كتبت: هدى الفقى
أكد الكاتب والباحث عامر تمام، المتخصص في الشؤون الصينية والآسيوية، أن العلاقات المصرية الصينية تشهد مرحلة جديدة من التطور، تتجاوز التعاون الاقتصادي والتجاري إلى مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن زيارة الرئيس الصيني المرتقبة إلى القاهرة تمثل محطة مهمة في مسار هذه الشراكة.
وقال عامر تمام، فى تصريحات إعلامية، إن توقيت الزيارة يكتسب أهمية استثنائية في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية، مؤكدًا أن هذه الظروف منحت الزيارة أبعادًا استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين.
عامر تمام: مصر لا تريد شريكًا واحدًا
وأوضح الباحث أن مصر تبنت خلال السنوات الأخيرة سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وعدم الاعتماد على طرف واحد في المجالات الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية.
وأضاف أن التقارب المصري الصيني شهد تطورًا كبيرًا منذ عام 2016، مع توسع الاستثمارات والتبادل التجاري، وانضمام مصر إلى مبادرة الحزام والطريق، فضلًا عن عضويتها في مجموعة بريكس.
وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع، وفق الأرقام التي استند إليها، من نحو 10 مليارات دولار في عام 2016 إلى قرابة 21 مليار دولار حاليًا، معتبرًا أن هذا التطور يعكس اتساع نطاق العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وبكين.
وأكد أن «مصر لا تريد أن يكون لديها شريك واحد»، وإنما تسعى إلى امتلاك مجموعة واسعة من الشركاء، بحيث يكون لكل شريك مجال يمكن من خلاله تعزيز المصالح المصرية.
الصين ترى مصر بوابة إلى إفريقيا وأوروبا
وقال عامر تمام إن الصين تنظر إلى مصر باعتبارها دولة محورية ومستقرة في منطقة الشرق الأوسط، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يمنحها أهمية كبيرة بالنسبة للمصالح الصينية.
وأضاف أن أهمية مصر لا تتوقف عند الاقتصاد، إذ تتمتع القاهرة بثقل سياسي وأمني يجعلها قادرة على أداء أدوار مؤثرة في المنطقة.
وأوضح أن الصين تعيد خلال السنوات الأخيرة ترتيب أولوياتها الاستثمارية في إفريقيا، وتسعى إلى التركيز على الدول ذات الأهمية الاستراتيجية والاستقرار النسبي، بدلًا من الانتشار الاستثماري الواسع في دول قد تواجه اضطرابات سياسية أو أمنية.
وأشار إلى أن مصر تمثل بالنسبة لبكين نقطة انطلاق مهمة نحو إفريقيا وأوروبا، إلى جانب جنوب إفريقيا ونيجيريا، وهو ما يفسر اهتمام الشركات الصينية بزيادة استثماراتها داخل السوق المصرية.
«الشراكة المصرية الصينية قائمة على مصالح مشتركة»
وشدد الباحث في الشؤون الصينية والآسيوية على أن العلاقات المصرية الصينية لا تقوم على مواجهة طرف ثالث، وإنما تستند بصورة أساسية إلى المصالح المشتركة.
وأوضح أن العلاقات الدولية يمكن أن تقوم على تحالفات في مواجهة خصم مشترك، أو على شراكات قائمة على المصالح، مؤكدًا أن النموذج المصري الصيني ينتمي إلى النوع الثاني.
وقال إن وجود مصالح اقتصادية وتجارية واستثمارية وسياسية وأمنية مشتركة يمنح هذه الشراكة قدرة كبيرة على الاستمرار والتوسع خلال السنوات المقبلة.
الصين تتجه إلى حماية مصالحها
وأشار عامر تمام إلى أن الصين كانت تعتمد لفترة طويلة على ما يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية الاقتصادية»، حيث ركزت على الاستثمار والتجارة والعلاقات الدبلوماسية، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر في أزمات المناطق التي تعمل فيها.
إلا أنه أوضح أن التطورات الأمنية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم دفعت الصين إلى إعادة التفكير في كيفية حماية مصالحها واستثماراتها.
ولفت إلى أن إقامة الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي تعكس هذا التحول، موضحًا أن بكين أصبحت أكثر اهتمامًا بوجود قدرات تمكنها من حماية خطوط التجارة والاستثمارات والمصالح المرتبطة بها.
التعاون العسكري.. مصر تنوع مصادر التسليح
وأكد الباحث أن التعاون العسكري المصري الصيني يأتي في إطار سياسة مصرية أوسع تستهدف تنويع مصادر التسليح.
وأوضح أن مصر تتعاون عسكريًا مع الولايات المتحدة وروسيا ودول أوروبية، وأن التعاون مع الصين يمثل إضافة إلى هذه المنظومة وليس بالضرورة بديلًا عنها.
وأشار إلى أن الصين أصبحت تمتلك صناعة عسكرية متقدمة، وأن التطور الذي شهدته الصناعات الدفاعية الصينية خلال السنوات الأخيرة جعلها طرفًا مهمًا في سوق السلاح العالمي.
وأضاف أن المناورات العسكرية المشتركة بين مصر والصين تمثل فرصة للجانبين لاختبار قدرات ومعدات عسكرية متطورة، وتوفر لمصر إمكانية التعرف على أنظمة تسليح جديدة.
إسرائيل والولايات المتحدة.. تحديات أمام التعاون العسكري
وقال عامر تمام إن التحدي الإسرائيلي لم يكن جديدًا بالنسبة لمصر، إلا أن ظهور الصين كقوة دولية صاعدة يضيف بعدًا جديدًا إلى معادلة التسلح في المنطقة.
وأوضح أن الصين لا تتعامل مع فكرة وجود تفوق إسرائيلي مطلق في المنطقة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها بعض الدول الغربية، وهو ما يجعل التعاون العسكري مع بكين محل اهتمام بالنسبة للقاهرة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الطريق أمام توسيع التعاون العسكري المصري الصيني ليس خاليًا من التحديات، في ظل حساسية الولايات المتحدة تجاه أي توسع صيني في المجالات العسكرية والأمنية بالشرق الأوسط.
الذكاء الاصطناعي.. ساحة جديدة للتنافس الأمريكي الصيني
وأكد الباحث أن ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سيكون من أبرز الملفات المطروحة في العلاقات المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن الصين تسعى إلى نقل التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الدول النامية، إلى جانب تدريب الكوادر البشرية في هذه الدول.
وأشار إلى وجود حضور لشركة «هواوي» الصينية في مصر، وتداول تقارير حول مشروعات محتملة تتعلق بشرائح الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التكنولوجية.
وأضاف أن الطموح الأكبر يتمثل في بناء منظومة مصرية للذكاء الاصطناعي تعتمد على بيانات يتم تخزينها ومعالجتها داخل مصر.
«البيانات المصرية يجب أن تبقى داخل مصر»
وشدد عامر تمام على أهمية امتلاك مصر بنية تحتية رقمية ومراكز بيانات محلية، بما يضمن حماية البيانات المصرية وعدم خروجها إلى الخارج.
وأوضح أن امتلاك قاعدة بيانات قوية ونموذج ذكاء اصطناعي مصري يمكن أن يحول مصر إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والبيانات في إفريقيا وربما الشرق الأوسط.
وأضاف أن المنافسة الأمريكية الصينية في هذا المجال لا تتعلق بالصفقات التجارية فقط، وإنما ترتبط بالنفوذ الاستراتيجي الذي تمنحه البنية التحتية الرقمية للدول والشركات التي تشارك في إنشائها وإدارتها.
مصر أمام معادلة «واشنطن وبكين»
وحول احتمالات تعرض مصر لضغوط أمريكية بسبب توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا، قال عامر تمام إن النظام الدولي يشهد تحولًا تدريجيًا نحو مزيد من التعددية، مع صعود الصين وروسيا واستمرار الدور الأوروبي.
وأوضح أن دول الشرق الأوسط بدأت هي الأخرى في تنويع علاقاتها الدولية، بحثًا عن مساحة أكبر للمناورة وحماية مصالحها الوطنية.
وأكد أن الولايات المتحدة ستعمل على الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خصوصًا في المجالين الأمني والعسكري، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن العلاقات المصرية الصينية تأتي على حساب العلاقات المصرية الأمريكية.
وقال: «الصين ليست بديلًا للولايات المتحدة بالنسبة لمصر.. الصين شريك لمصر، والولايات المتحدة شريك لمصر».
وأوضح أن هناك مصالح مشتركة بين القاهرة وواشنطن في مجالات الأمن والسياسة والوساطة والقضية الفلسطينية، وفي المقابل توجد مجالات واسعة للتعاون مع الصين، معتبرًا أن قدرة مصر على التعامل مع الطرفين تمنح صانع القرار المصري مساحة أكبر للمناورة.
اختلال الميزان التجاري.. والقاهرة تبحث عن التوازن
وفيما يتعلق بالميزان التجاري بين مصر والصين، أشار الباحث إلى أن التبادل التجاري يميل بصورة كبيرة لصالح الصين، مؤكدًا أن القاهرة تسعى إلى تقليل هذا الاختلال من خلال جذب الاستثمارات الصينية وتوطين الصناعة.
وأوضح أن التعاون بين البلدين يتوسع في مجالات السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والبنية التحتية التكنولوجية.
كما أشار إلى وجود توجه لجذب المزيد من الشركات والمصانع الصينية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يسمح باستخدام مصر كقاعدة إنتاج وتصدير إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية.
وأكد أن وجود قاعدة صناعية صينية في مصر يخدم الطرفين، خاصة في ظل الاضطرابات التي شهدتها طرق التجارة والممرات البحرية خلال السنوات الأخيرة.
اليوان في مواجهة ضغوط العملة الأجنبية
ولفت عامر تمام إلى أن التعاون المالي بين القاهرة وبكين يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، من خلال توسيع نطاق استخدام العملات المحلية في التجارة بين البلدين.
وأشار إلى تطور اتفاقية مبادلة العملات بين مصر والصين، معتبرًا أن توسيع التعامل باليوان يمكن أن يمنح مصر مساحة إضافية في إدارة احتياجاتها من العملات الأجنبية.
وتوقع أن تشهد زيارة الرئيس الصيني إلى مصر توقيع اتفاقيات وتفاهمات جديدة في عدد من المجالات، معتبرًا أن زيارة تأتي بعد غياب دام عشر سنوات تحمل بالضرورة ملفات مهمة تستحق الدفع بها إلى الأمام.
الصناعة الصينية.. من «رخص السعر» إلى الجودة
وعن الصورة الذهنية القديمة لدى بعض المصريين عن المنتجات الصينية باعتبارها منخفضة السعر والجودة، قال عامر تمام إنه عاش في الصين نحو ثماني سنوات وشهد التحول الكبير الذي مرت به الصناعة الصينية.
وأوضح أن الصين كانت في مرحلة سابقة تركز على الانتشار والإنتاج بأقل تكلفة، لكنها انتقلت تدريجيًا إلى مرحلة جديدة تقوم على ما وصفه بـ«التنمية عالية الجودة».
وأشار إلى أن هذا التحول أصبح واضحًا في قطاعات السيارات الكهربائية والإلكترونيات والتكنولوجيا، مؤكدًا أن المنتجات الصينية باتت تنافس المنتجات الغربية في العديد من الأسواق.
وأضاف أن الدول الغربية نفسها أصبحت تتحدث عن المنافسة والإغراق الصيني في عدد من القطاعات، وهو ما يعكس التطور الكبير الذي شهدته الصناعة الصينية.
واختتم عامر تمام تصريحاته بالتأكيد على أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر يمكن أن تفتح مرحلة جديدة من التعاون، تشمل الاقتصاد والاستثمار والتجارة، وتمتد إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعاون العسكري والأمني، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة بين القاهرة وبكين.
