وزير خارجية الهند: أمريكا اختارت العزلة.. وصعود الصين يعيد رسم خريطة القوة العالمية

كتب: عاطف عبد الغنى

في تقييم لافت للتحولات الجارية في النظام الدولي، قال وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار إن المشهد العالمي بات يتحدد بصورة أساسية بفعل التحول الكبير في موقف الولايات المتحدة، بالتزامن مع الصعود المتسارع للصين وتصاعد المنافسة بين القوتين.

وجاءت تصريحات جاوشانكار خلال مشاركته في الاجتماع الأمني لميونيخ، حيث وصف التحول الأمريكي بأنه «إعادة تموضع جذرية»، معتبرًا أن واشنطن اختارت، إلى حد كبير، أن تصبح «قوة أكثر عزلة» عن السابق.

واشنطن تعيد حساباتها

ورأى الوزير الهندي أن التحول في السياسة الأمريكية ليس مجرد نتيجة لضغوط خارجية، وإنما يمثل خيارًا اتخذته الولايات المتحدة، وهو ما ينعكس على طبيعة علاقاتها الدولية وعلى شكل النظام العالمي.

وقال إن هذه التطورات تمثل أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية، في ظل إعادة تعريف الولايات المتحدة لطريقة تعاملها مع العالم وحلفائها وشركائها، بما يفتح المجال أمام قوى أخرى لتوسيع هامش حركتها.

الصين.. قوة استثنائية في النظام الدولي

ووضع جاوشانكار صعود الصين في المرتبة الثانية بين أبرز سمات المشهد العالمي الراهن، مشيرًا إلى أن بكين تنظر إلى نفسها باعتبارها دولة «فريدة»، وأن هذا التصور لا ينفصل، في تقديره، عن حجم القوة التي راكمتها الصين بالفعل.

وأشار إلى أن الصين تمتلك وزنًا اقتصاديًا هائلًا، لافتًا إلى أن قدراتها الاقتصادية تتحول بصورة متزايدة إلى نفوذ سياسي واستراتيجي. وتؤكد تقارير هندية أن الصين تستحوذ على نحو ثلث التصنيع العالمي، وهو ما يعزز قدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى أدوات تأثير دولية.

المنافسة لم تعد أمريكية-صينية فقط

وبحسب الوزير الهندي، فإن المنافسة بين واشنطن وبكين تجاوزت حدود الدولتين، وأصبحت تؤثر في حسابات مختلف القوى الدولية.

وقال إن هذه المنافسة أدت إلى اتجاه الدول إلى تسليح ما تمتلكه من أوراق نفوذ، سواء كانت اقتصادية أو تكنولوجية أو جيوسياسية أو مرتبطة بسلاسل الإمداد، في وقت تستمر فيه العلاقات بين الدول على الرغم من التنافس في إطار من الاعتماد المتبادل المعقد.

وبذلك، فإن العالم لا يتجه إلى انفصال كامل بين الكتل، وإنما إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعايش فيها المنافسة والتعاون والاعتماد المتبادل في الوقت نفسه.

القوى المتوسطة تبحث عن هامش مناورة

ولم يحصر جاوشانكار رؤيته في التنافس بين واشنطن وبكين، بل أشار إلى أن القوى الناشئة والمتوسطة أصبحت أكثر وعيًا بمصالحها، وتتجه إلى تعزيز الاعتماد على الذات وتنويع علاقاتها وشراكاتها.

وأوضح أن هذه الدول لا تريد بالضرورة اختيار طرف واحد في المنافسة الدولية، بل تسعى إلى تنويع الشراكات وتقليل المخاطر، وإقامة ترتيبات تعاون على أساس المصالح والملفات المشتركة.

وأشار إلى أن التعاون بين هذه الدول لم يعد يتطلب تطابقًا كاملًا في الرؤى، وإنما قدرًا معقولًا من التقارب يسمح بإقامة شراكات عملية وفقًا لكل قضية أو مصلحة.

الهند.. سياسة تعدد الخيارات

وتكشف تصريحات جاوشانكار عن الرؤية الهندية المتزايدة تجاه نظام دولي متعدد الأقطاب، إذ تسعى نيودلهي إلى الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع القوى الكبرى، بدل الانضمام بصورة كاملة إلى محور واحد.

وهذا النهج يسمح للهند بالحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب مشاركتها في أطر دولية مختلفة، من بينها بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون والحوار الأمني الرباعي «كواد».

وكان جاوشانكار قد أكد في مناسبات سابقة أن امتلاك الهند خيارات متعددة في علاقاتها الدولية يمثل ميزة استراتيجية، وليس مشكلة، وهو ما يعكس فلسفة نيودلهي القائمة على تعدد الشراكات بدل الارتهان لتحالف واحد.

من القطبية إلى «إدارة المخاطر»

وتشير رؤية الوزير الهندي في مجملها إلى أن النظام الدولي يتحرك نحو صيغة أكثر تعددًا في مراكز القوة، لكنها ليست بالضرورة أكثر استقرارًا.

فمع صعود الصين وتغير موقع الولايات المتحدة، تجد الدول المتوسطة والناشئة نفسها أمام ضرورة الحفاظ على علاقات مع أطراف قد تتعارض مصالحها، مع محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب وتجنب الانخراط الكامل في صراعات القوى الكبرى.

ومن هنا تبرز مفاهيم مثل تنويع الشراكات، تقليل المخاطر، الاعتماد على الذات، والتعاون القائم على أجندات محددة باعتبارها أدوات رئيسية للدول التي تسعى إلى الحفاظ على استقلال قرارها في بيئة دولية شديدة التنافس.

المشهد الجديد.. كل ورقة نفوذ تتحول إلى سلاح

الرسالة الأهم في تصريحات جاوشانكار أن المنافسة الدولية لم تعد تدور فقط حول القوة العسكرية التقليدية، وإنما حول القدرة على توظيف كل عناصر النفوذ.

فالاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموارد، والموقع الجغرافي، والأسواق، وحتى الشراكات السياسية، يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط ومساومة.

وهكذا، فإن العالم الذي وصفه الوزير الهندي لا يتجه إلى قطيعة كاملة بين القوى الكبرى، بل إلى مرحلة تتداخل فيها المنافسة والاعتماد المتبادل؛ وهي معادلة تجعل إدارة العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا، وتدفع الدول المتوسطة إلى توسيع خياراتها بدل الاصطفاف الكامل.

طالع المزيد: نص كلمة الرئيس السيسي في الجلسة الختامية للاجتماع التنسيقي الثامن للاتحاد الأفريقي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى