسبب ما قالت إنه تعاملات مع طهران، مع اقتراح إجراء يستهدف معاملات فروع البنك في دولة الإمارات بالدولار الأمريكي.
وفي المقابل، أعلنت السلطات المصرية أنها تجري اتصالات مع الجانب الأمريكي بشأن القرار، موضحة أن الإجراء يتعلق بمعاملات البنك بالدولار مع البنوك المراسلة الأمريكية، بينما أكد بنك مصر أنه يراجع إخطار وزارة الخزانة، وأن فرعه في الإمارات يواصل تقديم خدماته للعملاء.
كما شملت الإجراءات الأمريكية كيانًا مقره هونغ كونغ وشخصًا مرتبطًا ببنك ملي الإيراني، في إطار حملة تستهدف تضييق قنوات التعامل المالي والتجاري مع طهران.
ارتفاع حاد في معدلات التضخم
وتزامنت هذه الضغوط مع ارتفاع حاد في معدلات التضخم داخل إيران، إذ بلغ التضخم السنوي نحو 66% خلال الشهر الماضي، الأمر الذي يزيد من الضغوط على المواطنين ويضع الحكومة الإيرانية أمام تحديات معيشية متزايدة، خصوصًا في ظل تراجع حركة التجارة واستمرار تداعيات الحرب.
وفي مواجهة هذه الضغوط، دعا المرشد الأعلى الإيراني الحكومة إلى التحرك لمعالجة ما وصفه بسلسلة التحديات الاقتصادية والمعيشية، وفي مقدمتها التضخم والبطالة وإدارة الأسعار وتنظيم سوق السلع والخدمات.
تحت وطأة العقوبات
وفي المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات واسعة تحت وطأة العقوبات، إذ أكد الرئيس بزشكيان أن إيران تمكنت من بيع نحو 90 مليون برميل من النفط خلال فترة التفاهم المؤقت الذي وقعته طهران وواشنطن في يونيو، عندما سمحت الولايات المتحدة بإجراء مبيعات للنفط الإيراني.
ودعا بزشكيان إلى إحياء مذكرة التفاهم التي وقعت في 17 يونيو، قبل أن تنهار سريعًا نتيجة الخلافات حول مضمون الاتفاق، وعلى وجه الخصوص وضع مضيق هرمز، الذي يمثل واحدة من أهم أوراق القوة الإيرانية في المواجهة مع الولايات المتحدة.
ويرتبط مستقبل المضيق بصورة وثيقة بالمسار الاقتصادي للحرب، إذ يمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال قبل الحرب، وهو ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره عاملًا قادرًا على التأثير في أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
إعادة فتح المسار الدبلوماسي
وفي هذا السياق، تتحرك دول إقليمية لمحاولة إعادة فتح المسار الدبلوماسي وإنهاء الحرب، إذ التقى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مسؤولين إيرانيين في طهران، مؤكدًا أهمية العودة إلى الوضع السابق للحرب، بما يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز.
ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المحادثات مع المسؤول القطري بأنها “خلاقة”، في إشارة إلى استمرار وجود قنوات دبلوماسية رغم حالة الجمود التي أصابت المفاوضات المباشرة بين طهران وواشنطن.
وتؤكد إيران في الوقت نفسه أنها ستواصل التحرك على مسارين متوازيين، هما الدبلوماسية والدفاع، باعتبارهما ـ وفق بيان رسمي ـ جناحين متكاملين ومنسقين وغير منفصلين لحماية المصالح الوطنية والأمن وسلامة الأراضي الإيرانية.
قطر وباكستان
وكانت قطر وباكستان قد ساهمتا في التوصل إلى مذكرة التفاهم التي وقعت في يونيو، ما يعكس استمرار محاولات الوساطة الإقليمية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين.
أما مضيق هرمز، فقد تحول من كونه ممرًا ملاحيًا حيويًا إلى ورقة تفاوضية مركزية في الحرب، مع تضارب التصريحات بشأن وضعه. ففي الوقت الذي يكرر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المضيق مفتوح أمام الملاحة، تؤكد البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن هذه التصريحات غير صحيحة، وتتمسك بموقفها القائل إن عبور السفن يتطلب موافقة إيرانية.
وتقول القيادة العسكرية الأمريكية إن قواتها تمكنت من إزالة ألغام بحرية من المضيق كانت قد زرعتها قوات الحرس الثوري الإيراني قبل أشهر، في خطوة تستهدف تأمين حركة الملاحة عبر هذا الشريان الاستراتيجي.
مستقبل الاقتصاد الإيراني
وبذلك تتداخل الحرب العسكرية مع معركة اقتصادية ودبلوماسية مفتوحة؛ فواشنطن تراهن على العقوبات وتشديد الخناق المالي والتجاري لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود وإعادة توجيه اقتصادها، إلى جانب الاحتفاظ بمضيق هرمز كورقة استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
ومع استمرار تعثر المفاوضات، يبدو أن الأزمة لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي أو العمليات العسكرية، وإنما اتسعت لتشمل مستقبل الاقتصاد الإيراني، وشبكة علاقاته التجارية والمالية، وأمن الطاقة العالمي، فضلًا عن السيطرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وبينما تسعى أطراف إقليمية إلى إعادة فتح نافذة التفاوض، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت الضغوط الاقتصادية قادرة على دفع طهران إلى تسوية، أم أنها ستدفعها إلى مزيد من التشدد والتمسك بأوراق القوة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
