زلزال في باب المندب: كيف أطاح هجوم “فجر اليمن” بمكاسب الحوثيين في ساعات معدودة؟
كتب: أشرف التهامي
في تحول ميداني خاطف أعاد رسم خريطة الصراع في شبه الجزيرة العربية، اشتعلت الجبهات اليمنية على وقع عملية “فجر اليمن” العسكرية الواسعة، التي شكلت ضربة قاصمة لمكاسب الحوثيين الأخيرة.
فبعد أسابيع قليلة من اندفاع الحوثيين للسيطرة على المناطق الاستراتيجية الحساسة وتهديد خطوط الملاحة الدولية في باب المندب والساحل الغربي، جاء الرد العسكري المضاد بقوة مفرطة وتنسيق إقليمي ودولي محكم، ليتحول التمدد الحوثي السريع إلى فخ استراتيجي مفتوح.
إنها عاصفة عسكرية لم تقتصر على استعادة الأرض، بل وضعت الجماعة الحوثية أمام أصعب اختبار عسكري منذ سنوات طويلة في ظل غطاء جوي مكثف ودعم لوجستي واستخباراتي غير مسبوق.
الاندفاع الحوثي والتهديد الاستراتيجي
خلال شهر سبتمبر، بدأ الحوثيون هجوماً برياً واسعاً تمكنوا خلاله من السيطرة على مديريات حيس والخوخه وأجزاء من تعز، وصولاً إلى المخا وذباب ومضيق باب المندب.
هذا التمدد شكّل تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن، ووضع العاصمة السعودية أمام مأزق أمني واستراتيجي بوجود قوتين تسيطران على مضيق هرمز وباب المندب.
انطلاق عملية “فجر اليمن” والانهيار السريع
في الخامس من أكتوبر، انطلقت عملية “فجر اليمن” بمشاركة نحو 100 مقاتلة حربية وتنفيذ أكثر من 1100 استهداف جوي ومدفعي تركزت على مراكز القيادة وخطوط الإمداد الحوثية.
وخلال ساعات معدودة، تمكنت قوات “درع الوطن” وألوية العمالقة والمقاومة بمساندة جوية مكثفة من استعادة ذباب، ومطار ذباب، ومعسكر خالد العمري، وصولاً إلى السيطرة الكاملة على مدينة المخا وقطع طرق الإمداد، مما أدى إلى محاصرة المئات من عناصر الحوثيين.
الدعم الأمريكي وتوسيع رقعة الهجوم
على الصعيد الدبلوماسي والعسكري، رفضت الإدارة الأمريكية الضربات المباشرة المتكررة التي طلبتها الرياض في بدايات الأزمة، لكنها قدمت بدلاً من ذلك دعماً استخباراتياً ومعلوماتياً مكثفاً وبيانات استهداف دقيقة، إلى جانب وجود نحو 200 مستشار أمريكي داخل مراكز التخطيط.
ولم يقتصر الهجوم المضاد على الساحل الغربي، بل امتد ليشمل جبهات مأرب والجوف والضغوط العسكرية باتجاه العاصمة صنعاء لتشتيت الاحتياطيات الحوثية.
و ختاما ،خلف الدخان المتصاعد من معسكرات باب المندب والمخا، تتكشف حقيقة استراتيجية أعمق تتجاوز حسابات الربح والخسارة الميدانية المؤقتة. لقد أثبتت عملية “فجر اليمن” أن التمدد العسكري السريع، مهما بدت قوته، يحمل في طياته بذور ضعفه إذا ما افتقر إلى العمق اللوجستي والتضاريس الحاضنة.
فبينما اعتاد الحوثيون على خوض حروب الكر والفر في بيئتهم الجبلية الوعرة، حيث تصبح الجبال حصوناً طبيعية، أدى اندفاعهم نحو الساحل الغربي المكشوف إلى تحويلهم إلى أهداف رخوة ومكشوفة للقوة الجوية والتفوق التكنولوجي للتحالف.
درس قاسي
هذا الدرس القاسي في الجغرافيا السياسية يوضح بجلاء أن السيطرة على مفاصل الطرق الاستراتيجية تتطلب قدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط إمداد طويلة، وهو اختبار فشلت الجماعة الحوثية في اجتيازه عندما اصطدمت بصلابة الأرض المفتوحة، مانحةً خصومها فرصة ذهبية لتحويل مكاسبهم إلى فخ استراتيجي مفتوح.
ويبقى السؤال الأهم ، هل يقتصر هذا الهجوم المضاد على استعادة المدن وتأمين الملاحة الدولية، أم أنه يمثل بداية النهاية للوجود العسكري الحوثي في مناطق النفوذ الاستراتيجي؟
إن الانهيار السريع لمكاسب الحوثيين على الساحل الغربي وانكشاف خطوط إمدادهم الطويلة في الأراضي المفتوحة يؤكد أن الجماعة الحوثية تعاني من هشاشة عسكرية واضحة عندما تخرج من بيئتها الجبلية المعتادة.
ورغم محاولاتهم الضغط من محاور أخرى مثل تعز, فإن تكاتف الجهود العسكرية المحلية والدعم الإقليمي والدولي المنظم يعني أن عملية “فجر اليمن” قد نجحت في تحويل التمدد الحوثي إلى أزمة وجودية، مما يجعل خيار التراجع الكامل واستعادة السيطرة على مفاصل الطرق الاستراتيجية أمراً حتمياً لا رجعة فيه.





