أثيوبيا وسيناريو التفكيك.. هل تقود «المادة 39» إلى انفصال تيجراي؟

.. «العفو الدولية» تحذر من مزيد من الانتهاكات الحقوقية

 تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

عاد ملف وحدة الدولة الإثيوبية وعلاقة الحكومة الفيدرالية بإقليم تيجراي إلى الواجهة، في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية التي كشفتها الحرب التي اندلعت في نوفمبر 2020، وما رافقها من صراع عسكري حاد بين الحكومة المركزية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

وفي هذا السياق، نُسب إلى عمدة أديس أبابا، أدانيش أبيبي، موقف يدعو إلى اللجوء إلى المادة 39 من الدستور الإثيوبي إذا أراد إقليم تيجراي الانفصال، بما يعني – وفق الصياغة المتداولة – أن يكون الانفصال عبر المسار الدستوري بدلًا من اللجوء إلى الحرب وتفكيك الدولة.

 فيما تظهر مواقف موثقة سابقة لأبيبي خلال حرب تيجراي في اتجاه مختلف، إذ كانت من أبرز المسؤولين الذين دافعوا علنًا عن موقف الحكومة المركزية ورفضوا ما وصفته السلطات آنذاك بالتدخل الخارجي في الشأن الإثيوبي. كما دعت في تصريحات أخرى إلى الدفاع عن سيادة البلاد ووحدتها.

المادة 39.. حق تقرير المصير

وتكتسب الإشارة إلى المادة 39 حساسية خاصة في الحالة الإثيوبية، إذ ينص الدستور الفيدرالي على حق «كل أمة وقومية وشعب» في تقرير المصير، وصولًا إلى الانفصال، وفق إجراءات دستورية محددة.

وبالتالي فإن مجرد طرح المادة 39 في سياق أزمة تيجراي يفتح نقاشًا يتجاوز الحرب ذاتها إلى طبيعة الدولة الإثيوبية ومستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم والقوميات المختلفة.

لكن تحويل هذا الحق الدستوري إلى انفصال فعلي لا يمثل قرارًا سياسيًا بسيطًا؛ فهو يرتبط بإجراءات دستورية وقانونية، وبموازين القوى داخل الدولة، وبموقف المؤسسات الفيدرالية والإقليمية، فضلًا عن التداعيات الأمنية والاقتصادية والإقليمية المحتملة.

حالة الطوارئ.. مواجهة عسكرية تتحول إلى أزمة حقوقية

وكانت إحدى أخطر محطات الصراع قد جاءت في نوفمبر 2021، عندما أقر البرلمان الإثيوبي في 4 نوفمبر حالة طوارئ على مستوى البلاد، بعد عام من اندلاع الحرب في تيجراي.

وقالت منظمة العفو الدولية آنذاك إن إعلان الطوارئ منح السلطات صلاحيات واسعة، من بينها توقيف أشخاص دون أمر قضائي عند وجود «اشتباه معقول» في تعاونهم مع جماعات مصنفة إرهابية، مع إمكان احتجازهم دون مراجعة قضائية طوال فترة سريان حالة الطوارئ.

كما حذرت المنظمة من أن الإجراءات قد تطال الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، بعدما أتاحت السلطات تعليق أو إلغاء تراخيص مؤسسات إعلامية ومنظمات يُشتبه في تقديمها دعمًا مباشرًا أو غير مباشر للجماعات المصنفة إرهابية.

وفي ذلك الوقت، حذرت منظمة العفو من أن اتساع نطاق حالة الطوارئ قد يؤدي إلى مزيد من الانتهاكات، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، خصوصًا بحق الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والأقليات ومنتقدي الحكومة.

دعوة المدنيين إلى حمل السلاح

ولم تقتصر تداعيات التصعيد على المؤسسات الأمنية والعسكرية، إذ ناشد مسؤولون حكوميون في عدد من المناطق الإثيوبية المدنيين تنظيم أنفسهم وحمل السلاح لمواجهة تقدم قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

وأفادت منظمة العفو الدولية بأن دعوات مماثلة صدرت في أديس أبابا وأقاليم أمهرة وأوروميا وصومالي، بما في ذلك مطالب بتسجيل الأسلحة أو تسليمها إلى أشخاص قادرين على استخدامها.

وحذرت المنظمة من مخاطر تحويل المدنيين إلى تشكيلات مسلحة غير مدربة وغير خاضعة للمساءلة، مشيرة إلى أن جماعات مسلحة مختلفة كانت قد اتُّهمت بارتكاب انتهاكات خطيرة خلال النزاع، بينها عمليات قتل غير قانونية وعنف جنسي.

كما وثقت المنظمة في تقارير أخرى انتهاكات واسعة خلال الحرب، ونسبت جرائم حرب إلى أطراف متعددة في النزاع، بما في ذلك القوات الإثيوبية والإريترية وقوات أمهرة، مع توثيق مزاعم متزايدة بشأن انتهاكات ارتكبتها قوات تيجراي أيضًا.

واشنطن وتحذيراتها في ذروة التقدم نحو العاصمة

وجاءت هذه التطورات في وقت كانت فيه قوات تيجراي قد حققت تقدمًا ميدانيًا خارج الإقليم، وسيطرت على مواقع استراتيجية في إقليم أمهرة كانت على مسافة عشرات الكيلومترات من العاصمة أديس أبابا.

وبالتزامن مع تصاعد القتال في نوفمبر 2021، أصدرت الولايات المتحدة تحذيرات لرعاياها، في وقت كانت فيه المخاوف تتزايد من احتمال انتقال المعارك إلى محيط العاصمة.

وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت في 12 نوفمبر 2021 إلى سيطرة قوات تيجراي على بلدات استراتيجية في أمهرة، على مسافة تقارب 400 كيلومتر من أديس أبابا، بالتزامن مع حملة اعتقالات واسعة استهدفت تيجراي داخل العاصمة.

من الحرب إلى سؤال الدولة

وتكشف التطورات الحادثة الآن، أن أزمة تيجراي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين الحكومة الفيدرالية وقوة إقليمية، وإنما تحولت إلى اختبار أوسع لطبيعة الدولة الإثيوبية نفسها.

فمن ناحية، تتمسك الحكومة المركزية بمفهوم السيادة ووحدة البلاد، بينما يستند النقاش حول حق الأقاليم والقوميات إلى بنية النظام الفيدرالي الإثيوبي والمادة 39 التي تمنح حق تقرير المصير.

ومن ناحية أخرى، أظهرت الحرب أن استخدام القوة العسكرية، وتوسيع حالة الطوارئ، وتسليح المدنيين، والاعتقالات الواسعة، كلها عوامل يمكن أن تزيد من تعقيد الأزمة بدلًا من حسمها.

ولهذا فإن الحديث عن انفصال تيجراي، سواء جاء في صورة تصريح سياسي أو نقاش دستوري، لا يمكن فصله عن السؤال الأكبر: هل تعجز إثيوبيا إعادة بناء صيغة سياسية تضمن بقاء الدولة موحدة مع معالجة النزاعات القومية والإقليمية التي تهدد تماسكها؟

وتظل الإجابة مرتبطة بمسار العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وبمدى القدرة على الانتقال من منطق الحسم العسكري إلى ترتيبات سياسية ودستورية قادرة على إدارة الخلافات داخل الدولة متعددة القوميات.

طالع المزيد: تصعيد ميداني فى أثيوبيا.. قوات «تيجراي» تستولي على 3 مطارات وسط تحذيرات دولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى