محمد سليمان يكتب: إسرائيل بعد نتنياهو.. هل يتغير المسار؟

موقع بيان الإخبارى

مع اقتراب الانتخابات العامة الإسرائيلية، لا تبدو إسرائيل مقبلة على انتخابات عابرة، بقدر ما تتجه إلى اختبار سياسي قد تتجاوز نتائجه حدود المشهد الداخلي، لتطال توجهاتها في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط وبعض التوازنات التي تشكلت في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ومع ذلك، تظل المفارقة الأهم أن أي تغير في موازين القوى السياسية لا يعني بالضرورة تغيرًا مماثلًا في التوجهات. فعلى سبيل المثال، تبدو المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، على اختلافاتها، أقرب إلى التوافق حول هدف أساسي يتمثل في استعادة المعادلة التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر 2023. والمقصود هنا ليس العودة إلى حالة الهدوء التي سبقت الحرب، وإنما إعادة بناء البيئة الاستراتيجية التي سمحت لإسرائيل بإدارة الصراع بدلًا من تسويته، وإبقاء القضية الفلسطينية في حالة احتواء مزمن، وبناء الردع على أساس التفوق العسكري لا على أساس تسوية سياسية.

سقوط معادلة إدارة الصراع

لقد أدرك نتنياهو منذ وقت مبكر أن إبقاء الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية يمثل مصلحة إسرائيلية خالصة، باعتباره يبدد وحدة التمثيل الفلسطيني ويجعل فرص التوصل إلى تسوية نهائية أكثر صعوبة.

غير أن هجوم حماس في السابع من أكتوبر حطم ليس فقط الجدار الأمني، وإنما الفكرة التي كان يحميها هذا الجدار، وهي أن الصراع يمكن إدارته إلى الأبد من دون أن ينفجر في وجه من يديره.

ومع ذلك، فبدلًا من أن يقود هذا الانهيار إسرائيل إلى مراجعة المعادلة، تبدو متجهة إلى إعادة بنائها، ولكن بأدوات أكثر خشونة.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم قدر من التقاطع، وإن لم يكن كاملًا، بين حسابات نتنياهو وحسابات المؤسسة العسكرية، فكلاهما يستفيد سياسيًا من استمرار بقاء النقاش العام متمحورًا حول الجبهة الخارجية، إذ إن فتح ملف إخفاقات السابع من أكتوبر لا يطرح سؤالًا عن الحرب وحدها، وإنما يعيد إلى الواجهة سؤالًا أكثر حساسية، وهو من المسؤول عن انهيار العقيدة الأمنية التي أقنعت الإسرائيليين بأن الدولة قادرة على حمايتهم.

وبقدر ما يبقى الإسرائيلي منشغلًا بالخطر الخارجي، يظل سؤال الإخفاق الداخلي مؤجلًا أو أقل إلحاحًا في النقاش العام.

وليس غريبًا أن تكون هذه هي المفارقة التي ستخيم على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فثمة مجتمع أصبح أكثر جنوحًا لليمين بعد السابع من أكتوبر، لكنه ليس أكثر تمسكًا بقيادته اليمينية الحالية، وتشدد أكبر تجاه الفلسطينيين يقابله تراجع في الثقة بمن تولى إدارة الحرب، واستياء متراكم داخل القاعدة اليمينية يجد في نتنياهو عنوانه الأسهل، باعتباره الشخصية الأكثر ارتباطًا بمسار السنوات الأخيرة ونتائج الحرب.

اليمين يبحث عن بديل لنتنياهو

ولذلك، فإن تراجع الليكود في استطلاعات الرأي لا يعكس بالضرورة تحولًا واسعًا في المزاج الإسرائيلي باتجاه اليسار، بقدر ما يكشف عن مسافة آخذة في الاتساع بين اليمين كهوية سياسية ونتنياهو باعتباره ممثله الأبرز.

فالمسألة قد لا تكون أن قطاعات من الناخبين تتخلى عن اليمين، وإنما أنها تبحث عن صيغة أخرى لتمثيله، وعن قيادة تحافظ على مركزية الأمن في أجندتها من دون أن تكون مرتبطة بالقيادة الحالية.

وفي هذا السياق، يبرز غادي آيزنكوت كمرشح لا يقدم نفسه بديلًا عن التصور الأمني القائم، وإنما بديلًا عن الطريقة التي أُدير بها هذا التصور.

وتزداد خصوصية موقعه السياسي بالنظر إلى تجربته الشخصية خلال الحرب، لا سيما بعد فقدانه ابنه غال (جندي بقوات الاحتياط) في معارك غزة، فضلًا عن فقدانه أفرادًا آخرين من عائلته، ما جعل تجربته الشخصية أثناء الحرب جزءًا من صورته العامة، وارتباط اسمه لدى قطاعات من الإسرائيليين بصورة الجندي والأسرة التي دفعت ثمنًا مباشرًا للصراع.

في المقابل، أثار حضور يائير نتنياهو خارج إسرائيل خلال الحرب، وما ارتبط به من جدل بشأن إقامته في الولايات المتحدة والحماية الأمنية الموفرة له، انتقادات في الداخل، بما خلق تباينًا لافتًا بين صورتين مختلفتين للتعامل مع كلفة الحرب.

ومن اللافت للنظر أيضًا أن انتخابات الكنيست المقبلة تحمل متغيرًا إضافيًا، إذ لا يواجه نتنياهو منافسين يختلفون معه فقط في السياسات، وإنما منافسين يمكنهم أن ينازعوه على احتكار صورة “الرجل القادر على إدارة الأمن”.

فإذا سقط هذا الاحتكار، فإن أحد أهم أعمدة حكمه الطويل قد ينهار معه، خصوصًا أن سنوات نتنياهو في الحكم أفرزت منظومة سياسية أصبحت فيها حدود الحزب والحكومة والشخص أكثر ضبابية، وتراجعت فيها المسافة بين الولاء السياسي والكفاءة، وبين مقتضيات الحكم وضرورات بقاء الحاكم.

ولعل الجدل المتصاعد حول تحديد مدة ولاية رئيس الوزراء ليس تفصيلًا دستوريًا، وإنما محاولة لمعالجة مشكلة أعمق تتعلق بكيفية منع الديمقراطية من التحول تدريجيًا إلى نظام يتمحور حول شخص واحد.

وإذا كانت إسرائيل قد دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة تركيز السلطة والصراع حول القضاء والضوابط المؤسسية قبل السابع من أكتوبر، فإن الحرب لم تُنهِ هذه الأزمة، بل جمّدتها تحت ضغط الطوارئ.
وعلى الصعيد الآخر، تبدو المعارضة الإسرائيلية عاجزة عن تقديم بديل قوي، فحتى خصوم نتنياهو، في قطاعات واسعة منهم، ما زالوا يتحركون داخل الفرضية ذاتها، وهي أن الأمن يأتي أولًا وأن منطق القوة العسكرية يظل الأكثر فاعلية في التعامل مع الفلسطينيين وعدد من الملفات الإقليمية.

ولذلك، فإن مغادرة نتنياهو المشهد السياسي، إن حدثت، قد تغير طريقة إدارة الصراع أكثر مما تغير جوهره. وربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في الانتخابات المقبلة، إذ قد تكون إسرائيل أمام تغيير في الحكومة من دون تغيير سياسي حقيقي.

اليمين المتطرف وإعادة تعريف “الحسم”

في موازاة ذلك، لا يبدو اليمين الديني المتطرف مستعدًا للتراجع عن مشروعه في الضفة الغربية ولا عن رؤيته لمستقبل غزة، لكنه اضطر إلى إعادة حساباته بعدما اصطدمت فكرة “الحسم النهائي” بحدود الواقع العسكري والسياسي والدولي.

وبينما يستطيع سموتريتش مواصلة الدفع نحو الضم الفعلي للضفة عبر أدوات الإدارة المدنية، يستطيع بن غفير توسيع نفوذ الشرطة وتكثيف الضغط على الفلسطينيين داخل إسرائيل، في الوقت الذي يظل فيه تجميد الوضع في غزة، لا حله، أكثر ملاءمة للتيار الذي يريد منع أي مسار سياسي قابل للحياة.
إن اليمين الإسرائيلي المتطرف لا يحتاج إلى انتصار حاسم حتى يحقق ما يريده، فاستمرار الفراغ السياسي في غزة، وتسارع الاستيطان في الضفة الغربية، وإبقاء الانقسام الفلسطيني على حاله، كلها مسارات تخدم أهدافه حتى من دون الوصول إلى لحظة يمكن فيها الحديث عن “حسم نهائي”.

ولهذا، فإن انتخابات 2026 لا تدور فقط حول من سيرأس الحكومة المقبلة، وإنما حول مسار أعمق يتعلق بكيفية تعامل إسرائيل مع الصراع.

هل ستواصل إدارته كما فعلت لعقود، أم تبدأ في البحث عن صيغة مختلفة تضع نهاية الصراع ضمن حساباتها؟ فعلى مدار سنوات حكمه، بدا نتنياهو أقرب بوضوح إلى الخيار الأول، إذ لم يقدم تصورًا لإنهاء الصراع بقدر ما امتلك تصورًا لإبقائه تحت السيطرة وتأجيل استحقاقاته.

لكن أحداث السابع من أكتوبر كشفت حدود هذه المعادلة، وأظهرت أن الصراع الذي يجري احتواؤه لا يختفي، وإنما تتراكم كلفته إلى أن ينفجر بصورة أكبر. ومن ثم، فإن رحيل نتنياهو لن يعني إغلاق صفحة السابع من أكتوبر، لأن المشكلة لا تكمن في
شخصه وحده، وإنما في المعادلة السياسية والأمنية التي سمحت بإدارة الصراع طويلًا من دون معالجة جذوره.

ما بعد نتنياهو.. تغيير القيادة أم تغيير المعادلة؟

في الواقع، قد يكون نتنياهو أكثر من يجسد الأزمة، لكنه بالتأكيد ليس الأزمة كلها. فالمشكلة أعمق من شخص رئيس الوزراء، وتمتد إلى عقيدة أمنية افترضت طويلًا أن الردع قادر على أن يحل محل السياسة، وإلى مؤسسات سياسية رأت في الانقسام الفلسطيني ورقة يمكن توظيفها، وإلى مجتمع يخشى الحرب لكنه لا يزال يجد صعوبة في تصور أمن لا تكون القوة أداته الأساسية.
وختامًا، فقد تستطيع إسرائيل استعادة قدر من الردع، وتغيير حكومتها، وإعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها، لكنها قد تواجه صعوبة بالغة في استعادة ما انهار في السابع من أكتوبر، أي الثقة بأن القوة وحدها تكفي لتوفير الأمن، أو أن القضية الفلسطينية يمكن إبقاؤها خارج الحسابات السياسية إلى أجل غير محدد.

وإذا لم تتحول هذه الحقيقة إلى مراجعة أوسع للسياسة الإسرائيلية، فقد تنتهي الانتخابات إلى تغيير في القيادة من دون تغيير في المعادلة، بحيث يتبدل من يقف على رأس الحكومة بينما تبقى الأسباب التي قادت إلى الأزمة قائمة.

…………………………………………………………………………

الكاتب: باحث متخصص في الشأن الإسرائيلي.

طالع المزيد: فضيحة جديدة تهدد نتنياهو: عشيقته السابقة تفتح مذكراتها وتعرّي شخصيته

زر الذهاب إلى الأعلى