شبراوى خاطر يكتب: العلاقات العامة كما ينبغي أن يعرفها أعضائها

موقع بيان الإخبارى

في هذا المقال، لا أنتوي الإدعاء بالمعرفة أو التفلسف وأنا أحبو في ظل أساتذة وباحثين وخبراء عظماء في هذه المهنة، ولكنني اتخذت عهدًا على نفسي أن أكون ناشطًا في مجال مهنة مشوشة ومختلطة حتى على أبنائها.

فكثيرًا ما يُفهم مفهوم العلاقات العامة في المقام الأول على أنه علاقات إعلامية أو دعاية، أو مراسم وبروتوكولات، وكوكتيلات وسهرات وملابس فاخرة وابتسامات بلاستيكية أمام الكاميرات، وذلك بدلًا من كونه تخصصًا استراتيجيًا يدعم الأداء المؤسسي، واتخاذ القرارات، وبناء الثقة على المدى الطويل.

وهذا ما أدى بالجمعية الأمريكية للعلاقات العامة إلى إجراء العديد من الجلسات التشاورية، في يناير 2026، استجابةً لإدراك أن العديد من التعريفات الحالية لم تعد تعكس واقع الممارسة الحديثة.

والذي نتج عنها وضع تعريف جديد يعكس دور الممارسين اليوم كمستشارين استراتيجيين، يساعدون المؤسسات على تجاوز التعقيدات، وإدارة المخاطر، وبناء علاقات مع أصحاب المصلحة، والعمل بمسؤولية في بيئة سريعة التغير.

وبدأت جهود وضع مسودة التعريف والمبادئ المصاحبة لها تُعرض على قادة قطاع العلاقات العامة والاتصالات، ودُعي المشاركون لتقديم ملاحظاتهم حول وضوح الرسائل، وسهولة الوصول للجمهور، والمسؤوليات الأخلاقية، والتطوير المستقبلي. وبينما لاقى هذا التوجه دعمًا واسعًا، طرح المشاركون أسئلة بناءة ساهمت في صياغة النسخة النهائية.

ولم يعترض أحد على تأطير العلاقات العامة باعتبارها تمتلك القدرة على العمل كتخصص إداري استراتيجي على مستوى مجلس الإدارة. وقد تم قبول التحول من العلاقات العامة كدعاية إلى العلاقات العامة كمستشار بشكل كامل يتخذ من أعلى مستوى من الهيكل الإداري مركزًا له في خط متصل مباشرة مع الإدارة العليا. واعتُبرت المبادئ الأساسية انعكاسًا لفهم أوسع وأكثر معاصرة لممارسات العلاقات العامة، يتجاوز التركيز الضيق على الدعاية. وقد لاقى التركيز على التفاعل المتبادل، والمصداقية المكتسبة، والمشورة الاستراتيجية صدى واسعًا.

وأشار بعض المشاركين بشكل مستقل إلى غياب إطار أخلاقي صريح؛ وجادل أحدهم بأنه نظرًا للتركيز على الثقة، يجب أن يُقر التعريف بدور الممارس في مساءلة القيادة عند الضرورة، وليس مجرد دعمها.

وذهب آخر إلى أبعد من ذلك، مشيرًا إلى دور العلاقات العامة في تحديد من تُسمع أصواتهم، ودعا إلى الاعتراف بالمجتمعات المهمشة، وأصحاب المصلحة غير البشريين مثل البيئة والأجيال القادمة.

كما تمت الإشارة إلى أن اللغة المستخدمة في الحديث عن الثقة توحي بأن المهنة تنسب الفضل لنفسها – وبالتالي اللوم – في كل ما تقوم به المنظمة. وأن الصياغة البديلة لـ “بناء” الثقة بدلاً من “اكتسابها” من شأنها أن تضع العلاقات العامة كمساهم في سمعة المنظمة، بدلاً من كونها المالك الوحيد لها.

وكما صرحت سارة وادينجتون، الحائزة على وسام الإمبراطورية البريطانية، والرئيسة التنفيذية لجمعية العلاقات العامة والاتصالات (PRCA): “تُعدّ العلاقات العامة اليوم تخصصًا استراتيجيًا يركز على بناء الثقة، وفهم احتياجات الجمهور، وتحقيق النجاح على المدى الطويل. وقد أظهرت هذه المشاورات دعمًا قويًا لتحديث تعريفنا لمهنتنا، إلى جانب رغبة واضحة في مواصلة الحوار حول كيفية تطور العلاقات العامة.”

وبعد تلك المشاورات المكثفة مع الأطراف ذات المصلحة تم الاتفاق على التعريف الأساسي: “العلاقات العامة هي تخصص الإدارة الاستراتيجية الذي يبني الثقة، ويعزز السمعة، ويساعد القادة على فهم التعقيد وإدارة التقلبات – مما يحقق نتائج قابلة للقياس تشمل ثقة أصحاب المصلحة، وخلق قيمة طويلة الأجل والنمو التجاري.”

كما قاموا بوضع تعريف موسع لضمان التعريف المتكامل حيث جاء فيه: “العلاقات العامة هي فرع من فروع الإدارة الاستراتيجية يُعزز السمعة، ويُحسّن قيمة العلامة التجارية، ويبني ثقافة مؤسسية، ويُمكّن المؤسسات والأفراد من تحقيق الشرعية والحفاظ عليها لدى أصحاب المصلحة والجمهور. وتستند العلاقات العامة إلى ممارسات أخلاقية، وتبني الثقة التي يعتمد عليها الأداء المؤسسي والشخصي، وقيمة العملاء والمساهمين على المدى الطويل. من خلال تقديم المشورة لمجالس الإدارة فيما يتعلق باستشراف المستقبل، والبيانات والرؤى، وتحديد أصحاب المصلحة والتواصل معهم، والشؤون العامة، والتأهب للمخاطر، وإدارة الأزمات وغير ذلك، تكمن قيمة هذه الوظيفة في دعم القادة للحد من عدم اليقين، وفهم التعقيد، وإدارة التقلبات. تُوفر العلاقات العامة تفاعلاً ثنائي الاتجاه موثوقاً يُشكّل التصورات، ويُسهم في اتخاذ القرارات ويدعم تغيير السلوك، ويُنمّي الإيرادات التجارية، ويُحدث تأثيراً اجتماعياً واقتصادياً. في جوهرها، تعمل العلاقات العامة مع المؤسسات والأفراد لبناء علاقات قوية وسليمة مع الأشخاص والجماعات التي تؤثر على قدراتهم على العمل والنمو والنجاح.”

كيف نستفيد من المبادئ الأساسية للتعريف الجديد:

التركيز على العلاقات، وليس على النتائج:

تتمحور هذه الممارسة أساسًا حول بناء علاقات هادفة بدلاً من إنتاج مخرجات منفصلة. فالبيانات الصحفية والتغطية الإعلامية والمحتوى الذي نختزل به أساس مهنة العلاقات العامة هي مجرد وسائل لتحقيق غاية، وليست الغاية بحد ذاتها. ويُقاس النجاح بقوة علاقات أصحاب المصلحة واستدامتها ومنفعتها المتبادلة، بما يحقق أثرًا تجاريًا ملموسًا، وأثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا. والسؤال هنا: هل تدرك إدارات العلاقات العامة في مؤسساتنا الحكومية على وجه الخصوص هذا الفهم وهذا التوجه، أم إنها وسائل مصطنعة من كهنة الدخلاء على المهنة لاستخدام النفاق لتكريس الرياء والتظاهر بالسمعة الطيبة؟ وكما قال ستيفن آر. كوفي ذات مرة: “يريدون جزاء الصالحين دون أن يكونوا صالحين.”

المصداقية المكتسبة هي العملة الأساسية:

في بيئة يُمكن فيها شراء الانتباه، ولكن لا يُمكن فيها شراء الثقة، تُعطي العلاقات العامة المعاصرة الأولوية لاكتساب المصداقية من خلال السلوك المتسق، والسلوك الأصيل، وتأييد جهات خارجية، والتدقيق التحريري. يُقر هذا المجال بأن الجمهور يُعالج الرسائل المدفوعة من خلال فلتر الشك، مما يجعل الثقة المكتسبة هي أثمن أصول المؤسسة وأكثرها قابلية للدفاع. كما أنها تُحارب المعلومات المضللة، وتضمن أن يكون المحتوى مدققًا ومتوازنًا وعادلًا. والمواطن العادي غير المتخصص المتابع لتصريحات كبار المسؤولين يمكنه بكل سهولة أن يدرك مدى المصداقية في تصريحاتهم وبياناتهم وغرضهم الكامن المستتر.

استشارات استراتيجية على أعلى المستويات:

تعمل العلاقات العامة الحديثة كوظيفة استراتيجية تُسهم في توجيه عملية صنع القرار على المستويين الفردي والمؤسسي، على مستوى مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية. ومن خلال تقديم استشارات أخلاقية موثوقة وتحديات بناءة، يعمل الممارسون كحماة للسمعة، يساعدون القادة على تحديد ليس فقط ما يجب قوله وكيفية قوله، بل وحتى ما إذا كان من الضروري التحدث من الأساس، ويتوقعون العواقب على جميع فئات أصحاب المصلحة قبل اتخاذ أي إجراء. وتُؤخذ المصالح الأوسع في الاعتبار عند التفكير، مثل البيئة والفئات المهمشة والأجيال القادمة، وغيرها. وأنا على ثقة تامة بأنه لو أن أي مسؤول حكومي قد استند في تصريحاته وأفعاله إلى مراجعة وموافقة مستشاريه من خبراء معتمدين في العلاقات العامة – إن وُجدوا – لما تعرّض للشك في مصداقيته والريبة في أقواله وانفجار التعليقات السلبية من الجماهير المستهدفة.

مشاركة تفاعلية، لا بث أحادي الاتجاه:

توازن الممارسة الفعالة بين سرد القصص والاستماع. أو كما يرى علماء النفس في مفهوم (المنبه والاستجابة) حيث تكمن أساليب التغيير السلوكي في البيئة الاجتماعية ما بين المنبه والاستجابة، والتي تتضمن مشاركات عميقة، وتشاورًا، وتطوير استراتيجية ناشئة من خلال تعاون حقيقي مع أصحاب المصلحة. ويُنظر إلى الجمهور على أنه مشارك فاعل له القدرة على التأثير والتعبير، وليس مجرد متلقٍ سلبي للرسائل. ويظهر هذا السلوك لدينا في إصرار المؤسسات الرسمية على التعامل مع الجمهور من منظور الأب الذي يعرف مصلحة أبنائه دون السماح لهم بالمشاركة في تخطيط مستقبلهم. ويظهر أيضاً جلياً في معظم المبادرات التنموية والاجتماعية التي تتقافز حولنا طوال الوقت دون أن نضع الجمهور المستهدف في قلب قضاياه للاستفادة من قدراته وطاقاته.

التوجه نحو أصحاب المصلحة المتعددين:

يتجاوز هذا التخصص التسويق الاستهلاكي “أو من أجل التسويق المحلي” ليشمل منظومة العلاقات الكاملة الضرورية لنجاح الأفراد والمؤسسات: مشاركة الموظفين، والتواصل الداخلي، وعلاقات المستثمرين، والعلاقات المجتمعية، والشؤون الحكومية، والتواصل مع الجهات التنظيمية، والتراخيص المجتمعية الأوسع نطاقًا للعمل. ويتناول أولويات فريق القيادة بأكمله، وليس فقط وظيفة التسويق.

التعامل مع التعقيد وإدارة المخاطر:

تُهيئ الممارسات المعاصرة الأفراد والمؤسسات للعمل في بيئة تتسم بعدم الاستقرار الجيوسياسي، والاستقطاب السياسي، والاضطراب التكنولوجي، وتدني مستويات الثقة البينية، والانتشار السريع للمعلومات المضللة. وتشمل هذه الممارسات التأهب للأزمات، وإدارة القضايا، وتخطيط السيناريوهات، والقدرة على الاستجابة بمرونة عند ظهور تهديدات للسمعة. إلا أن إسناد بعض المهام الإعلامية لغير المختصين وبائعي الإعلانات من ذوي قصر النظر الاجتماعي، أدى إلى تعزيز السمعة السلبية لبعض المؤسسات الرسمية، ولنا في حملة “يللا ساحل” وحملة “اطفي نور الأوضة – بيتكم منور بيكم” وما صاحبها من المحتوى الساخر من عامة الشعب الذين يمثلون 95% من الشعب «أبو دم خفيف».

سرد القصص بغض النظر عن المنصة:

مع أن العلاقات العامة الحديثة متجذرة في الإعلام المكتسب التقليدي ولا تزال تدور في فلكه، إلا أنها تُنشئ وتوزع محتوىً موثوقًا عبر قنوات مملوكة ومشتركة ومكتسبة، بما في ذلك المواقع الإلكترونية، والبودكاست، ومنصات التواصل الاجتماعي، وشراكات صناع المحتوى، والتفاعل المباشر مع المجتمع. ويُكيّف هذا المجال سرد القصص مع السياق مع الحفاظ على تماسك السرد ومصداقيته.

تشكيل منظومة المعلومات:

مع تزايد دور الذكاء الاصطناعي في كيفية اكتشاف المعلومات واستهلاكها، تلعب العلاقات العامة دورًا حاسمًا في ضمان تمثيل الأفراد والمؤسسات بدقة وموثوقية في المخرجات التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي. يتطلب ذلك بناء حضور قوي وجدير بالثقة تتعرف عليه الخوارزميات وتستشهد به وتوصي به.

القيمة طويلة الأجل على حساب الضجيج قصير الأجل:

ترفض هذه الممارسة فكرة أن النجاح يأتي من “إغراق الإنترنت بالمحتوى”. بدلاً من ذلك، تُعطي الأولوية للتفاعل الاستراتيجي عالي الجودة الذي يبني قيمة سمعة تراكمية مع مرور الوقت. فرسالة واحدة موثوقة وموجهة بدقة، تصل إلى الجمهور المناسب في الوقت المناسب، تفوق كمًا هائلاً من المحتوى الذي يُنسى سريعًا.

الاستناد إلى الرؤى والأدلة وقوة البيانات:

تُعزز الممارسات المعاصرة بالبيانات والأبحاث والمسح البيئي المستمر. وبفضل الإلمام الجيد بالبيانات، تستخدم هذه الممارسات رسم خرائط أصحاب المصلحة، وتحليل المشاعر، ورصد وسائل الإعلام، وقياس الأداء لتوجيه الاستراتيجية، وإثبات القيمة، وتحسين المناهج بناءً على الأدلة وليس على الحدس وحده. وهنا وعلى غير العادة، فإنني أثمن الدور الذي يقوم به مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار لمجلس الوزراء الذي تأسس عام 1985، والذي أرجو أن يستفيد منه مستشارو العلاقات العامة للمؤسسات الحكومية الرسمية على وجه الخصوص.

وخلاصة القول: نلاحظ أن الكلمة الواحدة الأكثر ظهوراً في هذا المقال هي كلمة “الثقة”، وعلاقتها بوظيفة وأهداف العلاقات العامة واضحة، والواقع المُعاش يقطع بأن أزمة الثقة التي يمر بها مجتمعنا قد حدثت بفعل فاعل، نتيجة لتجاهلنا “فقه الأولويات”، والتظاهر بتطبيق أفكار التنمية المستدامة؛ فالتنمية والاستدامة لا تتحققان فقط بالبنية التحتية المعمارية، ولكن بالتخطيط المنظم للبنية التحتية الإنسانية والثقافية، وتعزيز أركان الثقة المجتمعية بإدارة هندسة الوعي المخطط، المدروس والمقصود لخلق التفاهم والثقة المتبادلة بين أي مؤسسة وجماهيرها.

ولكن “الثقة” كما قال روبيرت فيليبس، خبير العلاقات العامة السابق في شركة “إيدلمان للعلاقات العامة”: “الثقة هي كلمة مضحكة، لقد تم استخدامها وإساءة استخدامها إلى حد الإرهاق. لقد أصبحت إحدى الكلمات المفضلة للرؤساء التنفيذيين والسياسيين من المجرمين المتسلسلين – والدليل الحي على ذلك، أن الثقة التي يتحدثون عنها غالبًا هي الثقة التي نادرًا ما تُكتسب”.

ويرى العديد من الانتهازيين في صناعة العلاقات العامة أن الثقة هي شريان الحياة الحيوي لهذه المهنة، إلا أنهم لا يدركون أهميتها. ولهؤلاء أقول إنه من أجل استعادة نقص الثقة الخاص بهم، لابد أن يعلموا أن الثقة ليست رسالة، بل هي نتيجة. ولاكتسابها ينبغي أن نتحلّى بالشفافية، والشفافية كما عرّفها كارلوس غصن، الرئيس التنفيذي السابق لشركتي نيسان ورينو، بأنها: “هي ما تفكر فيه – هو ما تقوله – هو ما تفعله”.

ولنا مزيد مما نقوله عن الثقة لاحقاً.

طالع المزيد: شبراوى خاطر يكتب: شجرة “العلاقات العامة” في الحكومة المصرية مجثوثة

Exit mobile version