سقوط الرواية: لماذا تعجز ترسانة إسرائيل عن حماية وعيها المنهار؟ (1من2)

تقرير يكتبه: أشرف التهامي
حين تنزف الدبابة الإسرائيلية طين غزة ويحترق جندي الاحتلال على أطلال “الردع المطلق”، تكتشف المؤسسة الأمنية الإسرائيليّة أن معركتها الخاسرة لم تعد تُحسم بسرفات الدبابات ولا بقصف الأبراج، بل بسلاح أشد فتكاً وأعظم أثراً: “الوعي الإسرائيلي المنهار عالمياً”.
والكيان الذي أرعب المنطقة بالحديد والنار يعيش اليوم مأزقاً وجودياً خانقاً؛ إذ تتهاوى سرديته الكاذبة تحت أقدام طلاب الجامعات، ومحاكم العدل الدولية، وشبكات التأثير الرقمي.
دولة “عار أخلاقي”
لقد تحولت إسرائيل -رغم ترسانتها النووية وجيشها الجرار- إلى دولة “عار أخلاقي” ملاحقة في ضمير الإنسانية، عاجزة عن ترقيع شرعيتها الممزقة، ومكتشفة متأخراً أن الرصاصة قد تصيب جسداً، لكنها عاجزة تماماً عن قتل الحقيقة.
هذا ويتزايد استعانة خصوم إسرائيل بالتمويل، والأطر القانونية، والأوساط الأكاديمية، ووسائل الإعلام، والتأثير الرقمي لتقييد حرية عملها؛ بحسب تقرير معهد القدس للاستراتيجية والأمن “ JISS”
ونقدم لكم فى التالى ترجمة حرفية لما جاء فى تقرير نشره الموقع الرسمي للمعهد العبري .
تقرير معهد القدس للاستراتيجية والأمن “ JISS”
تتطلب مواجهة هذا التهديد وجود هيئة عملياتية إسرائيلية دائمة قادرة على دمج الاستخبارات والتكنولوجيا والأدوات القانونية والدبلوماسية وعمليات التأثير.
و لطالما أدرك أعداء إسرائيل وخصومها أنهم ليسوا بحاجة لهزيمتها في ساحة المعركة لتقويض قوتها؛ إذ يمكنهم النيل من شرعيتها المزعومة ، وعزلها دبلوماسياً، وممارسة ضغوط قانونية عليها، واختراق المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وتمويل المنظمات والحملات، وتوجيه النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، وإضعاف روابطها بالدول الصديقة لها وبالجاليات اليهودية في الشتات.
إن هذا الأمر يُعرف بـ “الحرب الناعمة”، لكن التسمية يجب ألا تضللنا؛ فنتائجها وخيمة وتراكمية، وقد تكون غير قابلة للعكس في بعض الأحيان ، تخوض إسرائيل حرباً على جبهات متعددة، ومع ذلك، فإن هذه الساحة -التي تُعد من أهم الساحات- تفتقر إلى قيادة مركزية، وإلى تقييم وطني إسرائيلي شامل للموقف، وإلى تحديد واضح للمسؤوليات داخل أجهزة الكيان.
لقد كشفت “حرب الخلاص” (War of Redemption) حرب 1967، عن المدى الكامل لهذا القصور ، فإلى جانب نجاحاتها العسكرية والاستخباراتية التي يزعمها الكيان ، واجهت إسرائيل حملة موازية استُخدمت فيها الصور والادعاءات والبيانات المجتزأة والرسائل الموقّتة بدقة لتوليد ضغوط – أحياناً في غضون ساعات – على الحكومات والمؤسسات الدولية والجامعات والشركات وقطاعات أخرى من الرأي العام.
وفي هذه الساحة، لا ينتصر بالضرورة الطرف الذي يمتلك الحجة الواقعية الأقوى؛ بل العبرة بمن يدرك طبيعة هذه الساحة أولاً، ويحشد التمويل والتنظيم والتكنولوجيا والسردية، ويتحرك باستمرار، وينجح في تحويل التأثير الشعبي إلى قرارات دبلوماسية أو قانونية أو اقتصادية.
لقد أثبتت حملة “تجويع غزة” في صيف عام 2025 فعالية الحرب الناعمة وأثرت بشكل كبير على كيفية استخدام الجيش الإسرائيلي للقوة ، وبالمثل، قلبت حملة “عنف المستوطنين” الحقائق رأساً على عقب وأثارت جدلاً واسعاً في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك بين أقرب حلفاء الكيان الإسرائيلي في الولايات المتحدة.
NAZA
ومؤخراً، أظهر الفيلم الوثائقي – الذي يصفه الكيان بالمضلل، ويحمل اسم “أضرار جانبية” (ويُختصر بالعبرية إلى NAZA) – حجم الضرر الهائل الذي تلحقه مثل هذه الحملات بالكيان الإسرائيلي.
وكما هي العادة، جاء الرد الإسرائيلي متأخراً بحسب الخبراء في الكيان، في محاولة للحد من الأضرار التي وقعت بالفعل ، فيوضح الفيلم كيف يتم توفير الذخيرة اللازمة لشن حرب معرفية قادرة على تشكيل النقاش حول إسرائيل وتأجيج الضغوط الشعبية والقانونية والدبلوماسية ضدها.
لا يزال الرد الإسرائيلي التقليدي يعتمد بشكل كبير على جهود “الهسبارا” (الدبلوماسية العامة/شرح الرواية الإسرائيلية)، التي تعمل على تصحيح الحقائق وتوفير السياق ومحاولة إقناع الجمهور.
و يؤكد خبراء الكيان أنه وبرغم أهمية هذا العمل وضرورته، إلا أنه يظل غير كافٍ، في المقابل، تتطلب “الحرب الناعمة” منظومةً أوسع نطاقاً ترتكز على الاستخبارات، والقدرات العملياتية، والقدرة على تتبع مصادر التمويل، والأدوات القانونية، والتكنولوجيا، والتعاون مع الأجهزة الأمنية.
ومن خلال توظيف هذه القدرات ، يرون أن من تعيين تحديد البنية التحتية الكامنة وراء أي حملة، والمنظمات التي تتولى تدريب النشطاء، ومصادر التمويل التي تدعم هذه الأنشطة؛ كما يجب تبني نهج استباقي بدلاً من الاكتفاء بمجرد الرد على مظاهر التهديد.
يهدف هذا المقال العبري إلى حث الحكومة الإسرائيلية على الاعتراف بـ “الحرب الناعمة” بوصفها ساحة قتال حقيقية تستلزم رداً عملياتياً، وعلى إنشاء هيئة مخصصة لإدارة وقيادة الحملات في هذا المجال.
ويستعرض المقال طيف التهديدات بالكامل وحدود الاستجابة الحالية، ثم يقترح تشكيل هيئة عملياتية تتبع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مباشرة، وتجمع بين مجالات الاستخبارات، والعمليات، والقانون، والتكنولوجيا، والتمويل، والدبلوماسية، والشراكات.
المقال بطرح تدابير تنفيذية تتيح لإسرائيل الانتقال من مرحلة ردود الفعل المتأخرة إلى شن حملة مستمرة واستباقية ومنسقة.
و إليكم الترجمة الحرفية للمقال العبري كما جاء بإيديولوجية المركز العبري المعد للتقرير و الذي بدأ بتحديد التهديدات :
تحليل التهديدات
تتمثل الصعوبة الرئيسية التي تواجهها إسرائيل في ميلها إلى دراسة كل طرف فاعل وكل ساحة عمل بشكل منفصل، ورغم أن هذا التقسيم مريح من الناحية البيروقراطية، إلا أنه يحجب الرؤية الشاملة لآلية عمل المنظومة بأكملها؛ إذ تقوم الدول والمنظمات وشبكات النشطاء بالجمع بين المال والإعلام والقانون والأوساط الأكاديمية والتكنولوجيا والسياسة، بحيث يعزز كل عنصر منها العناصر الأخرى.
إيران
تجمع إيران بين الأنشطة السيبرانية، والجهود الرامية لتشكيل التصورات العامة، واستخدام وكلاء محليين ، إذ يمكن لعملية رقمية أن توفر مادة لعملية تأثير، مما يؤدي بدوره إلى تعميق الانقسامات الداخلية، وبالتالي خلق أرضية لممارسة الضغط على صناع القرار في إسرائيل والدول الصديقة.
وقد حذرت “المديرية الوطنية للسيبرانية” في إسرائيل من أن أطرافاً خارجية تستخدم معلومات مضللة ومحتوىً عدائياً لتقويض الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وتعميق الخلافات، والتأثير على الرأي العام محلياً ودولياً.
ولتحقيق ذلك، تستغل هذه الأطراف خلافات حقيقية وتعمل على تضخيمها عبر هويات وهمية، وشبكات من الروبوتات (البوتات)، ومواقع إلكترونية مزيفة تنتحل صفة مواقع حقيقية، ومحتوى مصمم خصيصاً لإثارة ردود فعل سريعة.
روسيا و الصين
تستهدف كل من روسيا والصين إسرائيل كجزء من حملة أوسع ضد الولايات المتحدة والغرب، وكذلك كهدف بحد ذاته نظراً لأهميتها الاستراتيجية والتكنولوجية.
وتختلف أساليبهما في ذلك؛ فقد أمضت روسيا سنوات في نشر الدعاية وممارسة النفوذ عبر وسائل الإعلام الحكومية، ومواقع إلكترونية تنتحل صفة مصادر إخبارية، وحسابات منسقة، ووسطاء.
ولا يقتصر هدفها دائماً على إقناع الناس بتبني موقف معين، بل تسعى أيضاً لإغراق الفضاء المعلوماتي بالضجيج والتناقضات والنظرة التشكيكية، حتى يجد الناس صعوبة في التمييز بين الحقيقة والزيف.
أما الصين، فتعمل بصبر أكبر من خلال المؤسسات، مستفيدة من علاقاتها في مجالات الأعمال والتكنولوجيا والأوساط الأكاديمية والإعلام ودوائر النخبة.
الساحة الفلسطينية
وتضيف الساحة الفلسطينية بُعداً آخر للحملة يتمثل في ممارسة ضغوط قانونية ومؤسسية ، تُسفر التحركات في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ومنظمات حقوق الإنسان والحرم الجامعي عن عناوين إخبارية وقرارات وتحقيقات، فضلاً عن تعريض كبار المسؤولين لمخاطر شخصية.
وحتى الإجراءات التي لا تفضي إلى نتائج عملية ملموسة تترك أثراً تراكمياً لمجرد حدوثها؛ فهي توفر مادة دسمة لوسائل الإعلام، وتفرض قيوداً على السفر، وتُرسخ صورة إسرائيل كدولة “موضع شبهة”.
وهكذا، يتحول القانون من وسيلة لترسيخ الحقائق إلى أداة في الصراع الأوسع نطاقاً حول الشرعية وحرية الحركة.
تركيا
تتمتع تركيا بمكانة متميزة بصفتها دولة فاعلة وعضواً في حلف الناتو، وتتمتع بنفوذ إقليمي وبنية تحتية إعلامية وجاليات كبيرة في أوروبا، فضلاً عن روابط أيديولوجية مع حركات تنتمي إلى تيار الإسلام السياسي.
وتوظف أنقرة القضية الفلسطينية والنزاع حول القدس لترسيخ قيادتها الإقليمية، ودعم أطراف مرتبطة بحركتي حماس والإخوان المسلمين، ومنحهم هامشاً للتحرك الميداني، وتمكينهم من نشر رسائل مناهضة لإسرائيل بلغات متعددة.
والمحصلة النهائية لكل ذلك هي بيئة تتضافر فيها الأموال والهوية الدينية والسياسية ووسائل الإعلام والجمعيات الخيرية وشبكات النشطاء، حتى في غياب سلطة مركزية توجهها جميعاً.
حماس
تعمل حركة حماس وغيرها من المنظمات الإسلامية المتطرفة كمنظمات إرهابية وفي الوقت نفسه كجهات صانعة للروايات؛ إذ تسعى لتحويل الأضرار العسكرية إلى مكاسب في حرب الوعي، وتصوير إسرائيل على أنها المعتدي الوحيد، وطمس مسؤوليتها هي عن الأضرار التي تلحق بالمدنيين، واستخدام الصور والرسائل لاستقطاب التعاطف والتمويل والنشطاء.
وتتيح المنظمات والاتحادات الطلابية والمجموعات الدينية والمؤسسات غير الربحية انتشار هذه الرسائل على نطاق واسع يتجاوز بكثير ساحات المواجهة المباشرة ، وعندما يتضافر الإرهاب مع أنشطة عامة تبدو مشروعة، تجد الديمقراطيات صعوبة في التمييز بين الاحتجاج والدعم الإنساني وبين عمل البنى التحتية المعادية.
تصبح أطراف من اليسار، ولا سيما اليسار الراديكالي، جزءاً من هذا النظام من خلال التعاون مع منظمات إسلامية فيما يُعرف بـ “التحالف الأحمر-الأخضر”.
وتعمل الحركات المناهضة للغرب والرأسمالية والصهيونية، إلى جانب الحركات الإسلامية، بشكل مشترك على دمج العداء لإسرائيل ضمن نضالات أوسع تتعلق بالاستعمار والعنصرية والمناخ والهوية.
وهكذا، يتم اختزال إسرائيل – من دولة تخوض صراعاً قومياً معقداً – إلى مجرد رمز مجرد للقمع والاحتلال ،وتوفر هذه الصياغة ميزة كبرى لأعداء إسرائيل؛ إذ تتيح لهم استقطاب الشباب والمنظمات التي تفتقر إلى معرفة حقيقية بالشرق الأوسط، لكنها على دراية بمفردات النضالات الاجتماعية المحلية.





