تلسكوب «FAST» الصيني.. هل اقترب من فك أسرار الكون؟

مصادر – موقع بيان الإخبارى

يواصل تلسكوب «FAST» الصيني، أكبر وأشد التلسكوبات الراديوية الأحادية الطبق حساسية في العالم، لعب دور متقدم في رصد الظواهر الكونية الغامضة، بعدما حقق خلال السنوات العشر الماضية سلسلة من الاكتشافات التي وسعت نطاق المعرفة البشرية بالنجوم والمجرات والإشارات القادمة من أعماق الفضاء.

وقال جيانج بينج، كبير المهندسين في «FAST» ونائب مدير المراصد الفلكية الوطنية التابعة للأكاديمية الصينية للعلوم، إن الحساسية تمثل أحد أهم مؤشرات القدرة على الرصد في نطاق الموجات الراديوية، مؤكدًا أن التلسكوب يتمتع بميزة يصعب تعويضها في هذا المجال، بما يوفر للعلماء «مسبارًا» فريدًا لاستكشاف الكون.

وجاءت تصريحات جيانج خلال فعالية أكاديمية استمرت ثلاثة أيام في مقاطعة بينغتانج بإقليم قويتشو، بمناسبة مرور عشر سنوات على اكتمال بناء التلسكوب، بمشاركة أكثر من 200 عالم وباحث صيني يمثلون أكثر من 40 مؤسسة بحثية وجامعة.

أكثر من 1300 نجم نابض

وخلال عقد من العمل، نجح «FAST» في اكتشاف أكثر من 1300 نجم نابض، وهو عدد يتجاوز إجمالي ما رصدته جميع التلسكوبات الراديوية الأخرى في العالم خلال الفترة نفسها، وفق التقرير.

كما تمكن التلسكوب من رصد 156 ألف مجرة تحتوي على الهيدروجين المتعادل، ليؤسس واحدة من أكبر قواعد البيانات العالمية المستخدمة في تتبع نشأة المجرات وتطورها عبر الزمن.

ومن بين الاكتشافات التي وصفها العلماء بأنها لافتة، رصد أنظمة نجمية نادرة، بينها ثنائي نجمي نابض يمتلك أقصر فترة مدارية معروفة، إلى جانب نظام يجمع بين نجم نابض ونجم من الهيليوم، قدم أدلة رصدية قوية على إحدى مراحل التطور النجمي المعروفة باسم «التطور ذي الغلاف المشترك».

وتحدث هذه المرحلة عندما يبتلع أحد النجوم نجمًا مرافقًا له، فتُقذف الطبقات الخارجية المشتركة، قبل أن ينتهي الأمر بتكوين نظام ثنائي شديد الترابط يضم أجرامًا نجمية مدمجة.

طلب عالمي متزايد

ولم تقتصر أهمية «FAST» على عدد الاكتشافات، بل امتدت إلى حجم الاهتمام العلمي الدولي باستخدامه، إذ أوضح جيانج أن عدد طلبات الرصد كان محدودًا عند بدء التشغيل الكامل للتلسكوب عام 2020، لكنه ارتفع بصورة كبيرة لاحقًا، حتى أصبحت نسبة الطلبات المقبولة سنويًا نحو 15% فقط.

ويشير ذلك، بحسب المسؤول الصيني، إلى تنامي الاعتراف الدولي بقدرات التلسكوب، بالتوازي مع سياسة إتاحة استخدامه أمام الباحثين في إطار التعاون العلمي وتبادل البيانات والأبحاث.

ويرتبط هذا التطور بجهود فريق يضم أكثر من 100 باحث ومهندس، واجه خلال مراحل البناء والاختبار والتشغيل تحديات تقنية متعددة، من بينها تطوير كابلات فولاذية ومشغلات عالية الأداء محليًا، إلى جانب رفع دقة أنظمة القياس والتحكم.

ويقول القائمون على المشروع إن هذه الجهود استندت إلى رؤية نان رندونج، العالم الذي تولى دور كبير العلماء في المشروع، بهدف بناء تلسكوب ذي مستوى عالمي قادر على دفع علم الفلك الراديوي إلى آفاق جديدة.

توسعة تضاعف الحساسية

ولا يتوقف المشروع عند إنجازاته الحالية، إذ يعمل الفريق الصيني على تنفيذ المرحلة الثانية من تطوير «FAST»، والتي تتضمن نشر عشرات الهوائيات، يصل قطر الواحد منها إلى 40 مترًا، ضمن نطاق يبلغ 30 كيلومترًا حول التلسكوب الرئيسي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه التوسعة، بعد اكتمالها، إلى مضاعفة حساسية «FAST» وتعزيز قدرته على تمييز التفاصيل في الأجرام والظواهر الكونية بما يصل إلى 200 ضعف من حيث الدقة الزاوية، وفق الخطط المعلنة للمشروع.

إشارات غامضة من أعماق الفضاء

ومن أبرز المجالات التي أسهم فيها «FAST» خلال الفترة الأخيرة البحث عن «الانفجارات الراديوية السريعة»، وهي ومضات شديدة السطوع من موجات الراديو تستمر لفترات بالغة القصر لا تتجاوز بضعة أجزاء من الألف من الثانية.

وفي وقت سابق من العام، نشرت مجلة Science نتائج دراسة قادها باحثون من المرصد الفلكي البنفسجي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم في نانجينج، واعتمدت على بيانات «FAST»، وقدمت أدلة قوية على أن بعض هذه الانفجارات الراديوية السريعة قد يكون ناتجًا عن أنظمة تضم أزواجًا من النجوم المدمجة.

وتشبه هذه الظواهر، من حيث شدتها وسرعة ظهورها واختفائها، ما يمكن وصفه بـ«برق كوني» خاطف، ولذلك تمثل أحد أكثر الألغاز إثارة في علم الفلك الحديث.

ويربط الباحث وو شيويفنغ، قائد الفريق العلمي في الدراسة، هذا التقدم بالقدرات الفريدة التي يوفرها «FAST»، خاصة حساسيته العالية، إلى جانب قدرته على المراقبة طويلة المدى والاستجابة السريعة عند ظهور مؤشرات أو أحداث غير معتادة.

وبين الاكتشافات المتلاحقة وخطط التوسعة المقبلة، يتحول «FAST» تدريجيًا إلى منصة رئيسية لدراسة الكون عبر موجات الراديو، فيما يراهن العلماء على أن التطويرات الجديدة قد تقود إلى اكتشافات تساعد في الإجابة عن أسئلة لا تزال مفتوحة حول نشأة النجوم والمجرات وطبيعة الإشارات الغامضة القادمة من الفضاء السحيق.

طالع المزيد: المشهد الفلكي يتغير.. وفاء حامد ترسم خريطة الأبراج مع تحرّك أورانوس وخروج نبتون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى