بعد مشهد الانسحاب الجماعي فى الأمم المتحدة.. هل اقتربت نهاية نتنياهو؟
.. خطاب الأمم المتحدة كشف عزلته المتزايدة قبل الانتخابات
كتب: على طه
طرح الكاتب كريس ستيفنسون، في مقال بصحيفة «إندبندنت» البريطانية، تساؤلات حول مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السياسي، في أعقاب المشهد الذي رافق خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الخميس 24 سبتمبر 2026، عندما غادرت وفود عشرات الدول قاعة الجمعية العامة، بينما واصل نتنياهو كلمته مهاجمًا منتقديه ومدافعًا عن سياسات حكومته.
ورأى ستيفنسون أن مشهد الانسحاب الجماعي، إلى جانب مضمون الخطاب وتوقيته قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، يقدم صورة عن الضغوط السياسية والدبلوماسية التي يواجهها نتنياهو، وإن كان من المبكر اعتبار ذلك دليلًا حاسمًا على قرب نهايته السياسية.
وتأتي قراءة «إندبندنت» في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى أن نتنياهو يخوض الانتخابات المقبلة تحت ضغط سياسي متزايد، فيما يسعى إلى توحيد معسكر اليمين والحفاظ على موقعه في رئاسة الحكومة.
وأكدت «رويترز» أن انتخابات 27 أكتوبر ستكون الأولى في إسرائيل منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلته، وأن نتنياهو يسعى خلالها إلى الفوز بولاية جديدة.
نتنياهو يواصل نبرة التحدي أمام الأمم المتحدة
كان «التحدي» السمة الأبرز في خطاب نتنياهو، بحسب ستيفنسون، الذي اعتبر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي حافظ على النبرة نفسها التي طبعت مشاركاته الأخيرة أمام الجمعية العامة.
ودافع نتنياهو عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، ورفض الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بشأن ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، كما دافع عن الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران، مقدمًا إياها باعتبارها إجراءات تستهدف حماية إسرائيل ومواجهة التهديدات التي يرى أنها موجهة إليها.
كما هاجم عددًا من القادة والدول التي تنتقد سياسات إسرائيل، ومن بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب فرنسا وبريطانيا، ووجه انتقادات حادة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني.
وكان نتنياهو قد أعلن قبل خطابه أنه سيستخدم منصة الأمم المتحدة للرد على ما وصفه بالانتقادات والمعلومات المضللة بشأن إسرائيل، في خطاب بدا واضحًا أنه يستهدف أيضًا الجمهور الأمريكي والإسرائيلي في آن واحد.
مشهد الانسحاب.. اللحظة الأكثر دلالة
لكن المشهد الذي تصدر التغطيات لم يكن مضمون الخطاب وحده، وإنما خروج عشرات المندوبين من قاعة الجمعية العامة فور صعود نتنياهو إلى المنصة.
ووصف نتنياهو الذين غادروا القاعة بأنهم «جبناء أخلاقيًا»، قبل أن يواصل خطابه أمام الحضور المتبقي.
وأشارت «رويترز» إلى أن الانسحاب الجماعي عكس الضغوط المتناقضة التي يواجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بين انتقادات دولية متزايدة بسبب حرب غزة وحاجته في الوقت نفسه إلى خوض حملة انتخابية داخلية للحفاظ على السلطة.
ويرى ستيفنسون أن الصورة كانت لافتة، ليس لأن مغادرة الوفود خلال خطابات نتنياهو ظاهرة جديدة، وإنما بسبب حجم الانسحاب هذه المرة، وما حمله من دلالة سياسية في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي.
خطاب للأمم المتحدة أم رسالة للناخب الإسرائيلي؟
يعتقد الكاتب البريطاني أن خطاب نتنياهو لم يكن موجهًا أساسًا إلى المجتمع الدولي، بقدر ما حمل رسائل إلى جمهورين رئيسيين: الإسرائيليين في الداخل والولايات المتحدة.
ففي الداخل، يأتي الخطاب قبل أسابيع قليلة من انتخابات 27 أكتوبر، بينما يحاول نتنياهو تقديم نفسه باعتباره القائد القادر على مواجهة المخاطر الأمنية والدفاع عن إسرائيل في بيئة إقليمية ودولية مضطربة.
أما في الولايات المتحدة، فقد حرص نتنياهو على إبراز علاقته بالرئيس دونالد ترامب، والإشادة بالدعم الأمريكي لإسرائيل، وربط التحركات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران بما وصفه بالدفاع عن الأمن العالمي.
وبحسب «رويترز»، فإن خطاب نتنياهو جاء بالفعل في إطار محاولة لمواجهة ما وصفته الوكالة بالعزلة الدولية المتنامية، بالتزامن مع حملة انتخابية يسعى من خلالها إلى الاحتفاظ بالسلطة.
الانتخابات.. اختبار جديد لـ«السيد أمن»
وتكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة بالنسبة إلى نتنياهو، لأنها تأتي بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته، وهي الحرب التي أصبحت محورًا رئيسيًا في النقاش السياسي الإسرائيلي.
ويرى ستيفنسون أن الصورة التي رسخها نتنياهو طويلًا باعتباره «السيد أمن» أصبحت موضع تدقيق سياسي أكبر، في ظل الأسئلة التي أثيرت داخل إسرائيل بشأن أحداث 7 أكتوبر، والحرب الطويلة في غزة، وتداعياتها الأمنية والسياسية والدولية.
وفي الوقت نفسه، لا تعني الضغوط التي يواجهها نتنياهو أن خروجه من السلطة أصبح أمرًا محسومًا؛ فقد أثبت طوال مسيرته السياسية قدرة كبيرة على إعادة ترتيب تحالفاته والبقاء في مركز الحياة السياسية الإسرائيلية.
وتُظهر التحركات السياسية الأخيرة أنه يعمل على توحيد معسكر اليمين قبل الانتخابات، في محاولة للحفاظ على الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة المقبلة.
بين العزلة الدولية والمعركة الداخلية
وتكشف قراءة خطاب نتنياهو، وفق ستيفنسون، عن مفارقة أساسية: فكلما تصاعدت الانتقادات الدولية لإسرائيل، ازداد اعتماد نتنياهو على خطاب القوة والدفاع عن الذات، وهي اللغة التي يمكن أن تخدم حملته أمام الناخب الإسرائيلي، لكنها في المقابل قد تعمق المواجهة مع عدد متزايد من الحكومات والقيادات الدولية.
وقد بدا ذلك واضحًا في خطابه أمام الجمعية العامة، حيث لم يكتفِ بالدفاع عن سياسات حكومته، بل شن هجومًا مباشرًا على عدد من منتقديه، في مشهد وصفته وسائل إعلام دولية بأنه جزء من معركة نتنياهو السياسية والدبلوماسية في آن واحد.
ومن هنا، فإن مشهد مغادرة الوفود قاعة الأمم المتحدة لا يمكن قراءته بمعزل عن الانتخابات المقبلة. فهو يحمل دلالة دبلوماسية واضحة على حجم المعارضة الدولية لسياسات الحكومة الإسرائيلية، لكنه لا يمثل في حد ذاته مؤشرًا انتخابيًا مباشرًا على مستقبل نتنياهو.
هل اقتربت النهاية السياسية؟
السؤال الذي يطرحه ستيفنسون حول «أفول» نتنياهو يبقى، في نهاية المطاف، قراءة سياسية لا نتيجة محسومة.
فالمؤكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه انتخابات شديدة الأهمية في 27 أكتوبر، وأن حرب غزة والعلاقة مع الولايات المتحدة والمواجهة مع إيران والعلاقات الدولية ستكون جميعها حاضرة في النقاش الانتخابي.
كما أن المؤكد أن خطابه أمام الأمم المتحدة جاء في ظل انتقادات دولية متزايدة، وأن خروج عشرات المندوبين قدم صورة رمزية قوية عن حجم الخلاف بين نتنياهو وعدد من الدول.
لكن تحديد ما إذا كانت هذه الضغوط ستترجم إلى تغيير فعلي في موازين القوة داخل إسرائيل يتوقف على الانتخابات نفسها وعلى قدرة الأحزاب والمعسكرات المختلفة على تشكيل ائتلاف حكومي بعدها.
وبذلك، فإن صورة نتنياهو وهو يخاطب قاعة غادرها عشرات الدبلوماسيين قد تصبح واحدة من الصور السياسية البارزة في المرحلة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، لكنها لا تحسم وحدها السؤال الأكبر: هل تمثل هذه اللحظة بداية النهاية السياسية لنتنياهو، أم مجرد فصل جديد في مسيرة سياسية أثبت خلالها مرارًا قدرته على البقاء.
طالع المزيد: نتنياهو يرفع «بيجر» حزب الله في الأمم المتحدة.. ماذا قال عن ترسانة الـ150 ألف صاروخ؟





