بعد 40 عامًا من إعلان «الحق في التنمية».. مصر تضع العالم أمام اختبار العدالة
مدبولى فى الأمم المتحدة: لا تنمية مع الحروب والاحتلال.. ومصر تدعو لنظام دولي أكثر عدلًا
كتب: على طه
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن إعمال الحق في التنمية لا يزال يواجه فجوة واسعة بين الاعتراف الدولي بهذا الحق وبين القدرة الفعلية للدول والشعوب على ممارسته، في ظل ما يشهده العالم من حروب ونزاعات وأزمات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة، تفرض أعباء متزايدة على الدول النامية وتهدد ما حققته من مكتسبات تنموية.
جاء ذلك خلال إلقاء مدبولي كلمة مصر في الاجتماع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي عُقد في نيويورك للاحتفال بالذكرى الأربعين لاعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية، وذلك خلال مشاركته، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.
مصر وتجديد الالتزام بالحق في التنمية
استهل رئيس الوزراء كلمته بالتأكيد على أهمية الاحتفاء بمرور أربعة عقود على اعتماد الإعلان الأممي، مشيرًا إلى أن مصر كانت من الدول التي صوتت لصالح الإعلان وظلت من الدول الداعمة له.
وأوضح أن إعلان الحق في التنمية، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1986، شكّل محطة مهمة في تطور منظومة حقوق الإنسان، لأنه ربط بين حقوق الإنسان والتنمية، وبين المسؤولية الوطنية والتعاون الدولي، كما أكد حق الإنسان في المشاركة في عملية التنمية والتمتع بصورة عادلة بثمارها.
ويعرّف الإعلان الأممي التنمية باعتبارها عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاه السكان، على أساس مشاركتهم النشطة والحرة والهادفة في التنمية، وفي التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها.
لكن مدبولي أشار إلى أن مرور 40 عامًا على الإعلان لا يعني أن الحق في التنمية أصبح واقعًا مكتملًا، إذ لا تزال هناك فجوة واسعة بين الاعتراف بهذا الحق وبين القدرة الفعلية على ممارسته.
الحروب والأزمات تهدد المكتسبات التنموية
وربط رئيس الوزراء هذه الفجوة بالتحولات التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن الحروب والنزاعات والأزمات الجيوسياسية والاقتصادية المتعددة باتت تفرض أعباء متزايدة على الدول النامية، وتحد من قدرتها على توجيه مواردها نحو التنمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما طرحته الأمم المتحدة في الاجتماع رفيع المستوى، إذ أشارت إلى استمرار وجود عوائق هيكلية وقيود تمويلية وأعباء ديون غير مستدامة تواجه العديد من الدول، بما يحد من قدرتها على تحقيق أهداف التنمية. كما أكدت الأمم المتحدة أن التقدم العالمي خلال العقود الأربعة الماضية كان متفاوتًا بين المناطق والمجتمعات والأهداف التنموية.
ومن هذا المنطلق، شدد مدبولي على أن التنمية لا يمكن فصلها عن منظومة حقوق الإنسان أو عن الاستقرار والسلام، وأن النزاعات المسلحة لا تدمر الحاضر فقط، وإنما قد تمحو في وقت قصير مكتسبات تنموية استغرق تحقيقها عقودًا.
مصر: الإعمال الحقيقي يحتاج إلى تغيير البيئة الدولية
وطرح رئيس الوزراء رؤية مصر لما وصفه بالإعمال الحقيقي للحق في التنمية، مؤكدًا أن تحقيق هذا الهدف لا يعتمد فقط على السياسات الوطنية، وإنما يتطلب أيضًا تهيئة بيئة دولية مواتية تسمح للدول النامية باستثمار مواردها وقدراتها وتحقيق أهدافها التنموية.
وتقوم الرؤية المصرية، وفق ما عرضه مدبولي، على إقامة نظام اقتصادي ومالي دولي أكثر عدلًا وإنصافًا، ومعالجة أعباء الديون التي تثقل كاهل الدول النامية، إلى جانب دعم نقل التكنولوجيا وبناء القدرات، وإزالة العوائق الهيكلية التي تحد من قدرة هذه الدول على تحقيق التنمية.
وتكتسب قضية التمويل أهمية خاصة في النقاش الدولي حول الحق في التنمية، إذ ربطت الأمم المتحدة بين فجوة تمويل التنمية وبين قدرة الحكومات على الاستثمار في شعوبها، وحذرت من أن أعباء الديون وقيود التمويل تحد من المساحة المتاحة أمام الدول لاتخاذ السياسات اللازمة لتحقيق التنمية الشاملة.
التجربة المصرية.. الإنسان في قلب التنمية
وفي الجانب الوطني من كلمته، عرض مدبولي ملامح التجربة المصرية، مؤكدًا أن الدولة عملت خلال السنوات الماضية على ترجمة الحق في التنمية إلى سياسات وبرامج تضع الإنسان في قلب العملية التنموية.
وأشار إلى تنفيذ مشروعات وخطوات واسعة تمس حياة المواطن بصورة مباشرة، شملت تطوير البنية الأساسية في قطاعات النقل والطاقة ومياه الشرب والصرف الصحي، والاستثمار في الصحة والتعليم، إلى جانب توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما أشار إلى إعطاء أولوية للريف والمناطق الأكثر احتياجًا من خلال عدد من المبادرات القومية، وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التي تستهدف تحسين مستوى الخدمات والبنية الأساسية وجودة الحياة في القرى والمناطق المستهدفة.
وبذلك قدمت القاهرة تجربتها باعتبارها ترجمة وطنية لفكرة الحق في التنمية، تقوم على ربط التنمية الاقتصادية بتحسين الظروف الاجتماعية والخدمية للمواطن، وعدم قصر مفهوم التنمية على مؤشرات النمو الاقتصادي وحدها.
فلسطين.. لا تنمية في ظل الاحتلال والتهجير
وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بصورة واضحة في كلمة مصر، إذ شدد مدبولي على أنه لا يمكن الحديث عن الحق في التنمية في ظل استمرار النزاعات والاحتلال والتهجير وتدمير البنية الأساسية والحرمان من الموارد ومقومات الحياة.
وقال إن استمرار هذه الأوضاع يحول دون إعمال الحق في التنمية، مؤكدًا أن حق الشعب الفلسطيني في التنمية لا ينفصل عن حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما رحبت مصر، وفق ما جاء في كلمة رئيس الوزراء، بالجهود الجارية للتوصل إلى إطار قانوني دولي ملزم من خلال حوار بناء يعزز التوافق ويحافظ على جوهر الحق في التنمية.
ويضع هذا الطرح القضية الفلسطينية في سياق أوسع من المساعدات والإغاثة وإعادة الإعمار، إذ تربط مصر بين التنمية وبين مقوماتها السياسية والأمنية والقانونية، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير المصير والسيطرة على مواردها وإعادة بناء بنيتها الأساسية.
التنمية كحق وليست مجرد هدف اقتصادي
وتأتي كلمة مصر في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة إعادة وضع مفهوم «الحق في التنمية» في صدارة النقاش الدولي، بعد أربعة عقود من اعتماد الإعلان.
فالوثيقة الأممية لا تنظر إلى التنمية باعتبارها مجرد زيادة في الناتج أو تحسينًا للمؤشرات الاقتصادية، وإنما تعتبرها عملية شاملة يكون الإنسان طرفًا فيها ومستفيدًا من نتائجها، مع التأكيد على المشاركة والعدالة في توزيع ثمار التنمية.
وفي الاجتماع الذي عقد في 23 سبتمبر 2026، أكدت الأمم المتحدة أن الذكرى الأربعين للإعلان تمثل فرصة لإعادة التأكيد على الحق في التنمية باعتباره إطارًا للتعامل مع التحديات العالمية المعاصرة، بما يشمل تعزيز السياسات الوطنية والتعاون الدولي من أجل تنمية أكثر شمولًا واستدامة وإنصافًا.
رسالة مصر إلى المجتمع الدولي
وتكشف كلمة مدبولي عن ثلاثة مستويات رئيسية في المقاربة المصرية للحق في التنمية: مسؤولية الدولة الوطنية عن توفير مقومات التنمية، ومسؤولية النظام الدولي عن تهيئة بيئة عادلة تسمح بتحقيقها، وضرورة إنهاء النزاعات التي تدمر مقومات التنمية وتحرم الشعوب من ثمارها.
وبهذا الطرح، لم تتعامل مصر مع الحق في التنمية باعتباره ملفًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا منفصلًا، وإنما وضعته في تقاطع مباشر مع قضايا الديون والتمويل والتكنولوجيا والتجارة الدولية والسلام والأمن وحقوق الإنسان.
وتأتي مشاركة رئيس الوزراء في الاجتماع ضمن أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تتواصل فعالياتها خلال سبتمبر الجاري، بينما عقد الاجتماع الخاص بالذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية في 23 سبتمبر بمقر الأمم المتحدة في نيويورك.
وتخلص الرسالة المصرية إلى أن الاعتراف بالحق في التنمية لا يكفي وحده؛ فالتحدي الأساسي، كما طرحه مدبولي، هو تحويل هذا الحق من مبدأ معلن إلى ممارسة فعلية، عبر سياسات وطنية تضع الإنسان في مقدمة أولوياتها، ونظام دولي أكثر إنصافًا، وبيئة دولية مستقرة لا تُبدد الحروب والنزاعات ما تحققه الشعوب من مكتسبات.





