
تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
إذا كانت الصين تدخل الشرق الأوسط من الباب الناعم عبر التعليم والثقافة والإعلام، فإنها تدخل من الباب الأوسع عبر الاقتصاد، فالتجارة والطاقة والبنية التحتية والاستثمار أصبحت تشكل العمود الفقري للعلاقات الصينية مع دول المنطقة، إلى درجة أن بكين باتت واحدة من أهم الشركاء التجاريين لمعظم الاقتصادات الرئيسية في الشرق الأوسط.
لكن المفارقة أن هذا الصعود الاقتصادي لا يعني أن الصين حلت محل الولايات المتحدة.
الأقرب إلى الواقع هو أن دول المنطقة نفسها تعمل على تنويع علاقاتها، بحيث تحصل على الأمن من واشنطن، والاستثمار والتجارة والتكنولوجيا من بكين، مع إبقاء أبوابها مفتوحة أمام قوى أخرى.
وهذا ما يجعل صعود الصين مختلفًا عن فكرة «استبدال قوة عظمى بأخرى».
480.7 مليار دولار.. الرقم الذي يكشف التحول
بحسب بيانات «مرصد النفوذ الصيني» الذي تديره شبكة (MBN) الأمريكية؛ بلغت قيمة التجارة بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 480.7 مليار دولار عام 2024، بزيادة تقارب 80% مقارنة بعام 2020، وبأكثر من ضعفين ونصف حجم التجارة الأميركية مع المنطقة وفق المقارنة التي يقدمها المرصد.
هذه الأرقام لا تعني أن الصين أصبحت القوة السياسية المهيمنة، لكنها تكشف تحولًا جوهريًا في طبيعة العلاقة، فالصين تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط وأسواقه، بينما تحتاج دول المنطقة إلى السلع الصينية والآلات والمعدات والتكنولوجيا والاستثمارات.
إنها علاقة مصالح متبادلة، لكن اتساعها يخلق مع الوقت شبكة من الاعتماد المتبادل يصعب تجاهلها سياسيًا.
العراق.. الاقتصاد قبل السياسة
ويمثل العراق نموذجًا واضحًا لهذا التحول، فالتجارة الصينية العراقية تجاوزت 54 مليار دولار عام 2024، وفق بيانات المرصد، بزيادة تقارب 80% منذ 2020، لتصبح الصين شريكًا اقتصاديًا بالغ الأهمية لبغداد.
لكن العلاقة لا تتوقف عند شراء النفط، فالشركات الصينية تشارك في مشروعات البنية التحتية والطاقة والإنشاءات، ومن بينها محطة واسط الكهربائية بقدرة 2.3 جيجا/واط التي تنفذها شركة «شنغهاي إلكتريك».
وهنا يظهر النموذج الصيني بوضوح: شراء الطاقة من الدولة، ثم إعادة ضخ جزء من العائدات في مشروعات البنية الأساسية، وهذا النموذج يجعل العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة بائع ومشترٍ.
السعودية.. النفط لم يعد القصة كلها
في السعودية تبدو الصورة أكثر وضوحًا، فالتجارة بين الصين والمملكة وصلت إلى نحو 102 مليار دولار عام 2024، وفق بيانات المرصد، أي ما يقارب أربعة أضعاف التجارة السعودية الأميركية بحسب المقارنة الواردة في التقرير.
والأهم أن العلاقة الصينية السعودية بدأت تتجاوز النفط، فالصين تشارك في قطاعات مرتبطة برؤية المملكة لإعادة هيكلة اقتصادها، من الطاقة المتجددة والنقل إلى العقارات والكهرباء والسيارات الكهربائية.
وتشير بيانات المرصد إلى وجود 93 مشروعًا ضمن مبادرة الحزام والطريق في السعودية منذ عام 2021، لتصبح المملكة أكبر مستفيد من المبادرة في الشرق الأوسط وفق هذا المؤشر.
وهنا تتحول الصين من مجرد مشترٍ للنفط إلى شريك في عملية إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي.
الإمارات.. مركز تجاري صيني في قلب الخليج
الإمارات تقدم نموذجًا مختلفًا لكنه لا يقل أهمية، فالتجارة الصينية الإماراتية وصلت أيضًا إلى نحو 102 مليار دولار في 2024، بعدما تضاعفت أكثر من مرتين منذ 2020، وفق بيانات «مرصد النفوذ الصيني».
وتكمن أهمية الإمارات بالنسبة للصين في موقعها كمركز للتجارة والخدمات واللوجستيات والتمويل، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة اتصال بين الأسواق الآسيوية والعربية والأفريقية.
ومن هنا فإن الحضور الصيني في الإمارات لا يتعلق فقط بحجم التجارة الثنائية، وإنما بالدور الذي يمكن أن تؤديه الدولة كمركز لإعادة توزيع السلع والاستثمارات الصينية في المنطقة.
الحزام والطريق.. عندما تتحول التجارة إلى بنية تحتية
وربما تكون مبادرة «الحزام والطريق» أهم إطار يجمع هذه التحركات، فالمبادرة التي أطلقتها الصين عام 2013 لم تعد مجرد شبكة طرق وموانئ، بل أصبحت إطارًا واسعًا لمشروعات الطاقة والنقل والصناعة واللوجستيات والبنية التحتية.
وفي الشرق الأوسط، لا تتحرك المبادرة وفق نموذج واحد، ففي بعض الدول ترتبط بالنفط والغاز، وفي دول أخرى بالطاقة والكهرباء، وفي دول ثالثة بالنقل والعقارات والصناعة.
ولهذا يصف «مرصد النفوذ الصيني» الحضور الصيني في المنطقة بأنه أقرب إلى شبكة من الصفقات والمشروعات وليس مشروعًا واحدًا متجانسًا.
وهذا يمنح بكين ميزة مهم تتمثل فى أنها تستطيع بناء علاقات مختلفة مع كل دولة وفق احتياجاتها، بدل فرض نموذج واحد على المنطقة كلها.
إيران.. شراكة تقوم على الطاقة والحسابات الجيوسياسية
العلاقة مع إيران تكشف جانبًا آخر من الاستراتيجية الصينية، فالصين تحتاج إلى النفط الإيراني، وإيران تحتاج إلى السوق الصينية في ظل العقوبات والعزلة الغربية.
لكن بكين لا تتحرك في العلاقة مع طهران باعتبارها تحالفًا مفتوحًا بلا حدود؛ فهي تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على علاقاتها مع السعودية والإمارات وبقية دول الخليج.
وهذا يفسر جانبًا من السياسة الصينية التي تحاول أن تكون على علاقة مع الخصوم في الوقت نفسه.
وكانت رعاية الصين للتقارب السعودي الإيراني عام 2023 واحدة من أبرز العلامات على انتقال بكين من مجرد شريك اقتصادي إلى لاعب قادر على استخدام علاقاته الاقتصادية لفتح أبواب سياسية.
ويشير تحليل حديث لشبكة (MBN) الأمريكية إلى أن تجربة الوساطة الخليجية كشفت في الوقت نفسه عن إمكانات الدبلوماسية الصينية وحدودها.
إسرائيل.. الاستثناء الذي يكشف حدود النفوذ الصيني
لكن إسرائيل تقدم نموذجًا معاكسًا، فوفق بيانات «مرصد النفوذ الصيني»، تجاوزت التجارة الإسرائيلية مع الولايات المتحدة، أرقام التجارة مع الصين بنحو 14 مليار دولار في 2024، بينما بلغ الاستثمار الأميركي المباشر في إسرائيل 52.7 مليار دولار، مقابل نحو 2.5 مليار دولار للاستثمار الصيني.
هذه الأرقام تكشف أن الصين، رغم حضورها الاقتصادي في المنطقة، لم تتمكن من اختراق كل البيئات الاستراتيجية بالدرجة نفسها.
وفي الحالة الإسرائيلية تحديدًا، تظل العلاقة مع الولايات المتحدة ذات طبيعة أمنية وتكنولوجية واستثمارية أعمق بكثير.
وهذا يؤكد أن النفوذ الاقتصادي لا يعمل بصورة آلية؛ فهو يتأثر بالبنية السياسية والأمنية لكل دولة.
أين تقف الولايات المتحدة؟
هنا نصل إلى أهم نقطة في قراءة المشهد، ويترجمها السؤال: أين تقف الولايات المتحدة؟
فارتفاع التجارة الصينية لا يعني تراجع الولايات المتحدة بالضرورة، وواشنطن لا تزال تمتلك شبكة التحالفات الأمنية والعسكرية الأوسع في الشرق الأوسط، وتظل مبيعات السلاح والوجود العسكري والضمانات الأمنية الأميركية عناصر لا تستطيع الصين أن تقدم بديلًا مماثلًا لها في الوقت الحالي.
وحتى «مرصد النفوذ الصيني» نفسه يخلص إلى وجود نوع من تقسيم الأدوار: الولايات المتحدة توفر المظلة الأمنية، بينما أصبحت الصين شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا ومصدرًا للاستثمار والتجارة.
وهذا التقسيم ليس بالضرورة مؤقتًا، بل قد يكون هو الشكل الذي تفضله بعض دول المنطقة نفسها؛ فهي لا تريد التخلي عن واشنطن، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تكون علاقتها الدولية مرهونة بواشنطن وحدها.
مصر في قلب المعادلة
وهنا تبرز مصر مرة أخرى.
فوفق بيانات المرصد، تأتي مصر ضمن الدول الخمس الأولى في المنطقة من حيث مشروعات «الحزام والطريق»، إلى جانب السعودية والإمارات والعراق والجزائر.
وتجمع القاهرة وبكين عناصر تجعل العلاقة ذات طبيعة استراتيجية: قناة السويس، الموقع الجغرافي، السوق المصرية، العلاقات العربية والأفريقية، والطموح المصري إلى جذب الاستثمار الصناعي والتكنولوجي.
وفي المقابل، تمثل مصر بالنسبة للصين نقطة اتصال مهمة بالأسواق العربية والأفريقية، وهو ما يجعل العلاقة أبعد من مجرد تجارة ثنائية.
الصين لا تحتاج إلى احتلال موقع أميركا
النتيجة الأهم التي يمكن استخلاصها من هذه الصورة هى أن الصين لا تبدو في حاجة، في المدى القريب، إلى إزاحة الولايات المتحدة بالكامل من الشرق الأوسط، بل ربما يكون النموذج الأكثر واقعية حسب ما يتوقع “مرصد النفوذ الصيني”، وتقارير شبكة (MBN) الأمريكية هو أن تبني بكين مساحة نفوذ مستقلة داخل النظام الإقليمي القائم، تحتفظ فيه واشنطن بالأمن والتحالفات العسكرية، بينما تتوسع الصين في التجارة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم والثقافة.
ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول هذا الحضور الاقتصادي إلى نفوذ سياسي أكبر؛ ليس لأن بكين تفرضه بالقوة، وإنما لأن الدول التي ترتبط معها بعشرات المشروعات ومئات المليارات من التجارة تصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى مواقفها والتنسيق معها.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
الصين لا تدخل الشرق الأوسط بدباباتها، ولا تحتاج في الوقت الراهن إلى أن تفعل ذلك. إنها تدخل بالجامعة، وبالمصنع، وبمحطة الكهرباء، وبالطريق، وبالطائرة، وبالنفط، وبالاستثمار، وباللغة.
والسؤال الذي سيحدد مستقبل هذا النفوذ ليس ما إذا كانت الصين قد أصبحت شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للشرق الأوسط؛ فالأرقام تجيب عن ذلك بوضوح.
السؤال الأصعب هو: هل تستطيع بكين تحويل هذا الترابط الاقتصادي والثقافي المتزايد إلى نفوذ سياسي واستراتيجي يغير ميزان القوى في المنطقة، أم أن واشنطن ستظل صاحبة الكلمة الأخيرة طالما بقيت صاحبة المظلة الأمنية؟
وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها المرحلة الأكثر حساسية في الصراع الأميركي الصيني على الشرق الأوسط.
التقرير فى انفوجراف
نرشح لك أيضا:
«عين واشنطن على بكين» | مرصد النفوذ الصيني: بكين تدخل من الباب الناعم
