غارة جوية على سوق مكتظ في ميانمار تقتل نحو 50 مدنيًا.. والأمم المتحدة تطالب بالتحقيق

مصادر – وكالات

شهدت مدينة كياوكتاو (Kyauktaw) في ولاية راخين غربي ميانمار، في 28 سبتمبر 2026، واحدة من أكثر الغارات الجوية دموية في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، بعدما أصابت ضربات جوية منطقة سوق مكتظة وجسرًا مجاورًا، ما أسفر عن مقتل نحو 50 شخصًا وإصابة 58 آخرين، وفق أحدث البيانات التي أوردتها مصادر محلية ووكالات إغاثة وجهات دولية.

وتقع كياوكتاو في منطقة تخضع لسيطرة جيش أراكان (AA)، إحدى أبرز الجماعات المسلحة العرقية في ميانمار، التي تخوض منذ سنوات صراعًا مسلحًا مع الجيش الذي يسيطر على السلطة في البلاد منذ انقلاب فبراير 2021.

ماذا حدث في كياوكتاو؟

وقعت الغارة ظهر الاثنين 28 سبتمبر، عندما أسقطت طائرة مقاتلة، وفق رواية جيش أراكان ومصادر الإنقاذ المحلية، قنبلتين بالقرب من السوق الهندي والجسر المجاور المعروف باسم جسر كيسابانادي (Kissapanadi Bridge).

وكان الموقع مزدحمًا بالتجار والمتسوقين والمارة والعاملين في تحميل البضائع، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا.

وفي الساعات الأولى، تحدثت المصادر عن مقتل 33 شخصًا وإصابة 36 آخرين، قبل أن ترتفع حصيلة القتلى لاحقًا إلى 49 ثم نحو 50 شخصًا، مع استمرار عمليات البحث عن الضحايا والتعرف على الجثامين.

وأفادت مصادر بأن 58 شخصًا أصيبوا، بينهم أكثر من 20 في حالة حرجة، فيما تعرضت المنطقة لأضرار مادية واسعة شملت السوق والجسر وعددًا من المركبات والمنشآت المحيطة.

لماذا كان السوق هدفًا شديد الحساسية؟

لا يمثل السوق المستهدف مجرد تجمع تجاري محلي، بل يعد أحد أهم المراكز التجارية بالجملة في المنطقة، ويستقبل تجارًا ومتسوقين من مناطق مختلفة في ولاية راخين.

كما أن الجسر المجاور يمثل جزءًا من طريق يربط كياوكتاو بعدد من البلدات الأخرى، ما يمنح المنطقة أهمية تجارية ولوجستية كبيرة.

وأظهرت صور ومقاطع فيديو أعقبت الغارة تصاعد الدخان واشتعال عدد من المباني وتضرر المركبات وأجزاء من الجسر.

من يقف وراء الهجوم؟

جيش أراكان اتهم الجيش الميانماري بتنفيذ الغارة باستخدام طائرة مقاتلة، وقال إن الهجوم استهدف منطقة مدنية مكتظة.

كما أكد مسؤول إنقاذ محلي لوكالة أسوشيتد برس وقوع أعداد كبيرة من الضحايا.

في المقابل، لم يصدر عن الجيش الميانماري تعليق فوري بشأن الهجوم، لكنه سبق أن أعلن في هجمات مماثلة أنه يستهدف مواقع وتهديدات عسكرية مشروعة، واتهم الجماعات المناهضة له بالإرهاب. ولذلك لا يمكن اعتبار الرواية الخاصة بالهدف العسكري المفترض مستقلة أو محسومة من المصادر المتاحة.

الأمم المتحدة تدخل على خط التحقيق

تصاعد الاهتمام الدولي بالحادث بعدما أعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء التقارير المتعلقة بالغارة.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن العنف المستمر في ميانمار، ولا سيما في ولاية راخين، يؤكد الحاجة إلى حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي، داعيًا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وتوفير وصول آمن ودون عوائق للعاملين في المجال الإنساني.

وفي تطور أكثر أهمية، أعلنت الآلية الدولية المستقلة للتحقيق في ميانمار (IIMM) أنها تجمع المعلومات المتعلقة بالغارة التي وقعت قرب السوق الهندي، ودعت الأشخاص الذين شاهدوا الهجوم أو لديهم معرفة مباشرة به إلى تقديم المعلومات.

وقالت الآلية إن التقارير تشير إلى مقتل 50 شخصًا على الأقل وإصابة 58 آخرين، وإن من بين الضحايا نساء وأطفالًا، مضيفة أن الهجوم ألحق أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية المحيطة بالسوق والجسر.

لماذا تعد الواقعة خطيرة؟

تكمن خطورة هجوم كياوكتاو في أنه وقع في منطقة مدنية مزدحمة وفي قلب مركز تجاري رئيسي، وسط حرب أهلية مستمرة في ميانمار منذ انقلاب الجيش على الحكومة المنتخبة في فبراير 2021.

ومنذ ذلك الحين، تحولت البلاد إلى ساحة صراع بين القوات العسكرية الحاكمة، وقوى مسلحة عرقية، ومجموعات مقاومة مؤيدة للديمقراطية.

وفي ولاية راخين، يخوض الجيش الميانماري مواجهة شديدة مع جيش أراكان، الذي تمكن خلال السنوات الأخيرة من السيطرة على مساحات واسعة من الولاية.

وتقول تقارير دولية إن جيش أراكان استولى على عدد كبير من البلدات والمواقع العسكرية، بينما أدت العمليات العسكرية والقيود على طرق التجارة إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية ونقص الغذاء في أجزاء من راخين.

راخين.. صراع يتجاوز المواجهة العسكرية

تكتسب ولاية راخين أهمية خاصة في الأزمة الميانمارية بسبب موقعها الجغرافي وتعدد المكونات السكانية فيها، إلى جانب وجود أقلية الروهينغا التي تعرضت خلال السنوات الماضية لانتهاكات واسعة وأزمات نزوح متكررة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الصراع أدى إلى نزوح مئات الآلاف من الأشخاص في راخين وحدها، بينما تجاوز عدد النازحين داخليًا في ميانمار على نطاق أوسع 3.5 مليون شخص وفق بيانات أممية حديثة.

وتأتي غارة كياوكتاو في ظل تصاعد استخدام القوة الجوية في الحرب الميانمارية، مع امتلاك الجيش القدرة على استخدام الطائرات الحربية لضرب المناطق التي فقد السيطرة البرية عليها.

هل يمثل الهجوم جريمة حرب؟

وصف جيش أراكان الهجوم بأنه استهداف متعمد للمدنيين واعتبره جريمة حرب، فيما استخدمت جهات محلية وحقوقية توصيفات شديدة اللهجة للهجوم.

لكن من الناحية القانونية، فإن تحديد ما إذا كانت واقعة بعينها تشكل جريمة حرب يتطلب تقييم الأدلة والظروف المحيطة بالهجوم، بما في ذلك طبيعة الهدف، وما إذا كان عسكريًا أو مدنيًا، ومدى التناسب والاحتياطات المتخذة لحماية المدنيين.

ولهذا تكتسب مهمة الآلية الدولية المستقلة للتحقيق في ميانمار أهمية خاصة، خصوصًا مع إعلانها جمع معلومات مباشرة عن الواقعة.

ماذا يعني الهجوم بالنسبة للحرب في ميانمار؟

يكشف هجوم كياوكتاو عن جانب آخر من طبيعة الحرب في ميانمار: اتساع نطاق استخدام القوة الجوية في مواجهة جماعات تسيطر على مساحات واسعة من البلاد.

وبالنسبة إلى ولاية راخين تحديدًا، فإن فقدان الجيش السيطرة على عدد كبير من المناطق دفع الصراع إلى مرحلة تعتمد فيها القوات الحكومية بصورة أكبر على القوة الجوية والمدفعية، بينما تعتمد الجماعات المسلحة على السيطرة البرية والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة في بعض المناطق.

وتزداد خطورة هذا النمط عندما تقع الضربات بالقرب من الأسواق والطرق والجسور والمناطق السكنية، حيث يمكن أن تؤدي ضربة واحدة إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

القصة لم تنته عند الغارة

وبعد أيام من الهجوم، لم تعد القضية مقتصرة على تحديد حصيلة الضحايا، وإنما انتقلت إلى سؤال أكبر يتعلق بالمسؤولية عن الهجوم واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين في مناطق الصراع.

وتشير المعطيات المتاحة حتى الآن إلى أن الغارة وقعت بالفعل في 28 سبتمبر واستهدفت منطقة السوق والجسر في كياوكتاو، وأن عشرات المدنيين قتلوا وأصيبوا، بينما لا تزال تفاصيل المسؤولية والهدف العسكري المفترض محل خلاف بين أطراف الصراع.

وفي الوقت نفسه، فإن دخول آلية التحقيق الدولية على خط الواقعة يعني أن الهجوم أصبح موضع اهتمام حقوقي وقانوني دولي، وقد تساهم المعلومات التي يتم جمعها في تحديد طبيعة الانتهاكات المحتملة والمسؤوليات المرتبطة بها.

 طالع المزيد: اكتشاف ياقوتة عملاقة تزن 11 ألف قيراط بمناجم ميانمار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى