تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
مع اقتراب القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في واشنطن، لم تعد الحرب التكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم تقتصر على القيود التجارية أو منع تصدير الرقائق المتقدمة، وإنما انتقلت بصورة متزايدة إلى سباق حول منظومة الذكاء الاصطناعي بأكملها، من المعالجات والبنية التحتية إلى البرمجيات وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة.
وفي هذا السياق، سلطت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» الضوء على التحولات التي طرأت على ميزان القوة التكنولوجي منذ آخر لقاء بين ترامب وشي، مشيرة إلى أن الطرفين باتا يمتلكان أوراق ضغط جديدة في الذكاء الاصطناعي والرقائق والمعادن النادرة وسلاسل التكنولوجيا، بينما تحولت شركة هواوي إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة بين البلدين.
هواوي ترد على القيود الأمريكية
قبل أيام من زيارة شي إلى الولايات المتحدة، أعلنت هواوي عن تطور تقني قالت إنه يسمح بربط ما يصل إلى مليون معالج للعمل معًا باعتبارها نظام حوسبة واحدًا، في خطوة تعكس تحول الشركة الصينية من محاولة اللحاق بمنافسيها في قوة المعالج الفردي إلى التركيز على بناء أنظمة حوسبة ضخمة قادرة على تعويض بعض القيود التي تواجهها في الحصول على الرقائق الأكثر تقدمًا.
وأعلنت الشركة في 17 سبتمبر عن بنية حوسبة جديدة تحمل اسم Peerium، تعتمد على تقنية UnifiedBus لربط المعالجات والذاكرة والتخزين ومكونات الشبكات، بما يسمح بالتوسع إلى أنظمة تضم مئات الآلاف من المعالجات، وصولًا إلى مليون معالج في الأنظمة المخطط لها. وقالت هواوي إن أحد أنظمة Atlas 950 SuperCluster الذي يضم 256 ألف بطاقة حوسبة دخل بالفعل مرحلة الاستخدام، فيما يجري اختبار نظام Atlas 960.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في ظل القيود الأمريكية المفروضة على وصول الشركات الصينية إلى الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات. وبدل الاعتماد فقط على رفع كفاءة الشريحة الواحدة، تراهن هواوي على التكامل بين أعداد ضخمة من المعالجات وتحسين طريقة اتصالها وتبادل البيانات بينها.
«هواوي تريد أن تصبح نفيديا الصين»
وتكشف تصريحات مسؤولي هواوي عن طموح يتجاوز إنتاج بدائل محلية للرقائق الأمريكية. فقد قال رئيس مجلس إدارة الشركة بالتناوب إريك شو إن هواوي لا تستطيع تلبية الطلب المحلي على معدات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وإنها لا تخطط في الوقت الحالي للتوسع الدولي بصورة كبيرة بسبب محدودية الطاقة الإنتاجية.
كما أشار إلى اعتقاده بأن حصة معالجات Ascend التابعة لهواوي في سوق رقائق الذكاء الاصطناعي الصيني أصبحت أكبر من حصة «نفيديا»، لكنه أقر بعدم وجود بيانات موثوقة متاحة لتأكيد هذا التقدير.
وتشير رويترز إلى أن هواوي أصبحت في قلب استراتيجية الصين لبناء صناعة ذكاء اصطناعي محلية أقل اعتمادًا على التكنولوجيا الأجنبية، خصوصًا في ظل القيود الأمريكية التي تستهدف وصول بكين إلى أكثر الرقائق تقدمًا. وأعلنت الشركة تسريع طرح الجيل المقبل من معالجات Ascend؛ إذ تخطط لإطلاق 960DT في الربع الأول من 2027 و960PR في الربع الثالث، مع استمرار خطة طرح أجيال جديدة من المعالجات سنويًا.
لكن نفيديا ما زالت تملك ورقة مهمة
رغم التقدم الصيني، لا يعني ذلك أن الفجوة التكنولوجية اختفت. فما زالت نفيديا تتمتع بميزة كبيرة في مجال البرمجيات، خصوصًا منظومة CUDA واسعة الاستخدام، والتي تتيح للمطورين بناء وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على معالجات الشركة.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات الصراع الحالي: فالمنافسة لم تعد مجرد مقارنة بين سرعة معالج أمريكي وآخر صيني، وإنما أصبحت منافسة بين منظومتين تقنيتين تشملان الشرائح، ومراكز البيانات، والبرمجيات، وأدوات التطوير، والطاقة، وسلاسل الإمداد.
من حرب الرقائق إلى حرب الذكاء الاصطناعي
وتؤكد رويترز أن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد الملفات الرئيسية على طاولة ترامب وشي، في ظل اعتبار واشنطن وبكين أن التفوق في هذا المجال يرتبط ليس فقط بالنمو الاقتصادي، وإنما أيضًا بالتنافس العسكري والأمني.
ومنذ عام 2022، فرضت الولايات المتحدة قيودًا واسعة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، في محاولة للحد من قدرة بكين على الوصول إلى التقنيات الأكثر تقدمًا. وفي المقابل، كثفت الصين جهودها لتطوير بدائل محلية، بينما أصبحت هواوي محورًا أساسيًا في هذا المسار.
وفي تطور لافت، لم يعد النقاش الأمريكي–الصيني يدور فقط حول منع تصدير الرقائق، بل امتد إلى قدرة الشركات الصينية على الوصول عن بُعد إلى مراكز بيانات في دول أخرى واستخدام الرقائق المتقدمة الموجودة فيها، بحسب رويترز.
المعركة لا تدور حول الرقائق وحدها
التطورات الأخيرة تشير كذلك إلى اتساع نطاق أدوات الضغط المتبادلة. فإلى جانب أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، أصبحت المعادن النادرة ورقة صينية مهمة في مواجهة القيود الأمريكية، نظرًا لدورها في الصناعات الإلكترونية والدفاعية والتكنولوجية.
وتشير رويترز إلى أن الصين تسيطر على نسبة كبيرة من تعدين وتكرير المعادن النادرة عالميًا، وهو ما منح بكين أداة ضغط في سلاسل الإمداد، ودفع واشنطن إلى التعامل بحذر مع التصعيد قبيل لقاء ترامب وشي.
وهكذا تتجه الحرب التكنولوجية إلى صورة أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا مهمًا في عدد من الرقائق المتقدمة والبرمجيات والمنظومات التكنولوجية، بينما تعمل الصين على تقليص نقاط ضعفها عبر الإنتاج المحلي، وتكامل الأنظمة، وتطوير بدائل للرقائق، والسيطرة على أجزاء مهمة من سلاسل المواد الخام.
هل تغير ميزان القوة؟
يصعب القول إن أحد الطرفين حسم السباق التكنولوجي. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تغير طبيعة المنافسة.
فالقيود الأمريكية التي استهدفت إبطاء وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة دفعت بكين بصورة أكبر نحو بناء منظومة محلية متكاملة، بينما أظهرت هواوي قدرة على تطوير حلول على مستوى النظام يمكن أن تقلل من أثر ضعف بعض الرقائق الفردية.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مزايا مهمة في الرقائق المتقدمة، والبرمجيات، والمنظومات العالمية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل المعركة طويلة الأمد وليست مواجهة تحسمها قفزة تقنية واحدة.
والأكثر دلالة أن الصين لم تعد تتعامل مع القيود الأمريكية باعتبارها عائقًا تجاريًا مؤقتًا، بل باعتبارها حافزًا لبناء استقلال تكنولوجي أوسع. أما واشنطن، فتتعامل مع الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات باعتبارهما جزءًا من المنافسة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية مع بكين.
وبذلك، فإن إعلان هواوي عن منظومة قادرة على ربط مليون معالج لا يمثل وحده تحولًا في ميزان القوة، لكنه يحمل رسالة واضحة: المعركة انتقلت من سؤال «من يملك أقوى شريحة؟» إلى سؤال «من يستطيع بناء منظومة الذكاء الاصطناعي الأكثر تكاملًا واستقلالًا؟»، وهو سؤال سيكون حاضرًا بقوة خلال لقاء ترامب وشي المرتقب في واشنطن.
