حطام «DF-15A» الصيني في اليمن.. هل يكشف عن سلاح سري في ترسانة دولة عربية؟

كتب: على طه

أعاد حطام صاروخ باليستي عُثر عليه في مديرية رغوان بمحافظة مأرب شمالي اليمن، في 14 سبتمبر الجاري، فتح ملفًا قديمًا حول طبيعة الترسانة الصاروخية للمملكة العربية السعودية وعلاقتها بالصين، بعدما أظهرت صور ومقاطع متداولة قطعة كبيرة من جسم صاروخ باليستي تحمل بوضوح العلامة «DF-15A».

وبحسب محللي المصادر المفتوحة، فإن شكل القطعة وأبعادها وتركيبها تشير إلى أنها جزء من المرحلة الدافعة لصاروخ «DF-15A»، وهو صاروخ باليستي صيني قصير المدى يعمل بالوقود الصلب.

وذهبت بعض التحليلات إلى أن الصاروخ ربما أُطلق من جانب السعودية خلال عملياتها ضد الحوثيين في اليمن.

لكن هذه الرواية لا تزال غير مؤكدة رسميًا؛ فلا السعودية أعلنت امتلاك هذا الطراز أو استخدامه في اليمن، كما لم تؤكد جهة حكومية أو مؤسسة مستقلة بشكل قاطع هوية الحطام والجهة التي أطلقته، وتتعامل قواعد بيانات مفتوحة متخصصة مع تحديده باعتباره DF-15A على أنه تحديد مؤقت.

«DF-15A».. قطعة حطام تعيد لغز الترسانة السعودية

وتكتسب الواقعة أهميتها من كون المملكة معروفة منذ عقود بامتلاك صواريخ باليستية صينية الصنع، لكنها لم تعلن بصورة رسمية عن امتلاكها لصاروخ «DF-15» القصير المدى.

وتشير التقديرات المنشورة إلى أن السعودية حصلت في ثمانينيات القرن الماضي على صواريخ «DF-3A» الصينية، ثم ظهرت تقارير لاحقًا عن امتلاكها صواريخ «DF-21»، بينما ظل الحديث عن احتمال وجود صواريخ قصيرة المدى مثل «DF-15» في ترسانتها قائمًا في نطاق التكهنات والتحليلات.

ويعيد ظهور الحطام في اليمن إحياء هذه التكهنات، خصوصًا أن الصاروخ المشتبه فيه يختلف من حيث طبيعة الاستخدام عن الصواريخ السعودية المعروفة ذات المدى الأطول.

فـ«DF-15» منظومة باليستية تكتيكية أحادية المرحلة تعمل بالوقود الصلب، وتتميز بقدرتها على الإطلاق من منصات متحركة، وهو ما يمنحها مرونة أكبر في الانتشار وإعادة التموضع مقارنة بالصواريخ التي تحتاج إلى تجهيزات ثابتة أو عمليات إطلاق أكثر تعقيدًا.

وتشير المصادر المتخصصة إلى أن مدى عائلة DF-15 يصل، بحسب النسخة والتقدير الفني، إلى مئات الكيلومترات، فيما يمثل «DF-15A» تطويرًا للمنظومة الأصلية.

لماذا يثير استخدام صاروخ باليستي علامات استفهام؟

السؤال الأهم ليس فقط: هل كان الحطام بالفعل لصاروخ DF-15A؟ وإنما أيضًا: لماذا قد تلجأ المملكة إلى صاروخ باليستي قصير المدى في حرب اعتادت فيها الاعتماد بصورة أساسية على القوة الجوية؟

تمتلك السعودية أسطولًا متقدمًا من الطائرات المقاتلة، بينها طائرات F-15 وطائرات «تايفون»، وتستخدم الطائرات المسيرة والذخائر الموجهة ضمن منظومة عملياتها العسكرية.

لكن الطائرات المقاتلة، مهما بلغت قدراتها، تعتمد على سلسلة لوجستية معقدة: قواعد جوية، ومدارج، ووقود، وذخائر، وأطقم صيانة، وطائرات دعم وإمداد، فضلًا عن الطيارين.

أما الصاروخ الباليستي المتحرك فيمكن إطلاقه من منصة برية دون الحاجة إلى مدرج أو طيار أو طائرة للتزود بالوقود في الجو. وهذه الخاصية تمنحه دورًا مختلفًا في المعركة، خصوصًا عندما تكون القواعد الجوية أو خطوط الإمداد عرضة للاستهداف.

الحوثيون يضغطون على البنية اللوجستية

وتأتي قصة الحطام في وقت تصاعدت فيه العمليات العسكرية بين الحوثيين وقوات الحكومة الشرعية فى اليمن المدعومة من السعودية في مناطق يمنية عدة، بالتزامن مع هجمات صاروخية ومسيرات أعلن الحوثيون تنفيذها ضد مواقع ومنشآت داخل السعودية.

وتشير التقارير المنشورة إلى أن التصعيد شمل مواقع عسكرية ومنشآت للطاقة في جنوب المملكة، بينما تواصلت المعارك حول مناطق ذات أهمية استراتيجية في اليمن، بينها مأرب.

ومن هذه الزاوية، فإن امتلاك صاروخ قصير المدى متنقل قد يوفر للقيادة العسكرية السعودية خيارًا إضافيًا لتنفيذ ضربات ضد أهداف ثابتة داخل اليمن دون الاعتماد الكامل على الطائرات.

لكن ذلك لا يعني أن الصواريخ الباليستية يمكن أن تحل محل القوة الجوية؛ فلكل منظومة وظيفة مختلفة، كما أن الصاروخ الباليستي أكثر ملاءمة عادة للأهداف الثابتة والمحددة، وليس للأهداف المتحركة التي تستطيع الطائرات التعامل معها بمرونة أكبر.

من «الردع» إلى «الضربة التقليدية»

إذا تأكد في نهاية المطاف أن السعودية استخدمت «DF-15A» في اليمن، فإن أهمية الواقعة ستكون أكبر من مجرد ظهور صاروخ صيني الصنع في ساحة المعركة.

فالجيش الذي يحتفظ بصواريخ باليستية ضمن قوة استراتيجية للردع، ثم يستخدم أحد هذه الصواريخ في عملية تقليدية ضد هدف ميداني، يكون قد نقل المنظومة من وظيفة الردع الاستراتيجي إلى وظيفة الضربة التكتيكية أو العملياتية.

صاروخ DF-15A
صاروخ DF-15A

وهنا تظهر فكرة «الطبقتين» في القوة الضاربة السعودية: الطائرات المقاتلة تظل الأداة الأساسية للضربات الدقيقة بعيدة المدى والعمليات التي تحتاج إلى مرونة في اختيار الأهداف، بينما يمكن للصواريخ الباليستية أن توفر خيارًا سريعًا لضرب أهداف ثابتة، خصوصًا عندما تكون هناك اعتبارات تتعلق بالمسافة أو مخاطر الطيران أو الضغط على القواعد الجوية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المملكة تعاني نقصًا في الطائرات أو الذخائر، بل يمكن أن يكون الأمر ببساطة محاولة لتوسيع الخيارات المتاحة أمام صانع القرار العسكري.

ماذا يعني ذلك للصين؟

ظهور صاروخ يحمل علامة «DF-15A» في اليمن يضع أيضًا التعاون الدفاعي الصيني-السعودي تحت مزيد من التدقيق.

فالصين لعبت دورًا تاريخيًا في بناء جزء من القدرات الصاروخية السعودية، بدءًا من صواريخ «DF-3» في ثمانينيات القرن الماضي، ثم تقارير عن صواريخ «DF-21» في مرحلة لاحقة.

لكن وجود «DF-15A» في اليمن، إذا تأكدت هويته واستخدامه السعودي، سيطرح أسئلة جديدة حول حجم الترسانة السعودية وطبيعة الأسلحة التي حصلت عليها من الصين، وما إذا كانت هناك منظومات لم تظهر في السجلات أو الصور الرسمية السابقة.

والأهم أن الحطام قد يوفر معلومات فنية يمكن للخبراء تحليلها، مثل تصميم المحرك، وخصائص الهيكل، وعمر القطعة، وربما طبيعة النسخة المستخدمة.

لكن الحطام وحده لا يكفي للإجابة عن سؤال أكثر تعقيدًا: هل الصاروخ كان سعوديًا بالفعل، أم أن وجوده في اليمن يرتبط بمسار آخر؟

أول استخدام قتالي؟ الحذر واجب

ذهبت بعض التحليلات إلى أن ظهور «DF-15A» في اليمن قد يمثل أول دليل علني على استخدام هذا الطراز في الشرق الأوسط، وربما أول استخدام قتالي معروف له.

لكن وصف الواقعة بأنها «أول استخدام قتالي» يجب أن يظل مشروطًا إلى أن تتوافر أدلة أقوى، مثل فحص الحطام ميدانيًا، أو صور أكثر تفصيلًا، أو بيانات رسمية، أو أدلة مستقلة تحدد جهة الإطلاق والهدف.

فالقطعة التي عُثر عليها هي جزء من منظومة الصاروخ، وليس الصاروخ كاملًا، كما أن مكان سقوط المرحلة الدافعة لا يحدد بالضرورة المكان الذي وصل إليه الرأس الحربي أو الهدف الذي كان الصاروخ موجهًا إليه.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الحطام يمكن أن يؤكد أو يرجح نوع السلاح، لكنه لا يحدد بمفرده الجهة التي استخدمته.

ماذا تكشف قطعة الحطام؟

إذا أثبتت التحقيقات أن القطعة بالفعل جزء من «DF-15A» وأن الصاروخ أُطلق من جانب السعودية، فسيكون ذلك تطورًا لافتًا في فهم العقيدة الصاروخية السعودية، لأنه سيعني أن منظومة كانت ترتبط تاريخيًا بالردع الاستراتيجي دخلت، ولو بصورة محدودة، إلى ساحة الاستخدام التقليدي.

أما إذا تعذر إثبات هوية الصاروخ أو جهة إطلاقه، فستبقى القصة في إطار المؤشرات الاستخباراتية المفتوحة، لا الحقائق العسكرية المحسومة.

طالع المزيد: صاروخ دونغ فنغ الصيني يظهر في اليمن.. أسلحة بكين فى الشرق الأوسط

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى