من النيل إلى البيتكوين.. ماذا تكشف أزمة الكهرباء عن معركة سد النهضة؟

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

 خلال الساعات القليلية الماضية طرح هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، تساؤلًا لافتًا حول مصير الكهرباء التي ينتجها السد، وما إذا كان جزء منها يذهب إلى تعدين البيتكوين، في وقت تكشف فيه بيانات حديثة عن توسع كبير في نشاط تعدين العملات المشفرة داخل إثيوبيا واستهلاكه حصة مؤثرة من الكهرباء المنتجة في البلاد.

سويلم قال، خلال لقاء مع وسائل إعلام دولية في القاهرة، إن بناء سد على نهر دولي مشترك لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا سياديًا داخليًا، مؤكدًا أن الخلاف لا يتعلق برفض مصر للتنمية أو إنتاج الكهرباء في دول حوض النيل، وإنما بكيفية إنشاء وتشغيل السدود على الأنهار العابرة للحدود، وبما تترتب عليه من آثار على دول المصب.

البيتكوين يدخل على خط أزمة الكهرباء

اللافت أن تصريحات سويلم جاءت في وقت تكشف فيه بيانات نقلتها بلومبرج عن حجم استهلاك تعدين البيتكوين في إثيوبيا. فقد استهلكت شركات تعدين العملات المشفرة ما يقارب ثلث إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد، البالغ نحو 9730 ميجاوات، كما مثلت إيراداتها نحو 35% من إيرادات شركة الكهرباء الإثيوبية خلال السنة المالية الماضية.

ولم يكن الأمر مجرد نشاط هامشي؛ إذ أبرمت إثيوبيا اتفاقات لشراء الكهرباء مع 39 شركة لتعدين البيتكوين، تعمل منها 31 شركة، في ظل استفادة هذه الشركات من انخفاض تكلفة الكهرباء في البلاد، ولا سيما الكهرباء المولدة من الطاقة الكهرومائية.

لكن التطور الأكثر دلالة جاء مع تراجع تدفقات المياه إلى الخزانات الكهرومائية بنحو 20% خلال موسم الجفاف، الأمر الذي دفع شركة الكهرباء الإثيوبية إلى خفض إمدادات الكهرباء الموجهة إلى شركات تعدين البيتكوين تدريجيًا حتى وصلت إلى نحو 23% من الكميات المتعاقد عليها، مع احتمال إجراء تخفيضات إضافية إذا استمرت الظروف المائية الصعبة.

 وحدات لتعدين البيتكوين في أثيوبيا
وحدات لتعدين البيتكوين في أثيوبيا

هل يعني ذلك أن سد النهضة يخدم البيتكوين؟

هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة ألا وهى أن وجود تعدين كثيف للبيتكوين في إثيوبيا لا يعني تلقائيًا أن سد النهضة بُني من أجل تعدين العملات المشفرة.

إثيوبيا تقدم سد النهضة باعتباره مشروعًا رئيسيًا لإنتاج الكهرباء وتحويل قدراتها المائية إلى طاقة ودعم التنمية والصادرات الكهربائية.

ووفق بيانات شركة الكهرباء الإثيوبية، فإن السد أسهم خلال السنة المالية الأخيرة بـ52% من إيرادات صادرات الكهرباء الإثيوبية، كما تقول الشركة إن المشروع أدى إلى زيادة كبيرة في قدرة البلاد على توليد الكهرباء.

ومن ثم فإن العلاقة الأكثر دقة هي أن سد النهضة يعزز قاعدة الكهرباء الكهرومائية التي تعتمد عليها إثيوبيا، بينما أصبحت صناعة تعدين البيتكوين أحد كبار المستهلكين للكهرباء في هذه المنظومة.

من «سد للكهرباء» إلى قضية التحكم في النيل

وهنا تظهر الزاوية الأهم في الأزمة، وهى أن القاهرة لا تناقش سد النهضة باعتباره محطة لتوليد الكهرباء فقط، وإنما تركز بصورة متزايدة على قواعد تشغيله وتأثيرها في تدفقات المياه إلى مصر والسودان.

وفى هذا الصدد حذر وزير الرى من أن التشغيل الأحادي وغير المنسق يمكن أن يؤدي إلى زيادات مفاجئة في التصريف أو انخفاضات حادة فيه، بما يربك إدارة السدود والمنشآت المائية في دول المصب.

في المقابل، تتمسك أديس أبابا بما تزعم أنه حقها في استغلال مواردها الطبيعية، وتقدم السد باعتباره مشروعًا للتنمية وإنتاج الطاقة والتكامل الإقليمي.

وفي سبتمبر الجاري، قالت شركة الكهرباء الإثيوبية إن سد النهضة أصبح مصدرًا رئيسيًا لإيرادات صادرات الكهرباء، وإنه يساهم في توسيع الربط الكهربائي مع دول الجوار.

وإذا كانت أثيوبيا تعلن دوما أنه حقها في التنمية وإنتاج الطاقة، ففى المقابل تضرب بحق مصر والسودان في حماية مصالحهما المائية، عرض الحائط.

المعركة الحقيقية ليست حول الكهرباء وحدها

وفى ذات السياق نطرح سؤال ثالث يتعلق بكيفية توزيع واستخدام الطاقة الإثيوبية في ظل دخول مستهلكين كثيفي الاستهلاك مثل شركات تعدين البيتكوين.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن جوهر الخلاف المصري–الإثيوبي لم يعد مجرد سؤال: كم كهرباء ينتج سد النهضة؟ وإنما أصبح سؤالًا أوسع: من يملك قرار إدارة مورد عابر للحدود، وما القواعد التي تحكم استخدامه وتأثيراته على الآخرين؟

وتقول مصر إن اعتمادها شبه الكامل على النيل يجعل قواعد تشغيل السد مسألة تمس أمنها المائي بصورة مباشرة؛ إذ أعلن سويلم أن أكثر من 98% من الموارد المائية المتجددة في مصر تأتي من خارج حدودها، وأن احتياجات البلاد السنوية تتجاوز مواردها المتجددة بصورة كبيرة.

أما إثيوبيا فتدفع باتجاه رواية مختلفة تقوم على أن لديها موارد مائية ومناخية واسعة، وأن التنمية وتوليد الطاقة حقان أساسيان لها، وترفض ما تعتبره قيودًا على استخدامها لمواردها الطبيعية.

ومن هنا، فإن دخول البيتكوين إلى المشهد لا يغير جوهر النزاع، لكنه يكشف جانبًا جديدًا من معركة أوسع حول الكهرباء والمياه والتنمية والسيادة وإدارة الموارد.

وترى القاهرة أن القضية الأهم هي ألا يتحول تشغيل منشأة ضخمة على النيل الأزرق إلى أداة تمنح دولة المنبع قدرة منفردة على التأثير في تدفقات نهر يعتمد عليه ملايين المصريين والسودانيين.

واللافت أن أزمة تعدين البيتكوين نفسها تقدم مفارقة مهمة فعندما انخفضت تدفقات المياه إلى الخزانات الكهرومائية، اضطرت إثيوبيا إلى تقليص الكهرباء الموجهة إلى قطاع التعدين لحماية احتياجات أخرى؛ ما يوضح أن الطاقة الكهرومائية ليست موردًا منفصلًا عن المناخ والمياه، بل تقع عند نقطة التقاء مباشرة بين أمن المياه وأمن الطاقة والاقتصاد الرقمي.

طالع المزيد: وزير الري: سد النهضة يهدد السودان واتفاق 2015 إعلان مبادئ

زر الذهاب إلى الأعلى