خطة الحروب السبع.. تل أبيب تجرأت وأعلنت شهادة وفاة الشرق الأوسط علانية
تقرير يكتبه: أشرف التهامي
ليست صدفة تاريخية عبثية، وليست مجرد تداعيات لفوضى عشوائية؛ بل هي هندسة شيطانية متكاملة كُتبت بحبر بارد ونُشرت علانية قبل عقود.
ففي عام 1982، أطاح الموظف السابق في الخارجية الإسرائيلية “عوديد ينون” بأوهام السلام، وخطّ مقالاً ناريًا وتأسيسياً في مجلة ” كيفيم” (Kivim -الاتجاهات)، الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية تحت عنوان “استراتيجية إسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين” و بالإنجليزية :
(A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties) ، يقرر فيه حقيقة واحدة: بقاء الكيان لا يتحقق بالجيوش، بل بتفكيك الجسد العربي إلى دويلات متناحرة على أسس طائفية وعرقية ومذهبية.
وتلك الوثيقة التي ظنوا أن “حاجز اللغة العبرية” يحمي أسرارها قبل أن ينشرها ويترجمها المفكر إسرائيل شحاك، لم تلبث أن تحولت عام 1996 إلى وثيقة عمل رسمية واستراتيجية شاملة قُدمت لبنيامين نتنياهو تحت عنوان: “انفصال نظيف: استراتيجية جديدة لتأمين المملكة” و بالانجليزية :
(A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm)، صاغها صقور الاستراتيجية الأمريكيون والإسرائيليون في “معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة” (وعلى رأسهم: ريتشارد بيرل، دوجلاس فايث، وديفيد وورمسر)، لتنطلق مسيرة الجحيم المرسوم بدقة خارطة طريق لتدمير الدول العربية واحدة تلو الأخرى من الداخل.
كيف تم التنفيذ المرحلي؟
- من وثيقة عوديد ينون (1982) إلى وثيقة “الانفصال النظيف” (1996):
- انطلقت الفكرة عبر مقال “استراتيجية إسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين” في مجلة Kivim” ” الداعي لتفتيت الدول الكبرى (العراق، سوريا، لبنان) عبر تأجيج النعرات الطائفية والمذهبية دون الحاجة لغزو عسكري مباشر.
- في عام 1996، مع تولي بنيامين نتنياهو رئاسة وزراء إسرائيل، جرى اعتماد وثيقة (A Clean Break) ورسم بديل لاتفاقيات أوسلو، حيث استُبدل شعار “الأرض مقابل السلام” بمبدأ “السلام مقابل السلام” القائم على الهيمنة وتغيير الأنظمة.
- الجسر إلى واشنطن وتفعيل آكلي لحوم الدول:
- انتقل واضعو وثيقة(Clean Break) ليتولوا مفاصل صنع القرار في وزارة الدفاع الإسرائيلية والمنظومة الأمريكية (في عهد جورج بوش الابن)، لتتحول الخطط من ورق المجلات إلى سياسات عسكرية واستخباراتية عظمى.
- أتاحت أحداث 11 سبتمبر 2001 الفرصة الذهبية للتنفيذ؛ فكان غزو العراق عام 2003 وتفكيك مؤسسات الدولة على أسس طائفية وعرقية تطبيقا حرفياً لما صاغه ينون وبيرل.
تساقط أحجار الدومينو (من الربيع العربي إلى الحلقات الأخيرة)
- توالت الضربات مع أحداث عام 2011؛ فانفصل جنوب السودان وغرقت ليبيا وسوريا في أتون الفوضى وتقسيم النفوذ، بينما بقي الصومال ولبنان في حالة تفكك هيكلي دائم.
- ها هي الحلقة الأخيرة تقترب وتتجسد في استهداف إيران ومحور حلفائها (سقوط النظام السوري وحزب الله وتراجع الحوثيين)، لتواجه طهران مصيرها وحيدة في نهاية المطاف.
تسريب غرفة العمليات: ماذا ينتظر المنطقة في “اليوم التالي”؟
تشير التقارير الاستخباراتية الميدانية والتحليلات الجيوسياسية لغرفة العمليات إلى أن المرحلة القادمة (الممتدة حتى أفق 2027) لن تتوقف عند إنجاز “الحروب السبع” التقليدية، بل ستنتقل إلى “هندسة الفوضى المفرغة”؛ حيث تستعد الدوائر الاستراتيجية الغربية والإسرائيلية لاستثمار التصدعات الحالية لفرض ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة بالكامل في المنطقة.
الخطوة القادمة لا تستهدف فقط إسقاط العواصم أو إضعاف المحاور، بل تهدف إلى إعادة رسم حدود النفوذ البشري والطاقي (عبر قضم الموارد المائية وحقول الطاقة، وتفريغ الدول المتبقية من سيادتها لصالح كيانات مجهرية عاجزة عن الحركة)، مما يضع المنطقة برمتها أمام مفترق طرق حاسم:
إما الانهيار الكامل والانصهار في الترتيبات الجديدة، أو استيقاظ متأخر لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي من أسفله إلى أعلاه قبل أن تُغلق اللعبة نهائياً.
المفاجأة المرعبة
إن الوهم الأكبر الذي عاش فيه صناع هذه الخطة لم يكن في نصها أو دقّتها، بل في رهانهم المطلق على أن العربي لا يقرأ، وإن قرأ لا يفهم، وإن فهم لا يتحد.
غير أن المفاجأة المرعبة التي لم يحسب لها الاستعمار حساباً ليست في سقوط العواصم أو تمزق الجغرافيا، بل في أن “الجهاز العضوي” للأمة لم يمُتْ بمعول الخارج، بل بأيدي أبنائه الذين تطوعوا ليكونوا حطامًا في محرقة الوثائق المقدسة.
وحين تسقط الحلقة الأخيرة وتتطابق الخريطة مع مرسوم الصهيونية العالمية، لن يجد التاريخ من يُحاكم سوى جيل قرأ أن نعشه يُحفر على جدران التاريخ.. فهل انتهت اللعبة حقاً، أم أن القادم أسوأ من أن يتوقعه عقل؟
وهل ما يجري في المنطقة هو مجرد صدف تاريخية متفرقة أم تطبيق حرفي لخطط “الحروب السبع” المرسومة منذ عقود؟
إن الحقيقة المرة التي تكشفها الوثائق الرسمية المنشورة من مجلة ” Kivim” لعام 1982 ووثيقة ” ” A Clean Break لعام 1996، أن ما يجري ليس صدفة ولا خيالاً، بل هو تطبيق خطة استراتيجية معلنة ومكتوبة بدم سرديات الهيمنة ونُفذت ببراعة على مرأى ومسمع من الجميع.





