صراع الصواريخ في مضيق تايوان.. ذخائر HIMARS الأمريكية أمام PHL-16 الصينية
تايوان تتجه لامتلاك 111 منظومة HIMARS.. والصين لديها أكثر من 200 منظومة PHL-16.. لكن معادلة القوة لا تتوقف عند عدد منصات الإطلاق

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى
تفتح التطورات المتسارعة في تسليح تايوان أمام الولايات المتحدة والصين فصلًا جديدًا في سباق القوة النارية بعيدة المدى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع بروز منظومتي HIMARS الأمريكية وPHL-16 الصينية باعتبارهما من أبرز أنظمة الصواريخ المدفعية المتحركة التي يمكن أن تلعب دورًا في أي مواجهة محتملة عبر مضيق تايوان.
وتطرح صحيفة South China Morning Post في تقرير نشرته في الأول من أكتوبر 2026 سؤالًا يتجاوز مقارنة أعداد منصات الإطلاق ومدى الصواريخ، ويتمثل في قدرة الأطراف على توفير الذخائر بكميات كافية واستمرار الإمداد في حرب عالية الكثافة.
وبحسب التقرير، من المقرر أن تحصل تايوان على كامل طلبها الأول البالغ 29 منظومة HIMARS بحلول نهاية عام 2026، بينما وافقت الولايات المتحدة على صفقة إضافية تتضمن 82 منظومة أخرى، ليصل العدد المخطط له إلى 111 منظومة، من دون احتساب منصات HIMARS التابعة للقوات الأمريكية المنتشرة بالفعل في المنطقة.
في المقابل، تُقدّر أعداد منظومات PHL-16، المعروفة أيضًا باسم PCL-191، التي نشرتها قوات جيش التحرير الشعبي الصيني بأكثر من 200 منظومة، وفق التقرير نفسه.
HIMARS.. السلاح الذي تراهن عليه تايوان
تعد منظومة M142 HIMARS منصة إطلاق صاروخية عالية الحركة طورتها الولايات المتحدة، وتتميز بقدرتها على التحرك بسرعة وتغيير مواقع الإطلاق، وهي خصائص تجعلها ملائمة لمفهوم العمليات المتناثرة الذي تسعى تايوان إلى تطويره.
وتحمل المنظومة عادة حاوية صاروخية واحدة، ويمكنها إطلاق صواريخ موجهة من عائلة GMLRS، كما يمكنها استخدام صواريخ تكتيكية أطول مدى مثل ATACMS بحسب نوع التجهيز والذخائر المتاحة.
وتأتي أهمية HIMARS بالنسبة لتايوان من الجمع بين الحركة، والدقة، والقدرة على الضرب من مسافات بعيدة، وهي خصائص تجعل المنظومة جزءًا من توجه تايواني نحو تعزيز قدرات النيران بعيدة المدى بدل الاعتماد على الأسلحة التقليدية قصيرة المدى فقط.
وأظهرت تدريبات تايوانية خلال يونيو 2026 تشغيل HIMARS وإعادة انتشارها بعد إطلاق النار، في تدريبات ركزت على الحركة السريعة والضربات الدقيقة. وأفادت تقارير عسكرية أمريكية بأن تايوان تسعى في نهاية المطاف إلى تشكيل قوة من 111 منصة.
82 منظومة إضافية.. صفقة أمريكية ضخمة
في ديسمبر 2025، أعلنت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية أن وزارة الخارجية وافقت على صفقة محتملة لتايوان بقيمة تقديرية تبلغ 4.05 مليار دولار، تتضمن 82 منظومة HIMARS، إضافة إلى مئات الذخائر والمعدات المرتبطة بها.
وشملت الصفقة المقترحة 420 صاروخ ATACMS، و756 حاوية من صواريخ GMLRS-U، و447 حاوية من صواريخ GMLRS ذات الرأس الحربي البديل، إلى جانب مركبات ومعدات للقيادة والسيطرة.
وفي أبريل 2026، أكدت تايوان توقيع عدد من صفقات التسليح الأمريكية، من بينها صفقة HIMARS بقيمة تقارب 123.5 مليار دولار تايواني، أي نحو 3.9 مليار دولار أمريكي وفق أسعار الصرف التقريبية، بعد تسوية ترتيبات الدفع الخاصة بالصفقة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين عدد المنصات التي تمت الموافقة على شرائها وبين العدد الموجود فعليًا في الخدمة، وكذلك بين المنصات وبين كمية الذخائر المتاحة لها.
PHL-16.. المقابل الصيني
في الجانب الآخر، تمتلك الصين منظومة PHL-16/PCL-191، وهي منصة صاروخية متحركة ذات تصميم معياري تسمح باستخدام أنواع مختلفة من الذخائر.
وتشير الدراسات العسكرية إلى أن المنظومة الصينية تستطيع استخدام حاويات إطلاق مختلفة، بما يسمح بدمج صواريخ بأقطار وقدرات ومديات مختلفة، الأمر الذي يمنحها قدرًا من المرونة العملياتية.
وتشير بيانات منشورة في دراسة لوزارة الدفاع التايوانية إلى أن المنظومة الصينية صُممت بحيث يمكن لكل وحدة إطلاق حمل صواريخ مختلفة وفق المهمة، مع وجود صواريخ بمديات تتجاوز 300 كيلومتر، فضلًا عن خيارات أخرى أطول مدى.
وتكمن أهمية PHL-16 بالنسبة للصين في أنها ليست مجرد راجمة صواريخ تقليدية، وإنما منصة نيران بعيدة المدى ذات قدرة على الحركة والانتشار، ما يجعلها جزءًا من شبكة أوسع من الصواريخ والمدفعية والاستطلاع والقيادة والسيطرة.
الرقم الأكثر إثارة للانتباه
بحسب تقرير South China Morning Post، يقدّر عدد منظومات PHL-16 المنتشرة لدى جيش التحرير الشعبي بأكثر من 200 منصة، مقابل 29 منظومة HIMARS ستكتمل تايوان من طلبها الأول بنهاية العام، مع خطة للوصول إلى 111 منظومة بعد تنفيذ الصفقة الإضافية.
لكن المقارنة العددية وحدها لا تقدم صورة مكتملة.
فالمنظومتان ليستا متطابقتين تمامًا من حيث الذخائر، وبنية القيادة والسيطرة، وشبكات الاستطلاع، والمهام التي يمكن إسنادها إليهما، كما أن عدد المنصات لا يكشف كمية الصواريخ المخزنة أو معدل إنتاجها أو قدرة كل طرف على إعادة الإمداد أثناء الحرب.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي يركز عليها تقرير الصحيفة الصينية.
المعركة الحقيقية في مخازن الذخيرة
إذا كانت HIMARS تمثل منصة الإطلاق، فإن الذخيرة هي التي تحدد قدرتها على الاستمرار في القتال.
وتأتي هذه المسألة في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على قاعدة إنتاج الذخائر والصواريخ نتيجة ارتفاع الطلب العسكري وتعدد مسارح العمليات.
وأشار تحليل لمعهد بروكينجز في يونيو 2026 إلى أن المخزونات الأمريكية من الذخائر تعرضت لضغوط كبيرة، وأن إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات، محذرًا من أن حربًا عالية الكثافة في منطقة تايوان يمكن أن تستهلك الأسلحة الأمريكية بوتيرة أسرع من صراعات أخرى.
وتظهر المشكلة بصورة أوضح عند النظر إلى قاعدة الإنتاج الأمريكية؛ إذ كشفت تقارير دفاعية خلال 2026 عن استمرار صعوبات في رفع إنتاج بعض أنواع الذخائر، رغم الاستثمارات الأمريكية الكبيرة في توسيع القدرات الصناعية.
لماذا تصبح الذخائر أكثر أهمية في حرب تايوان؟
القتال في مضيق تايوان، إذا اندلع، لن يكون بالضرورة حربًا قصيرة تعتمد على عدد محدود من الضربات الصاروخية.
فالقوات التي تستخدم أنظمة الصواريخ المتحركة تحتاج إلى دورة مستمرة تشمل:
اكتشاف الهدف → تحديد الإحداثيات → إطلاق الصاروخ → تغيير الموقع → إعادة التذخير → العودة إلى شبكة النيران.
وبالتالي، فإن امتلاك مئات المنصات لا يعني بالضرورة القدرة على إطلاق مئات الصواريخ بصورة مستمرة إذا لم تكن هناك مخزونات كافية وقدرة صناعية على التعويض.
وهنا تتقاطع مشكلة HIMARS مع تجربة الحرب في أوكرانيا، التي أبرزت أهمية المدفعية والصواريخ الموجهة، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الاستهلاك في حرب طويلة وعالية الكثافة يمكن أن يتجاوز بسرعة قدرة الإنتاج والتوريد.
تايوان بدأت بالفعل في زيادة مخزونها الصاروخي
ولا تبدو تايوان غافلة عن هذه المشكلة.
ففي أبريل 2026، أعلنت الحكومة التايوانية عن صفقة لإعادة تكوين مخزون الصواريخ، إلى جانب صفقة HIMARS، كما أظهرت بيانات متابعة المشتريات الدفاعية أن تايوان كانت تنتظر وصول دفعات من منصات HIMARS وصواريخ GMLRS وATACMS.
وتشير بيانات أحدث إلى أن تايوان تعاقدت على 4320 صاروخًا موجهًا إضافيًا من GMLRS، بعد أن كان الجانب الأمريكي قد أتاح سقفًا أعلى بلغ 7218 صاروخًا في الإخطار الأولي للكونغرس، بينما اختارت تايوان كمية أقل وفق تقييم احتياجاتها.
وهذه الأرقام تعكس أن قضية الذخائر أصبحت جزءًا مستقلًا من حسابات التخطيط الدفاعي التايواني، وليس مجرد ملحق بصفقة منصات الإطلاق.
الصين.. ميزة الإنتاج المحلي
في المقابل، تمتلك الصين قاعدة صناعية دفاعية ضخمة يمكن أن تمنحها، نظريًا، قدرة أكبر على إنتاج الذخائر محليًا وعدم الاعتماد على خطوط إمداد خارجية.
ولا يعني ذلك تلقائيًا أن الصين ستكون قادرة على إنتاج كل نوع من الذخائر بالسرعة المطلوبة في أي حرب، أو أن الولايات المتحدة ستعجز عن تعويض مخزوناتها؛ لكن الفرق الأساسي هو أن الصين تمتلك قاعدة إنتاج داخلية مرتبطة مباشرة بقواتها المسلحة.
وتشير البيانات العامة إلى ضخامة القطاع الصناعي الصيني في مجال أنظمة الصواريخ والمدفعية، فيما تظل الأرقام الدقيقة الخاصة بمخزونات الذخيرة الصينية ومعدلات إنتاجها الحربي غير معلنة بصورة موثوقة.
لذلك فإن أي مقارنة بين الطرفين يجب أن تميز بين ما هو معروف من أعداد المنصات وبين ما هو غير معروف بشأن المخزونات الفعلية ومعدلات الإنتاج.
ليست مبارزة مباشرة
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه مواجهة مباشرة بين HIMARS وPHL-16، لكن الواقع العسكري أكثر تعقيدًا.
فالمنظومتان جزء من شبكات متكاملة تضم الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والرادارات ووسائل الاستطلاع الإلكتروني ومراكز القيادة والسيطرة، إضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ المضادة للسفن والأسلحة الأخرى.
وبالتالي، فإن فعالية أي منصة لا تتحدد بخصائصها التقنية فقط، وإنما بقدرتها على الحصول على بيانات أهداف دقيقة، والعمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة، والبقاء على قيد الحياة بعد إطلاق النار، ثم الحصول على الذخائر اللازمة لإعادة الاشتباك.
وقد أشار تحليل نشرته مؤسسة تابعة للجيش الأمريكي إلى أن منظومات النيران الصاروخية الجديدة في تايوان يمكن أن تدعم مفهومًا دفاعيًا يقوم على التوزيع والانتشار، وتزيد قدرة القوات على ضرب أهداف مرتبطة بعمليات الإنزال الصينية المحتملة.
ماذا تكشف هذه المعادلة؟
القصة الأهم التي يطرحها التطور الأخير ليست أن أحد الطرفين يمتلك راجمة صواريخ «أفضل» بصورة مطلقة، وإنما أن الحرب الحديثة تختبر قدرة الدولة على المحافظة على دورة النيران.
ففي حالة تايوان، تمتلك الولايات المتحدة منظومة HIMARS التي أثبتت حضورها في الحرب الأوكرانية، بينما تعمل الصين على تطوير منظومات صاروخية بعيدة المدى ذات قدرة عالية على الحركة وتعدد أنواع الذخائر.
لكن العامل الحاسم سيكون أوسع من المنصة نفسها: كمية الصواريخ، ومخزونات الاحتياط، وقدرة التصنيع، وسرعة النقل، والحفاظ على خطوط الإمداد، ومدى قدرة كل طرف على حماية منصاته من الضربات المعادية.
حرب المصانع قبل ساحات القتال؟
يضع هذا التطور الصناعة الدفاعية في قلب معادلة الردع في مضيق تايوان.
فإذا كان بإمكان الولايات المتحدة إنتاج صواريخ جديدة بكميات كبيرة وبسرعة، فإن مشكلة نقص الذخائر تصبح أقل تأثيرًا. أما إذا استمرت الفجوة بين الاستهلاك ومعدلات الإنتاج، فقد تصبح منصات HIMARS الكثيرة أقل فاعلية مما توحي به أرقام المشتريات.
وبالمثل، فإن امتلاك الصين أكثر من 200 منظومة PHL-16 لا يعني تلقائيًا تفوقًا عملياتيًا؛ إذ تعتمد القيمة الحقيقية لهذه المنظومات على مخزون الصواريخ، ودقة الاستهداف، وقدرة شبكات الاستطلاع والقيادة والسيطرة، ومدى تحملها للضربات المضادة.
ومن هنا، فإن سباق التسلح حول تايوان يتجه تدريجيًا من سباق منصات إلى سباق مخزونات وإنتاج وقدرة على التعويض.
تأكيد أخير: الأرقام لا تحسم المعادلة
تكشف صفقة HIMARS التايوانية عن تحول واضح في طبيعة الاستعداد العسكري لمواجهة محتملة في مضيق تايوان. فتايوان تتجه إلى امتلاك 111 منصة HIMARS، بينما تشير التقديرات الواردة في التقرير الأصلي إلى أكثر من 200 منصة PHL-16 صينية.
لكن هذه الأرقام لا تحسم المعادلة وحدها.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة كل طرف على تحويل المنصة إلى نيران مستمرة ودقيقة، ثم المحافظة على تدفق الذخائر وقطع الغيار والمعلومات طوال فترة القتال.
وهكذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في مضيق تايوان لم يعد فقط: كم راجمة صواريخ يمتلك كل طرف؟
بل أصبح: كم صاروخًا يستطيع كل طرف إطلاقه، وكم يستطيع إنتاجه وتعويضه إذا طال أمد الحرب؟
وهذه المعادلة تجعل أزمة الذخائر الأمريكية عنصرًا يستحق المتابعة في حسابات القوة حول تايوان، بالتوازي مع التطور المتسارع للصناعة الصاروخية الصينية.
…………………………………………………………………………………………
مصادر التقرير:
المصدر الأصلي للقصة، موقع South China Morning Post نشرها Liu Zhen في 1 أكتوبر 2026، وتتناول تحديدًا فجوة الذخائر وتأثيرها المحتمل في أي صراع حول تايوان.
وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية DSCA — تفاصيل صفقة الـ82 HIMARS والذخائر المرتبطة بها وقيمتها التقديرية.
وزارة الدفاع التايوانية/مصادر حكومية تايوانية — تطورات تشغيل HIMARS والتدريبات ودمج المنظومة في مفهوم الدفاع التايواني.
Brookings — تحليل حديث لمشكلة مخزونات الذخائر الأمريكية وتأثير حرب عالية الكثافة على تايوان
الجيش الأمريكي — دراسة حول دور الصواريخ المدفعية في تطوير قدرات تايوان الدفاعية.





