بكين تطرد اثنين من كبار جنرالات الجيش بتهمة «عدم الولاء»

من الصف الأول في القيادة العسكرية إلى التحقيق والفصل.. ماذا وراء الإطاحة بزعيمَين كانا في قلب منظومة القرار العسكري الصيني؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

في تطور بالغ الأهمية داخل المؤسسة العسكرية الصينية، أعلنت بكين فصل اثنين من أبرز قادة جيش التحرير الشعبي، تشانج يوشيا (Zhang Youxia) وليو تشنلي (Liu Zhenli)، من الحزب الشيوعي والجيش، بعد اتهامهما بارتكاب مخالفات خطيرة تتعلق بالانضباط والفساد وعدم الولاء للحزب، في واحدة من أكبر عمليات التطهير التي تطال قمة القيادة العسكرية الصينية.

وجاء القرار عقب اجتماع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، الاثنين 21 سبتمبر 2026، بعدما خضع الرجلان لتحقيقات بدأت في يناير الماضي. وأفادت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» بأن التحقيقات خلصت إلى اتهامات شملت تشكيل تكتلات وفصائل داخل المؤسسة، وعدم الولاء للحزب، واستغلال النفوذ، وتلقي مبالغ مالية ضخمة، فضلًا عن مخالفات تتعلق بالانضباط الوظيفي والشخصي.

من الرجل الثاني في الجيش إلى خارج الحزب

الكاتب ليو زين (Liu Zhen)، في تقريره المنشور بصحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» (South China Morning Post)، يوضح أن تشانج يوشيا لم يكن جنرالًا عاديًا، إذ سبق أن شغل منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية الصينية، وهي أعلى هيئة لاتخاذ القرار العسكري في البلاد، وكان يُعد أعلى مسؤول عسكري يرتدي الزي الرسمي بعد الرئيس الصيني شي جين بينج.

كما كان تشانج عضوًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، الذي يضم 24 عضوًا، ما جعل الإطاحة به تمثل تطورًا لافتًا بالنظر إلى موقعه السابق داخل هرم السلطة السياسية والعسكرية. أما ليو تشنلي، فكان عضوًا في اللجنة العسكرية المركزية، وشغل سابقًا منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة بها.

وأعلنت السلطات الصينية أن الرجلين أُقيلا كذلك من مناصبهما في اللجنة العسكرية المركزية، قبل أن يصدر قرار الفصل من الحزب والجيش.

اتهامات بالولاءات الفصائلية والفساد

بحسب البيان الرسمي الذي نقلته «شينخوا»، اتُهم تشانج وليو بـ«تشكيل تكتلات وفصائل» وبأنهما لم يكونا مخلصين وصادقين مع الحزب، إلى جانب انتهاكات تنظيمية ومالية.

وتحدث البيان عن استخدام النفوذ الوظيفي لمساعدة آخرين في الحصول على ترقيات، وتلقي مبالغ مالية ضخمة، وقبول هدايا وأموال بصورة مخالفة للقواعد، فضلًا عن الإخفاق في تحمل المسؤوليات المتعلقة بتطبيق الانضباط داخل المؤسسة.

وقالت السلطات إن المخالفات تضمنت أيضًا تداخلًا بين المشكلات السياسية والاقتصادية، إلى جانب اتهامات بالفساد وتحقيق مكاسب غير مشروعة والإخلال بالواجبات. ووصفت السلطات الصينية المبالغ محل القضية بأنها «ضخمة للغاية»، وفق ما نقلته «شينخوا».

ولا تقتصر الإجراءات على العقوبات الحزبية والعسكرية؛ فقد قررت السلطات الصينية إحالة القضايا التي يُشتبه في أنها تشكل جرائم إلى النيابة العسكرية لاتخاذ الإجراءات القانونية، مع إنهاء عضوية الرجلين في المؤتمر الوطني العشرين للحزب.

تحقيقات بدأت في يناير

يأتي القرار بعد أشهر من إعلان التحقيق مع الجنرالين في يناير 2026، في إطار حملة مستمرة لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ومواجهة الفساد داخل جيش التحرير الشعبي.

ووفق «رويترز»، أُعلن التحقيق مع تشانج وليو في يناير، قبل إبعادهما رسميًا من اللجنة العسكرية المركزية في أغسطس. وكانت الصين قد أعلنت في 28 أغسطس إعفاء تشانج من منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وإعفاء ليو من عضوية اللجنة.

وبذلك انتقلت القضية من مرحلة التحقيق والإعفاء من المناصب إلى مرحلة أكثر حسمًا، مع الفصل من الحزب والجيش والإحالة إلى القضاء العسكري.

حملة تطهير داخل الجيش الصيني

وتضع هذه التطورات تشانج وليو ضمن سلسلة من كبار المسؤولين العسكريين الذين تعرضوا للإقصاء والتحقيق خلال السنوات الأخيرة في إطار حملة مكافحة الفساد التي يقودها شي جين بينج داخل جيش التحرير الشعبي.

وتشير «رويترز» إلى أن الجيش كان أحد الأهداف الرئيسية لحملة مكافحة الفساد التي أطلقها شي منذ توليه السلطة عام 2012، وأن التطورات الأخيرة تعكس استمرار الحملة في الوصول إلى مستويات عليا من القيادة العسكرية.

ويكتسب ملف تشانج يوشيا أهمية خاصة بسبب موقعه السابق وعلاقته الطويلة بالمؤسسة العسكرية؛ فقد كان أحد أبرز الضباط أصحاب الخبرة القتالية في قمة الجيش الصيني، كما كان من القلائل بين كبار القادة العسكريين الذين يمتلكون سجلًا قتاليًا مباشرًا.

لماذا يثير التطور اهتمامًا واسعًا؟

تكمن أهمية القضية في أن الإطاحة لا تطال مسؤولين عسكريين من الصفوف المتوسطة، وإنما اثنين من الشخصيات التي كانت في صميم آلية صنع القرار العسكري الصيني.

فتشانج كان نائبًا لرئيس اللجنة العسكرية المركزية وعضوًا في المكتب السياسي، بينما كان ليو عضوًا في اللجنة العسكرية وشغل منصبًا رئيسيًا في هيكل القيادة العملياتية للجيش.

ومن ثم، فإن انتقال القضية من مجرد تحقيقات إلى الفصل من الحزب والجيش والإحالة إلى النيابة العسكرية يضيف فصلًا جديدًا إلى عملية إعادة تشكيل القيادة العسكرية الصينية، ويطرح تساؤلات حول حجم حملة مكافحة الفساد داخل الجيش ومدى تأثيرها على هيكل القيادة والسيطرة.

التوقيت يضيف بعدًا آخر

ويأتي الإعلان في توقيت حساس بالنسبة لبكين، إذ يتزامن مع استعداد الرئيس الصيني شي جين بينج لزيارة الولايات المتحدة لإجراء محادثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقبل اجتماع حزبي مهم مقرر في أكتوبر بشأن الحوكمة والانضباط داخل الحزب.

ووفق «رويترز»، فإن توقيت الإعلان عن إقصاء الجنرالين يلفت الانتباه بالنظر إلى قرب هذه الاستحقاقات السياسية، وإن كان لا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة بينها وبين الإجراءات المتخذة بحق الرجلين.

من قيادة الجيش إلى المحاكمة العسكرية

وهكذا، تنتهي حتى الآن رحلة تشانج يوشيا وليو تشنلي من قمة المؤسسة العسكرية الصينية إلى خارج الحزب والجيش، مع انتقال ملفهما إلى المسار القضائي العسكري.

وبينما تقدم بكين القضية باعتبارها جزءًا من مكافحة الفساد وحماية الانضباط والولاء داخل القوات المسلحة، فإن حجم المناصب التي شغلها الرجلان يجعل الواقعة واحدة من أبرز التطورات التي شهدتها القيادة العسكرية الصينية خلال السنوات الأخيرة، ويجعل نتائج الإجراءات القضائية المقبلة مفتاحًا لفهم مدى اتساع القضية وتداعياتها داخل جيش التحرير الشعبي.

طالع المزيد: هونغ كونغ تكشف عن أول خطة خمسية فى تاريخها.. بوابة جديدة لتعميق الاندماج مع الصين

Exit mobile version