من إيران إلى الصين.. ما الذى يقلق «البنتاجون»؟

موقع بيان الإخبارى
لا تتوقف أهمية نقص مخزونات الأسلحة الأمريكية عند حدود الحرب مع إيران، إذ إن مكتب الموازنة في الكونجرس حدد تكلفة فرصة مرتبطة بالحرب، أبرزها الاستهلاك الكبير لصواريخ اعتراض الدفاع الجوي، الأمر الذي سيترك الولايات المتحدة بمخزون أقل من هذه الصواريخ لعدة سنوات.
وحذر المكتب من أن هذا النقص سيكون أكثر إشكالية إذا نشب صراع مع خصم يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وذكر الصين تحديدًا في هذا السياق.
كلفة الحرب على إيران
وكان أول تقييم رسمي أمريكى صادر قبل عدة أيام، عن أجهزة الرقابة الحكومية الأمريكية بشأن الحرب مع إيران، قد كشف عن كلفة مالية وعسكرية كبيرة لعملية «غضب ملحمي»، لم تقتصر تداعياتها على مليارات الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة، وإنما امتدت إلى مخزونات الأسلحة وقدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية على تعويض الذخائر المستهلكة بالسرعة المطلوبة.
ووفق التقرير الذي أعدته مكاتب المفتشين العامين بوزارات الدفاع والخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وأُعلن عنه في 14 سبتمبر 2026، أدت كثافة استخدام الذخائر خلال العملية إلى ظهور ما وصفه التقرير بـ«نقص استراتيجي في المخزونات»، إلى جانب اختناقات في القاعدة الصناعية الدفاعية أثرت على عمليات إعادة الإمداد.
وأشار التقييم إلى أن الولايات المتحدة تكبدت نحو 33.4 مليار دولار من التكاليف المرتبطة بالحرب حتى 29 يونيو، ذهب نحو ثلثيها إلى الذخائر المستهلكة، بينما بلغت خسائر المعدات 3.7 مليار دولار، وخصصت 7.4 مليار دولار لنفقات تشغيلية أخرى. وتؤكد تقارير أمريكية مستقلة أن التقرير يغطي الفترة من بدء العملية في 28 فبراير وحتى 30 يونيو، وأن تكلفة الذخائر وحدها بلغت 22.3 مليار دولار.
مخاوف داخل البنتاجون
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد كشفت قبل صدور تقرير المفتش العام أن استنزاف الذخائر الأمريكية في الشرق الأوسط أثار مخاوف داخل البنتاجون وبين حلفاء واشنطن في آسيا بشأن تأثير الحرب على الاستعداد لمواجهة محتملة مع الصين.
وأشارت إلى مخاوف تايوانية من تأخر تسليم بعض صواريخ «باتريوت»، وإلى تحذيرات من تأخر شحنات أسلحة أخرى إلى حلفاء آسيويين، في وقت تراكمت فيه بالفعل قوائم انتظار طويلة لتسليم الأسلحة الأمريكية.
وتزداد حساسية المسألة لأن طبيعة أي صراع محتمل في غرب المحيط الهادئ ستتطلب كميات كبيرة من الذخائر بعيدة المدى والدفاعات الصاروخية، بينما أظهرت الحرب مع إيران أن الاستهلاك السريع يمكن أن يضغط على المخزون الأمريكي وعلى القدرة الصناعية في آن واحد.
وتشير محاكاة حرب أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية «CSIS» إلى أن بعض الأسلحة بعيدة المدى قد تُستهلك بكميات كبيرة خلال الأسابيع الأولى من صراع كبير مع الصين، وهي تقديرات تحليلية وليست توقعًا بوقوع مثل هذا الصراع.
البنتاجون وترامب في مواجهة رواية «النقص»
تكشف التطورات أيضًا عن تباين في التقديرات بشأن حجم المشكلة. فقد سبق لمسؤولين في إدارة ترامب أن قللوا من المخاوف بشأن استنزاف المخزونات، بينما قال الرئيس الأمريكي إن الولايات المتحدة تمتلك كميات ضخمة من الذخائر وتنتج أسلحة متقدمة بمعدلات غير مسبوقة.
في المقابل، جاء تقرير المفتش العام ليؤكد وجود «نقص استراتيجي» في بعض المخزونات واختناقات صناعية في إعادة الإمداد. لكن ذلك لا يعني أن التقرير خلص إلى انهيار القدرة العسكرية الأمريكية؛ فوزارة الدفاع اعترضت على بعض استنتاجاته، وأكدت امتلاكها القدرات اللازمة لتنفيذ المهام الموكلة إليها. كما أن التقرير نفسه يتحدث عن إجراءات جارية لتسريع الإنتاج وإعادة بناء المخزونات.
ومن ثم، فإن القضية الأدق ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة «تملك أسلحة أم لا»، وإنما مدى قدرتها على تعويض الأسلحة التي تستهلكها حرب طويلة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بمخزون كافٍ لمواجهة أزمات أو صراعات أخرى.
الكلفة تجاوزت التقدير الأول
وتكشف المقارنة بين الأرقام الرسمية وشبه الرسمية تطورًا لافتًا خلال أيام قليلة. فتقرير المفتش العام تحدث عن 33.4 مليار دولار حتى نهاية يونيو، بينما قدر مكتب الموازنة في الكونجرس الكلفة بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس، مع توقع تكلفة إضافية تتراوح بين ملياري دولار وثلاثة مليارات شهريًا بحسب مستوى العنف. ثم جاءت أحدث تقديرات القيادة المركزية لتضع الكلفة عند 43.6 مليار دولار حتى أوائل سبتمبر.
ولا تتناقض هذه الأرقام بالضرورة، لأنها تغطي فترات زمنية مختلفة وتستخدم منهجيات مختلفة في احتساب النفقات. لكن اتجاهها العام واضح: فاتورة الحرب ترتفع بسرعة، وإعادة بناء القدرات المستنزفة ستضيف تكلفة جديدة فوق الإنفاق الذي جرى بالفعل.
ما الذي كشفته حرب إيران؟
تكشف هذه الأرقام أن الحرب أنتجت اختبارًا مزدوجًا للقوة الأمريكية: اختبارًا ماليًا يتعلق بحجم الإنفاق، واختبارًا صناعيًا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على إنتاج الأسلحة المتقدمة بالسرعة التي تستهلك بها في حرب واسعة.
وتبقى النقطة الأهم أن الـ43.6 مليار دولار ليست بالضرورة الفاتورة النهائية؛ فهي لا تشمل جميع تكاليف المستقبل، ومنها إعادة بناء بعض المنشآت العسكرية المتضررة، كما أن استمرار العمليات يعني استمرار الإنفاق.
وهكذا انتقل النقاش في واشنطن من سؤال «كم كلفت الحرب؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تعوض بسرعة ما استهلكته في إيران، من دون أن يؤدي ذلك إلى تقليص قدرتها على الاستجابة لأزمات أخرى في الوقت نفسه؟
وهذا السؤال هو الجانب الأهم الذي تضيفه التقارير الأمريكية الجديدة إلى قصة الحرب؛ فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ الموجودة في الترسانة، وإنما أيضًا بسرعة إعادة إنتاجها عندما يبدأ الاستهلاك في تجاوز قدرة الصناعة على التعويض.
طالع المزيد: وزارة الحرب الأمريكية: 33.4 مليار دولار تكلفة الحرب على إيران





