عاطف عبد الغني يشرح دبلوماسية مصر: تعتمد الحل السياسي والحوار فى إدارة الأزمات

.. والقضية الفلسطينية قلب أزمات المنطقة

كتبت: هدى الفقى

قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عاطف عبد الغني، رئيس تحرير «موقع بيان الإخباري»، إن هناك حجر زاوية يمكن من خلاله فهم طريقة تعاطي مصر مع الأزمات الإقليمية والدولية المحيطة بها، يتمثل في إيمان القيادة المصرية ومؤسسة الدبلوماسية بأن الحل السياسي هو الطريق الحقيقي والناجع لإنهاء الأزمات، وليس الحرب أو توسيع دوائر الصراع أو التصعيد، لما تترتب على تلك الخيارات من كوارث إنسانية واقتصادية وأمنية.

جاء ذلك خلال مشاركة عاطف عبد الغني في برنامج «مساحة للرأي»، المذاع على الفضائية المصرية، وتقدمه الإعلامية شيرين الوكيل، في حلقة بعنوان: «ثوابت مصر في عالم مضطرب.. الحل السياسي طريقًا للسلام والاستقرار».

وأوضح عبد الغني خلال المشاركة أن المنطقة والعالم يواجه مجموعة واسعة من الصراعات، من القضية الفلسطينية والحرب الروسية الأوكرانية، إلى التطورات في سوريا ولبنان واليمن، وصولًا إلى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مشيرًا إلى أن خطورة هذه الأزمات لا تكمن فقط في استمرارها، وإنما في قابليتها للاتساع وانضمام أطراف جديدة إليها، بما قد يحولها إلى أزمات إقليمية واسعة تهدد الأمن الإقليمي والدولي، وتمتد تداعياتها إلى الأمن القومي المصري.

الدبلوماسية الوقائية.. ثوابت لا تعني الجمود

وقال رئيس تحرير «بيان» إن مصر تنطلق في تعاملها مع هذه الأزمات من سياسة يمكن وصفها بـ«الدبلوماسية الوقائية»، التي تقوم على الحوار والحلول الدبلوماسية، وتسعى إلى معالجة جذور الصراعات وليس الاكتفاء بتهدئات مؤقتة.

وأضاف أن هذه الرؤية تمثل أحد الثوابت التي تؤكد عليها السياسة المصرية منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية الحكم، موضحًا أن مفهوم «الثوابت» لا يعني الجمود في المواقف أو الآليات، وإنما يتعلق بالمبادئ والأهداف الرئيسية، بينما تظل أدوات التعامل مع التفاصيل والمتغيرات قابلة للتكيف وفق طبيعة كل أزمة.

وأشار إلى أن هذا النهج يتوافق مع ما تؤكده القاهرة رسميًا من أولوية الحوار الإقليمي والحلول السياسية السلمية في معالجة الأزمات، إلى جانب تبني سياسة تقوم على استقلالية القرار وتنويع الشراكات والعلاقات المتوازنة مع القوى الدولية.

صراعات المنطقة.. مصالح خارجية وحسابات للقوى الكبرى

وفي حديثه عن تأثير القوى الخارجية في أزمات المنطقة، رأى عبد الغني أن المشهد شديد التعقيد، لأن عددًا من الصراعات القائمة لا يمكن فهمه بمعزل عن مصالح القوى الكبرى وتدخلاتها، معتبرًا أن المنطقة شهدت على مدى عقود أنماطًا مختلفة من الصراعات بالوكالة.

وأضاف أن جذور أزمات المنطقة تعود، في جانب منها، إلى تاريخ طويل من التدخلات الخارجية والصراعات الممتدة، مشيرًا إلى أن قيام إسرائيل وما أعقبه من صراع عربي إسرائيلي كان أحد أهم العوامل التي أثرت في تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للشرق الأوسط.

وأكد أن القضية الفلسطينية، تمثل «حجر الزاوية» في أزمات المنطقة، موضحًا أن الأمن الفلسطيني يتقاطع بصورة مباشرة مع الأمن المصري، خصوصًا في ظل الارتباط الجغرافي والأمني بين قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء.

وقال إن النظر إلى خريطة الأزمات الإقليمية يكشف، عن تداخل القضية الفلسطينية مع العديد من الملفات الأخرى، سواء في سوريا ولبنان شمالًا، أو اليمن وأمن البحر الأحمر جنوبًا، أو مع ترتيبات الأمن في شرق المتوسط، الأمر الذي يجعل القضية الفلسطينية، «الأزمة الأم» التي يجب أن تكون في مقدمة أي مقاربة شاملة لأمن المنطقة واستقرارها.

من الاحتلال العسكري إلى النفوذ السياسي والاقتصادي

وانتقل عبد الغني إلى الحديث عن مفهوم الاستعمار، معتبرًا أن انتهاء مرحلة الاحتلال العسكري المباشر لم يؤدِ بالضرورة إلى انتهاء أشكال النفوذ الخارجي، وإنما ظهرت، بحسب رؤيته، صور أخرى من النفوذ السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وأوضح أن القوى الكبرى استخدمت، تاريخيًا، أدوات مختلفة للحفاظ على نفوذها في المنطقة، وأن الصراعات المباشرة وغير المباشرة ظلت إحدى أدوات إدارة المصالح الدولية.

وفي سياق حديثه عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أشار عبد الغني إلى أن هذه الحرب، في تقديره، قدمت نموذجًا مختلفًا في مفهوم «الحرب بالوكالة»، إذ رأى أن إسرائيل كانت، لفترات طويلة، تؤدي دورًا أمنيًا وعسكريًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة، بينما بدا المشهد في الصراع الحالي مع إيران أكثر تعقيدًا، مع دخول الولايات المتحدة مباشرة في المواجهة.

وأضاف أن إيران لديها بدورها حلفاء وأذرع في المنطقة تستخدمها في صراعات مختلفة، بينما تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا، وهو ما يجعل الصراع الإقليمي متعدد المستويات والأطراف.

الخلافات العربية.. خطر استنزاف القوة الشاملة

وحذر عبد الغني من خطورة انتقال المنطقة من الصراعات الداخلية داخل بعض الدول العربية إلى صراعات بين الدول العربية نفسها، معتبرًا أن هذا التحول يمثل تحديًا بالغ الخطورة للأمن القومي العربي.

وقال إن مصر سعت على مدى سنوات إلى رأب الصدع بين الأطراف والقوى داخل عدد من الدول العربية، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو سوريا، والعمل على منع تفكك الدول ومؤسساتها الوطنية.

وأضاف أن المرحلة الحالية تفرض ضرورة التمييز بين الحروب الأهلية داخل الدول وبين الصراعات البينية بين الدول، موضحًا أن وجود تباينات في المصالح القومية بين الدول العربية أمر طبيعي، لكن المشكلة تكمن في إمكانية استغلال هذه التباينات خارجيًا لمنع التعاون العربي أو إضعاف القدرة الجماعية على توظيف الموارد والمقدرات العربية في معادلة السياسة الدولية.

وأشار إلى أن تاريخ المنطقة شهد محاولات متعددة لإعادة تشكيل خرائطها وتفكيك مجتمعاتها على أسس عرقية وطائفية، معتبرًا أن استمرار مثل هذه الأفكار يظل عاملًا يهدد استقرار الدول العربية.

إسرائيل والقضية الفلسطينية.. الصراع يتجاوز الحسابات الأمنية

وفي تقييمه للدور الإسرائيلي في أزمات المنطقة، قال عبد الغني إن إسرائيل، وفق رؤيته، لا تتعامل مع الصراعات الإقليمية باعتبارها أزمات منفصلة، وإنما تتحرك في إطار أهداف استراتيجية أوسع.

وأضاف أن الخطاب الإسرائيلي يركز على اعتبارات الأمن والدفاع عن الدولة، لكن هناك، بحسب تقديره، تيارات داخل إسرائيل تحمل أهدافًا تتجاوز هذه الاعتبارات، وتتحدث عن تصورات تتعلق بتوسيع نطاق الدولة أو إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في المنطقة.

وأشار إلى أن توظيف الدين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل، في رأيه، أحد العناصر التي ينبغي عدم تجاهلها عند تحليل جذور الصراع، موضحًا أن بعض التيارات السياسية والدينية الإسرائيلية تستخدم روايات تاريخية ودينية لتقديم مبررات لمواقفها السياسية والجغرافية.

وأكد عبد الغني أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري أو الأمني فقط، وإنما ترتبط أيضًا بأسئلة الأرض والسيادة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وهو ما يجعل أي تسوية مستدامة بحاجة إلى معالجة هذه الجوانب بصورة شاملة.

العالم أمام إعادة تشكيل للاستقطاب الدولي

وانتقل رئيس تحرير «بيان» إلى الصراع الدولي الأوسع، معتبرًا أن المنطقة أصبحت واحدة من ساحات التنافس الرئيسية بين القوى الكبرى، في ظل ما وصفه بإعادة تشكيل النظام الدولي بعد مرحلة التفرد الأمريكي.

وقال إن العالم يشهد عودة واضحة للمنافسة بين القوى الكبرى، وإن الحرب الروسية الأوكرانية والصراع الأمريكي الإيراني والتنافس الأمريكي الصيني تمثل جميعها مظاهر مختلفة لصراع أوسع على النفوذ والقوة والقواعد التي تحكم النظام الدولي.

وأشار إلى أن روسيا لا تزال لاعبًا رئيسيًا في هذا المشهد، بينما تتحرك الصين، بحسب رؤيته، عبر أدوات مختلفة، وفي مقدمتها الاقتصاد والتجارة والاستثمار، معتبرًا أن بكين تسعى إلى بناء نفوذ واسع من خلال القوة الاقتصادية وليس فقط القوة العسكرية.

وأوضح أن هذا التنافس يجعل الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأحمر وشرق المتوسط ذات أهمية متزايدة، بسبب موقعها الجغرافي ومواردها وممراتها البحرية وأهميتها في حركة التجارة والطاقة الدولية.

مبادرات الوساطة.. المصالح قد تدفع نحو التهدئة

وفي حديثه عن المبادرات والوساطات التي ظهرت خلال الفترة الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية أو الصراع في الشرق الأوسط، قال عبد الغني إن تعدد المبادرات يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الحروب بات يفرض كلفة سياسية واقتصادية وأمنية ضخمة على جميع الأطراف.

وأشار إلى المبادرات والتحركات المصرية والروسية والباكستانية وغيرها، مؤكدًا أن نجاح أي مسار تفاوضي لا يرتبط فقط برغبة طرف واحد في التهدئة، وإنما يتوقف على حسابات ومصالح جميع الأطراف وقدرتها على تحمل تكلفة التسوية.

وأوضح أن الحرب الروسية الأوكرانية، على سبيل المثال، لا تتعلق فقط بقرار موسكو وكييف، وإنما تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى، ومصالح الأمن والطاقة والاقتصاد والنفوذ الدولي.

ترامب والحرب والطاقة.. السياسة والاقتصاد وجهان للأزمة

وتناول عبد الغني تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أسباب أزمة الطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن قراءة تداعيات الصراعات الحالية تتطلب النظر إلى أكثر من عامل في الوقت نفسه.

وقال إن إغلاق أو اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب التوترات في البحر الأحمر وباب المندب، أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وهي تداعيات لا يمكن فصلها عن الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران.

وتشير بيانات حديثة إلى أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا تزال أقل بكثير من متوسطاتها السابقة، بينما تعرضت طرق ومرافق تصدير الطاقة في المنطقة لاضطرابات، الأمر الذي انعكس على أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين.

كما أشار عبد الغني إلى أن الحرب في إيران أصبحت ذات تكلفة مالية متزايدة على الولايات المتحدة؛ إذ قدر مكتب الميزانية في الكونجرس الأمريكي تكلفة الحرب حتى الأول من أغسطس 2026 بنحو 38 مليار دولار، مع توقع زيادة شهرية تقارب 3 مليارات دولار وفق البيانات التي نقلتها «رويترز».

المصالح السياسية والجيوسياسية

وفي ختام حديثه، أكد عاطف عبد الغني أن المصالح السياسية والاقتصادية والجيوسياسية تظل أحد أهم المحركات للصراعات الدولية، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في وجود المصالح في حد ذاتها، وإنما في تحولها إلى مبرر لتجاهل الكلفة الإنسانية للحروب.

وقال إن العالم شهد، بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي، مرحلة من إعادة ترتيب موازين القوى، ثم عادت المنافسة بين الشرق والغرب في صور جديدة، معتبرًا أن الحرب الروسية الأوكرانية إحدى أبرز تجليات هذا التنافس.

وأضاف أن دفع أوكرانيا نحو الغرب وما ترتب عليه من صدام مع روسيا لا يمكن، في رأيه، فهمه بمعزل عن الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، مؤكدًا أن الشعوب هي التي تتحمل في النهاية الجانب الأكبر من تكلفة هذه الصراعات، سواء من خلال الخسائر البشرية أو النزوح أو الأزمات الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.

وشدد عبد الغني على أن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي لا يتمثل فقط في إدارة الحروب بعد اندلاعها، وإنما في معالجة جذور الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة، مؤكدًا أن الحل السياسي والدبلوماسي يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام، إذا توافرت الإرادة السياسية لدى أطراف الصراع والقوى المؤثرة فيه.

شاهد الحلقة كاملة:

طالع المزيد: عاطف عبد الغنى يكتب: الزعيم الصيني في القاهرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى