«الحزام الشمالي».. من حلف بغداد إلى صراع النفوذ بين تركيا وإيران وإسرائيل

تقرير يكتبه: أشرف التهامي
لم تعد خرائط الشرق الأوسط تُرسم فقط بالحدود التي تفصل الدول، وإنما باتت تُقرأ أيضًا من خلال شبكات التحالف والمصالح وموازين القوة التي تحيط بالعالم العربي من جهاته المختلفة.
ومن بين المفاهيم التي ظهرت في سياق الحرب الباردة وتعود اليوم إلى النقاشات الجيوسياسية مفهوم «الحزام الشمالي»، الذي ارتبط تاريخيًا بتركيا وإيران والعراق، قبل أن تتغير مكوناته ووظائفه مع التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
ويعيد هذا المفهوم إلى الذاكرة ما طرحه الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل في عدد من تحليلاته بشأن موقع تركيا وإيران وإسرائيل في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية والإقليمية، وما يمكن أن تمثله هذه القوى من أحزمة نفوذ تتقاطع مع المصالح العربية.
لكن قراءة المشهد الحالي تتطلب التمييز بين الحزام الشمالي بوصفه ترتيبات أمنية نشأت في الحرب الباردة، وبين استخدام المصطلح اليوم لوصف شبكة أوسع من التنافس الإقليمي؛ فالمشهد لم يعد تحالفًا واحدًا متماسكًا، بل مجموعة من المصالح المتغيرة والتحالفات المتقاطعة التي قد تتفق في ملف وتتصادم في ملف آخر.
من حلف بغداد إلى «السينتو».. بداية الفكرة
ترتبط جذور «الحزام الشمالي» بجهود الولايات المتحدة وحلفائها خلال الحرب الباردة لإنشاء منظومة أمنية على الأطراف الجنوبية للاتحاد السوفيتي.
وكان حلف بغداد، الذي تأسس عام 1955 بمشاركة العراق وتركيا وإيران وباكستان والمملكة المتحدة، إحدى أبرز حلقات هذه الاستراتيجية، فيما ارتبطت الولايات المتحدة بالحلف من خلال ترتيبات التعاون والدعم دون أن تكون عضوًا أصيلًا فيه.
وبعد خروج العراق من المنظومة إثر ثورة 1958، أعيد تنظيم الحلف تحت اسم منظمة المعاهدة المركزية «السينتو»، مع بقاء تركيا وإيران وباكستان والمملكة المتحدة أعضاء فيها، واتخذت المنظمة مقرًا لها في أنقرة.
وهكذا فقدت المنظومة الحلقة العربية التي كان العراق يمثلها، وتحولت أكثر إلى إطار أمني يربط تركيا وإيران وباكستان بالاستراتيجية الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
«عقيدة الأطراف».. إسرائيل تبحث عن دوائر خارج العالم العربي
في المقابل، طورت إسرائيل خلال العقود الأولى من تأسيسها سياسة تقوم على بناء علاقات مع دول غير عربية في محيط المنطقة، وهي السياسة التي عُرفت في الأدبيات الاستراتيجية باسم «عقيدة الأطراف».
وكانت إيران في عهد الشاه إحدى أهم حلقات هذه السياسة. وتشير دراسات تاريخية إلى أن العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية قبل الثورة الإسلامية عام 1979 لم تقتصر على الاتصالات السياسية، وإنما شملت تعاونًا عسكريًا واستخباراتيًا واقتصاديًا، انطلاقًا من مصالح مشتركة ومخاوف متقاطعة من القومية العربية الراديكالية والنفوذ السوفيتي.
لكن الثورة الإيرانية عام 1979 قلبت هذه المعادلة بصورة جذرية، فتحولت إيران من شريك إقليمي لإسرائيل إلى أحد أبرز خصومها. وتوضح دراسات أمريكية أن ما كان يُعرف بعقيدة الأطراف فقد الكثير من مضمونه الأصلي مع التحول الجذري في العلاقات الإيرانية-الإسرائيلية.
تركيا وإسرائيل.. تحالف استراتيجي لم يدم على وتيرة واحدة
أما تركيا، فقد شكلت حالة مختلفة. فقد تطورت العلاقات التركية-الإسرائيلية بصورة لافتة خلال التسعينيات، خصوصًا على المستوى العسكري والأمني.
ويشير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي إلى أن التعاون بين البلدين بلغ مرحلة متقدمة في منتصف التسعينيات، عندما أُعلن عن اتفاق للتدريب العسكري بين الجيش التركي والجيش الإسرائيلي عام 1996، في إطار علاقة استراتيجية ارتبطت أيضًا بالتعاون الاستخباراتي والأمني والتجاري.
غير أن هذا التقارب لم يكن ثابتًا. فقد تراجعت العلاقات بشدة خلال السنوات التالية، خصوصًا بعد حادثة سفينة «مافي مرمرة» عام 2010، قبل أن تعود العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء في 2022 ضمن موجة أوسع من إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الشرق الأوسط المعاصر: الخصومة لا تعني بالضرورة القطيعة الدائمة، والتحالف لا يعني غياب التنافس.
سوريا.. نقطة تقاطع المصالح التركية والإيرانية والإسرائيلية
في المرحلة الراهنة، تمثل سوريا إحدى أكثر الساحات وضوحًا لتقاطع المصالح بين القوى الإقليمية.
فتركيا تمتلك وجودًا عسكريًا ونفوذًا سياسيًا في مناطق من الشمال السوري، بينما تحتفظ إيران بشبكة من العلاقات والنفوذ داخل سوريا، وتتعامل إسرائيل مع الوجود الإيراني والجماعات المتحالفة مع طهران باعتباره تهديدًا أمنيًا مباشرًا، وتنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية في سياق هذه المواجهة.
وبالتالي فإن سوريا لا تشهد فقط صراعًا داخليًا، وإنما أصبحت ساحة تتقاطع فيها حسابات أنقرة وطهران وتل أبيب وموسكو وواشنطن، فضلًا عن القوى السورية نفسها.
أما حادثة اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من إيران باتجاه المجال الجوي التركي في مارس 2026، فقد أكدت وزارة الدفاع التركية أن أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي التابعة للناتو في شرق المتوسط تعاملت مع الصاروخ بعد عبوره أجواء العراق وسوريا. وتكشف الواقعة عن مدى تشابك ساحات الصراع الإقليمي وتداخلها مع منظومات الأمن الجماعي لحلف الناتو.
هل يعود «الحزام الشمالي» بصيغة جديدة؟
هنا تتجاوز المسألة مجرد استعادة مصطلح تاريخي؛ إذ يطرح التطور الراهن سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل نحن أمام عودة فعلية للحزام الشمالي، أم أمام شبكة جديدة من موازين القوى لا تشبه منظومة الحرب الباردة؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن تركيا وإيران وإسرائيل لا تتحرك ضمن تحالف ثلاثي واحد، بل على العكس، تتعارض مصالحها في ملفات رئيسية. إيران وإسرائيل في حالة صراع استراتيجي مفتوح، فيما تتأرجح العلاقة التركية-الإسرائيلية بين التعاون والمواجهة السياسية، بينما تتباين الحسابات التركية والإيرانية في سوريا والعراق والقوقاز، رغم وجود قنوات تعاون ومصالح اقتصادية مشتركة.
لذلك فإن استخدام مفهوم «الحزام الشمالي» اليوم يمكن أن يكون مفيدًا باعتباره إطارًا لتحليل الجغرافيا الاستراتيجية المحيطة بالعالم العربي، لكنه لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حلفًا قائمًا أو خطة موحدة ومعلنة تجمع هذه الدول.
الجغرافيا العربية في قلب الصراع
ما تغير خلال العقود الماضية هو أن العالم العربي لم يعد يتعامل مع قوة إقليمية واحدة، وإنما مع عدة مراكز نفوذ تتنافس داخل المجال الجغرافي نفسه.
تركيا تنظر إلى شمال سوريا والعراق باعتبارهما جزءًا من مجالها الأمني الحيوي، وإيران بنت شبكة نفوذ تمتد عبر عدة دول عربية، بينما تركز إسرائيل على منع ما تعتبره تهديدات استراتيجية قادمة من إيران وحلفائها.
وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على إدارة شبكة واسعة من الشراكات والتحالفات في المنطقة، بينما تسعى روسيا والصين أيضًا إلى توسيع حضورهما السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.
السؤال الأهم
ومن ثم فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: من يطوق العالم العربي؟ بل أصبح: كيف يمكن للدول العربية أن تتحول من ساحات تتقاطع فيها مشروعات الآخرين إلى أطراف فاعلة في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي؟
فالتاريخ يوضح أن التحالفات في الشرق الأوسط ليست ثابتة، وأن المصالح قادرة على إعادة رسم العلاقات بصورة متكررة. والحزام الذي كان في خمسينيات القرن الماضي جزءًا من استراتيجية الحرب الباردة لم يعد موجودًا بالشكل نفسه، لكن منطق الأحزمة والنفوذ ومناطق المصالح لا يزال حاضرًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
وبينما تتغير التحالفات وتتصادم المصالح فوق الأراضي العربية، يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الدول العربية على بناء ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية تمنحها هامشًا أكبر من الاستقلال في تحديد مصالحها، بدل أن تظل المنطقة مجرد مساحة تتقاطع فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية.





