عبد الغني: تمدد الحوثيين أعاد رسم معادلة الأمن الإقليمي.. والصين تدخل على خط الأزمة

باب المندب.. التهديد أهم من السيطرة

كتب: على طه

قال الكاتب الصحفي عاطف عبد الغني، رئيس تحرير موقع «بيان الإخباري» ومدير تحرير مجلة «أكتوبر»، إن التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن جاءت في سياق عودة الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي تطورات كانت الأمم المتحدة قد حذرت من احتمالاتها قبل أشهر، وصدقت التوقعات مع تصاعد العمليات العسكرية مجددًا منذ بداية سبتمبر الجاري.

وأضاف عبد الغني، خلال مشاركته في برنامج «ساعة إخبارية» على قناة النيل للأخبار، في حلقة قدمها الإعلامي أحمد أنور، برئاسة تحرير نهى سعيد، أن التطورات الميدانية الأخيرة أدت إلى إعادة توزيع للقوة على الأرض، بعدما تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب ميدانية مهمة، من بينها السيطرة على مدينة المخا ومواقع وجزر في البحر الأحمر قريبة من باب المندب.

وأوضح أن أهمية هذه التطورات لا تتوقف عند حدود الصراع الداخلي اليمني، وإنما تمتد إلى المستوى الإقليمي، لأن المواقع التي سيطر عليها الحوثيون تمنحهم وضعًا استراتيجيًا أكثر قوة في ما يتعلق بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والملاحة الدولية.

وأشار إلى أن هذا التطور يضيف «طبقة جديدة من الأزمات» إلى المشهد الإقليمي، ويربط بصورة مباشرة بين أمن باب المندب وأمن مضيق هرمز، بما يضاعف الأعباء الأمنية والاقتصادية على دول المنطقة.

باب المندب.. التهديد أهم من السيطرة الكاملة

وأكد عبد الغني أن الحديث عن تمدد الحوثيين لا يعني أنهم أصبحوا يسيطرون عسكريًا سيطرة كاملة على مضيق باب المندب، موضحًا أن الفارق مهم بين امتلاك القدرة على تهديد الملاحة ورفع كلفة تأمين المضيق، وبين امتلاك القدرة على إغلاقه والسيطرة عليه بالكامل.

وقال إن الحوثيين أصبحوا قادرين على تهديد سفن أو دول بعينها، ورفع المخاطر والتكاليف المرتبطة بحماية الملاحة، لكن ذلك لا يعني أنهم يمتلكون القدرة على إحكام السيطرة الكاملة على باب المندب.

وأضاف أن أهمية التطورات الأخيرة تكمن في أنها رفعت ليس فقط كلفة المرور، وإنما أيضًا الكلفة الاستراتيجية والأمنية لتأمين باب المندب، وهو أمر يفرض حسابات جديدة على القوى الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن السعودية أصبحت أمام تحديات إضافية تتعلق بأمن صادراتها وممراتها التجارية، بينما تمثل التطورات في البحر الأحمر بالنسبة لمصر قضية شديدة الحساسية، بالنظر إلى ارتباطها بأمن الملاحة وقناة السويس وحركة التجارة وإيرادات القناة.

وأكد أن أي اضطراب جديد في باب المندب يمكن أن يؤثر في جهود استعادة حركة الملاحة عبر قناة السويس، خصوصًا بعد ظهور مؤشرات على تحسن الحركة مقارنة بالفترة السابقة.

لماذا تتريث واشنطن في دعم الحكومة اليمنية؟

وفي رده على سؤال بشأن طلب رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي دعمًا أمريكيًا مباشرًا في مواجهة الحوثيين، وتريث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تقديم تعهد عسكري، قال عبد الغني إن الموقف الأمريكي ينبغي قراءته في إطار أوسع من مجرد التطورات اليمنية.

وأضاف أن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن في الوقت الذي تنخرط فيه في أزمة إقليمية واسعة مرتبطة بإيران ومضيق هرمز، مشيرًا إلى أن واشنطن تحاول إدارة ملفات المنطقة بصورة تكتيكية، بما يحافظ على مصالحها دون الانجرار إلى التزامات عسكرية مفتوحة.

ولفت إلى أن هناك فارقًا بين دعم الحكومة اليمنية سياسيًا، وبين الدخول في عمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، معتبرًا أن الموقف الأمريكي الراهن يرتبط بمصالح واشنطن وحساباتها تجاه الحوثيين والسعودية وإيران والمنطقة بصورة عامة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة سبق أن استخدمت القوة العسكرية ضد الحوثيين، لكن طبيعة المرحلة الحالية تفرض حسابات مختلفة، خصوصًا مع تشابك الملف اليمني مع الحرب الأمريكية ـ الإيرانية وأمن الملاحة في البحر الأحمر والخليج.

واشنطن والرياض.. ورقة الحوثيين في الحسابات الإقليمية

وقال عبد الغني إن الولايات المتحدة لديها ملفات ومطالب متعددة تجاه السعودية، وإن أحد الملفات التي برزت خلال السنوات الماضية كان مرتبطًا بانضمام المملكة إلى اتفاقات إبراهيم ومسار التطبيع مع إسرائيل.

وأوضح أن السعودية سعت في المقابل إلى توظيف علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الكبرى في اتجاه معالجة القضية الفلسطينية والحرب في غزة، وهو ما جعل الملف اليمني جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات بين واشنطن والرياض وتل أبيب وطهران.

وأكد أن قراءة الموقف الأمريكي من الحوثيين باعتباره موقفًا ثابتًا ستكون غير دقيقة؛ فسياسة واشنطن في المنطقة، بحسب تقديره، تتحرك بصورة تكتيكية وفقًا لتغير المصالح والظروف.

الصين تدخل على خط الأزمة

وأشار عبد الغني إلى أن أحد التطورات المهمة في المشهد الإقليمي هو دخول الصين بصورة أكثر نشاطًا في ملفات الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن بكين تحاول استخدام علاقاتها مع إيران والسعودية للمساهمة في احتواء التصعيد.

وكانت رويترز قد نقلت في سبتمبر الجاري عن مصادر أن الصين ضغطت على إيران لاستخدام نفوذها لدى الحوثيين للحد من التصعيد، خصوصًا بعدما طلبت السعودية من بكين التدخل، وذلك في ضوء المخاوف من تأثير الاضطرابات على طرق الطاقة والتجارة في البحر الأحمر وباب المندب.

وقال عبد الغني إن هذا التحرك الصيني يمكن أن يكون مؤثرًا إذا أرادت بكين ممارسة ضغط فعلي على طهران والحوثيين، بالنظر إلى عمق العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين الصين وإيران، فضلًا عن المصالح الصينية المباشرة في استقرار طرق التجارة والطاقة.

اليمن.. صراع داخلي أم جزء من إعادة تشكيل الإقليم؟

وأكد عبد الغني أن الحرب اليمنية لا يمكن اختزالها في صراع داخلي فقط، لأن بعدها الإقليمي أصبح مؤثرًا بصورة مباشرة في موازين القوى.

وقال إن الحوثيين يستفيدون من التطورات الإقليمية الحالية على مستويين: الأول يتعلق بالمكاسب التي يحققونها داخل اليمن، والثاني يرتبط بالصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.

وأوضح أن الجمع بين المكاسب الميدانية والتأثير الإقليمي يمنح الحوثيين قوة تفاوضية أكبر إذا دخلوا في مفاوضات مستقبلية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، كما يمكن أن يساعدهم في محاولة الانتقال من وضع الجماعة المسلحة إلى فرض أنفسهم كقوة سياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية.

وشدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن الحوثيين قادرون على حسم الحرب عسكريًا؛ فالقوة الحكومية المناوئة لهم تعاني بدورها من تعدد مراكز القوة وتشتت القرار، وهو ما يمنع أي طرف حتى الآن من تحقيق حسم نهائي.

لماذا لم تحسم السعودية الحرب؟

وحول سبب عدم تمكن السعودية، رغم تفوقها العسكري، من حسم الصراع طوال السنوات الماضية، أشار عبد الغني إلى أن الجغرافيا اليمنية عامل أساسي في تفسير ذلك.

وأوضح أن الطبيعة الجبلية الوعرة، إلى جانب خبرة القوى المحلية في حرب العصابات، جعلت أي محاولة للحسم العسكري الكامل شديدة التعقيد، مضيفًا أن تجربة الحروب السابقة في اليمن تؤكد صعوبة إخضاع البلاد عسكريًا من الخارج.

وأشار إلى أن الضربات الجوية تستطيع إلحاق أضرار كبيرة، لكنها لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء قدرة جماعة مسلحة على الاستمرار، بينما كان خيار الغزو البري واسع النطاق محفوفًا بتكاليف ومخاطر كبيرة.

الاتفاقات غير المعلنة.. وقنوات الاتصال الأمريكية ـ الحوثية

وتطرق عبد الغني إلى التقارير الخاصة بوجود اتصالات أمريكية ـ حوثية، موضحًا أن واشنطن سبق أن دخلت في قنوات اتصال غير مباشرة مع الحوثيين بهدف خفض التصعيد وحماية المصالح والسفن الأمريكية.

وأشار إلى أن هذا النوع من الاتصالات لا يعني تحولًا استراتيجيًا دائمًا في السياسة الأمريكية، وإنما يعكس في الأساس إدارة مرحلية للأزمة.

وقال إن الولايات المتحدة تتحرك في الشرق الأوسط وفق حسابات تكتيكية متعددة، بينما يتمثل هدفها الاستراتيجي الأوسع في الحفاظ على حضورها ونفوذها في المنطقة ومنع منافسين دوليين، وفي مقدمتهم الصين، من توسيع نفوذهم بصورة تهدد مصالحها.

باب المندب وهرمز.. أزمة واحدة أم أزمات متقاطعة؟

وأكد عبد الغني أن أخطر ما في المشهد الراهن هو تداخل الأزمات، موضحًا أن الحرب في غزة، والصراع بين إسرائيل وإيران، والأزمة اليمنية، والتوتر السعودي ـ الحوثي، وأمن البحر الأحمر، ومضيق هرمز، ليست ملفًا واحدًا، لكنها تتقاطع بصورة تجعل كل أزمة تؤثر في الأخرى.

وشدد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين القدرة على التهديد والقدرة على الإغلاق الكامل؛ فامتلاك الحوثيين مواقع قريبة من باب المندب يمنحهم قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة ورفع تكلفة تأمينها، لكنه لا يعني امتلاكهم منفردين القدرة على إغلاق المضيق بالكامل.

الصين ومصالح الطاقة والتجارة

وفيما يتعلق بالدور الصيني، قال عبد الغني إن بكين تملك دوافع اقتصادية وجيوستراتيجية قوية للتدخل دبلوماسيًا في الأزمة، لأن استقرار الممرات البحرية يمثل مصلحة مباشرة لها.

وأوضح أن الصين تعتمد بصورة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، كما أن جانبًا مهمًا من تجارتها المتجهة إلى أوروبا يمر عبر طرق بحرية ترتبط بباب المندب وقناة السويس والبحر المتوسط.

وأضاف أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب حركة النفط والغاز، واستمرار المخاطر في هرمز وباب المندب، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الصيني، وبالتالي فإن بكين لديها مصلحة واضحة في تهدئة التصعيد وحماية خطوط التجارة والطاقة.

معادلات الأمن الإقليمي

وخلص عبد الغني إلى أن ما يحدث في اليمن لم يعد مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية، بل أصبح جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الأمن الإقليمي؛ فالتطورات في باب المندب تتقاطع مع هرمز، والملف اليمني يتداخل مع الصراع الأمريكي ـ الإيراني، بينما تدخل الصين على خط الأزمة لحماية مصالحها، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إدارة عدة أزمات متزامنة دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة.

وأكد أن المرحلة المقبلة ستحدد إلى أي مدى يستطيع الحوثيون تحويل مكاسبهم العسكرية إلى مكاسب سياسية، وإلى أي مدى ستتمكن الحكومة اليمنية والقوى المناوئة لهم من إعادة ترتيب صفوفها، وما إذا كانت القوى الإقليمية والدولية ستنجح في احتواء التصعيد وإعادة الملف اليمني إلى مسار سياسي تفاوضي.

شاهد الحلقة كاملة:

طالع المزيد:  عاطف عبد الغنى يكتب: سد النهضة.. معركة قواعد النيل

زر الذهاب إلى الأعلى