زوجة الرئيس الصينى تدعو لتمكين المرأة بالذكاء الاصطناعي

.. 133 مليون فتاة خارج المدارس عالميًا

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

دعت بينغ لي يوان، زوجة الرئيس الصيني شي جين بينغ والمبعوثة الخاصة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» لتعزيز تعليم الفتيات والنساء، المجتمع الدولي إلى توسيع نطاق التعليم الرقمي والذكي الموجّه للمرأة، بما يضمن قدرتها على الوصول إلى التقنيات الحديثة والاستفادة منها، في وقت تتزايد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في التعليم والعمل والاقتصاد.

وجاءت الدعوة خلال كلمة ألقتها بينغ لي يوان عبر الاتصال المرئي في حفل توزيع جائزة اليونسكو لعام 2026 لتعليم الفتيات والنساء، الذي استضافته العاصمة الفرنسية باريس يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، حيث شددت على ضرورة تطوير التعليم والتدريب المهني للنساء، وتوفير فرص تساعدهن على بناء مستقبل أفضل والمشاركة بصورة أوسع في التنمية.

وأكدت بينغ أن تعليم الفتيات والنساء لا يزال مهمة شاقة تتطلب تعاونًا دوليًا متواصلًا، مشيرة إلى أن الجهود المشتركة بين اليونسكو والدول والمؤسسات المعنية حققت تقدمًا في هذا المجال، لكنها دعت إلى مواصلة العمل لضمان ألا تتحول التقنيات الجديدة إلى مصدر إضافي لعدم المساواة بين الجنسين.

التعليم الرقمي.. من إتاحة المعرفة إلى امتلاك المهارات

تعكس دعوة بينغ لي يوان تحولًا في النقاش الدولي بشأن تعليم المرأة؛ فلم يعد التحدي مقتصرًا على توفير مقعد دراسي أو ضمان إتمام المراحل التعليمية الأساسية، بل امتد إلى تمكين النساء من اكتساب المهارات الرقمية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة في الدراسة والعمل والإنتاج.

فمع توسع استخدام التطبيقات الذكية والمنصات التعليمية الرقمية، تزداد أهمية امتلاك المرأة المهارات اللازمة للتعامل مع هذه الأدوات، سواء في استكمال التعليم، أو التدريب المهني، أو الحصول على فرص عمل جديدة، أو إنشاء مشروعات اقتصادية.

الجمع بين التعليم الرقمي والتدريب المهني

وفي هذا السياق، شددت بينغ على أهمية الجمع بين التعليم الرقمي والتدريب المهني، بما يتيح للنساء الانتقال من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى توظيفها في تطوير قدراتهن وتحسين فرصهن الاقتصادية والاجتماعية.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة بالنسبة إلى النساء في المناطق الريفية والمجتمعات الأقل دخلًا، حيث يمكن أن تسهم التقنيات الرقمية في توسيع فرص التعلم والوصول إلى المعرفة، لكن الاستفادة منها تظل مرتبطة بتوافر البنية التحتية والاتصال بالإنترنت والأجهزة المناسبة والتدريب الجيد.

ومن ثم، فإن توسيع التعليم الذكي لا يعني إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الفصول الدراسية فحسب، بل يتطلب أيضًا ضمان وصول الفتيات والنساء إليها، وتأهيل المعلمين والمدربين، وتوفير محتوى تعليمي ملائم، وحماية المتعلمات من المخاطر الرقمية، حتى تصبح التكنولوجيا وسيلة لتعزيز تكافؤ الفرص بدلًا من تعميق الفجوات القائمة.

أرقام تكشف حجم التحدي العالمي

تأتي تصريحات المبعوثة الخاصة لليونسكو في وقت تكشف فيه بيانات المنظمة عن استمرار تحديات كبيرة أمام تحقيق المساواة في التعليم.

ووفق البيانات المنشورة على موقع اليونسكو، لا يزال نحو 273 مليون طفل وشاب خارج المدارس حول العالم، بينهم 133 مليون فتاة و140 مليون فتى. كما تمثل النساء قرابة ثلثي البالغين الذين يفتقرون إلى مهارات القراءة الأساسية، بينما لا تتجاوز نسبة النساء 35% من خريجي تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وتوضح هذه الأرقام أن التقدم المحقق في إتاحة التعليم لم ينهِ الفجوات المرتبطة بالنوع الاجتماعي، ولا سيما في محو الأمية والانتقال إلى التخصصات العلمية والتكنولوجية.

وفي 8 أكتوبر 2026، نشرت اليونسكو تقريرها العالمي الجديد عن المساواة بين الجنسين في الوصول إلى التعليم، ضمن تقرير الرصد العالمي للتعليم لعام 2026. وأشار التقرير إلى أن الفجوات العالمية في الالتحاق بالتعليم تقلصت بدرجة ملحوظة، لكن أوجه عدم المساواة لا تزال قائمة في إتمام المراحل الدراسية والتعليم العالي، خصوصًا لدى الفئات الفقيرة وسكان المناطق الريفية.

ويعني ذلك أن معالجة التفاوت في التعليم تحتاج إلى سياسات تتجاوز تعميم الالتحاق بالمدارس، لتشمل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد قدرة الفتيات على الاستمرار في الدراسة، ثم الانتقال إلى التعليم الجامعي والتدريب والوظائف.

وتزداد هذه القضية تعقيدًا مع انتشار الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تفتح مسارات جديدة للتعلم والعمل، لكنها قد توسع الفجوة بين من يمتلكون أدواتها ومهاراتها ومن لا تتوافر لهم هذه الإمكانات. ولذلك، فإن الدعوة إلى تعليم رقمي أكثر شمولًا ترتبط بضرورة الاستثمار في المهارات، وليس في الأجهزة والمنصات وحدها.

الصين واليونسكو.. تعاون يتجاوز حدود التعليم المحلي

وأكدت بينغ لي يوان أن الصين تولي أهمية كبيرة لتعليم الفتيات والنساء، وتعمل على تحسين فرص حصول النساء داخل البلاد على التعليم، إلى جانب توسيع التعاون العملي مع اليونسكو وشركاء دوليين لتنفيذ برامج تستفيد منها النساء في دول مختلفة.

وأشارت إلى أن التجربة الصينية في استخدام الذكاء الاصطناعي لدعم جودة التعليم يمكن أن تقدم خبرات مفيدة للدول الأخرى، خصوصًا دول الجنوب العالمي التي تواجه تحديات تتعلق بتفاوت الموارد، واتساع الفجوات بين المدن والمناطق الريفية، والحاجة إلى تطوير منظومات التعليم والتدريب.

وتندرج هذه التصريحات ضمن جهود الصين لتعزيز التعاون الدولي في التعليم، من خلال الشراكة مع اليونسكو ودعم مبادرات تستهدف تحسين فرص الفتيات والنساء. غير أن قياس أثر هذه الجهود يتطلب النظر إلى النتائج الفعلية للبرامج، ومدى وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا، واستمرار استفادة المشاركات منها على المدى الطويل.

ومن المهم أيضًا التمييز بين إمكانات الذكاء الاصطناعي التعليمية وبين نتائجه الفعلية؛ فنجاح استخدامه يعتمد على جودة المحتوى، وكفاءة المعلمين، وتوافر الاتصال الرقمي، وحماية البيانات، وضمان عدم إنتاج الأنظمة الذكية تحيزات تؤثر في فرص النساء والفتيات.

المغرب وبيرو.. نموذجان لتوسيع فرص تعليم الفتيات

شهد حفل باريس تكريم مشروعين من المغرب وبيرو ضمن جائزة اليونسكو لعام 2026 لتعليم الفتيات والنساء، وحصل كل منهما على 50 ألف دولار أمريكي لدعم جهوده في هذا المجال.

فاز مشروع «Project Soar in a Suitcase» في المغرب تقديرًا لعمله على مساعدة المراهقات من الفئات الأقل حظًا على الاستمرار في التعليم وبناء مستقبلهن. ويعتمد البرنامج على أنشطة لتعزيز الثقة بالنفس، والتوعية بالحقوق والصحة، وتعبئة المجتمعات المحلية لمعالجة العقبات التي تواجه الفتيات، ومنها الزواج المبكر.

ووفق بيانات اليونسكو، نجحت 97.5% من الفتيات المشاركات في المشروع في اجتياز عامهن الدراسي خلال 2025، فيما لم تتعرض 99% منهن للزواج المبكر خلال الفترة التي رصدتها بيانات البرنامج.

أما الجائزة الثانية، فذهبت إلى مشروع «Girls with Opportunities» الذي تنفذه منظمة CARE في بيرو، ويستهدف مساعدة المراهقات، خصوصًا في المناطق الريفية وبين المجتمعات الأصلية، على إتمام التعليم الثانوي وتوسيع فرصهن في مواصلة الدراسة والوصول إلى وظائف مناسبة.

ويجمع المشروع بين التعلم الاجتماعي والعاطفي، والتثقيف المالي، وتعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات، إلى جانب الإرشاد والتخطيط للمستقبل. وذكرت اليونسكو أن معدل إتمام التعليم الثانوي بين المشاركات ارتفع من 65% إلى نحو 82%، بينما انخفضت حالات الحمل المبكر المسجلة في المدارس المستهدفة إلى النصف.

وأضافت المنظمة أن المشروع استفادت منه أكثر من 37 ألف مراهقة تتراوح أعمارهن بين 14 و19 عامًا في المناطق الريفية منذ إطلاقه عام 2016.

وتوضح التجربتان أن معالجة العوائق التي تحول دون تعليم الفتيات تحتاج إلى الجمع بين الدراسة والدعم المجتمعي والصحي والمهني، بدلًا من الاكتفاء بتوفير المناهج أو أدوات التكنولوجيا.

جائزة تدخل عقدها الثاني

تأسست جائزة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء عام 2015 بالتعاون مع الحكومة الصينية، وتُمنح سنويًا لمبادرتين تحققان إسهامات بارزة ومبتكرة في تعزيز تعليم الفتيات والنساء. ويحصل كل مشروع فائز على 50 ألف دولار لدعم مواصلة عمله.

وتُختار المبادرات الفائزة من قبل المدير العام لليونسكو بناءً على توصيات لجنة تحكيم دولية مستقلة، فيما أقيمت مراسم توزيع جوائز عام 2026 في مقر المنظمة بباريس يوم 9 أكتوبر، بمشاركة المدير العام لليونسكو خالد العناني ونائب وزير التعليم الصيني رن يوه تشون.

وجاءت المناسبة بالتزامن مع قرب اليوم الدولي للفتاة، الذي يوافق 11 أكتوبر من كل عام، لتعيد تسليط الضوء على حق الفتيات في التعليم وعلى العقبات التي تحول دون استكمال مسارهن الدراسي والمهني.

الذكاء الاصطناعي والمساواة.. اختبار المرحلة المقبلة

تؤكد دعوة بينغ لي يوان أن النقاش بشأن مستقبل تعليم المرأة بات مرتبطًا بصورة متزايدة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وبقدرة المؤسسات التعليمية على توفير المهارات اللازمة للمشاركة في الاقتصاد الحديث.

لكن تحويل هذه الدعوة إلى نتائج ملموسة يتطلب معالجة مجموعة من التحديات، في مقدمتها ضمان وصول الفتيات والنساء إلى التعليم الأساسي، وخفض معدلات التسرب، وتوسيع التدريب المهني، وزيادة مشاركتهن في التخصصات العلمية والتكنولوجية، إلى جانب توفير بنية رقمية آمنة ومتاحة للفئات الأقل دخلًا.

وفي هذا الإطار، تمثل الشراكات الدولية وبرامج اليونسكو إحدى الآليات المتاحة لتبادل الخبرات وتمويل المبادرات، بينما تظل النتائج مرهونة بقدرة الدول والمؤسسات على تحويل الالتزامات إلى سياسات مستدامة يمكن قياس أثرها.

طالع المزيد: «الاستقرار الاستراتيجي» بين الصين وأمريكا.. ما وراء اللغة الجديدة لإدارة التنافس؟

↑
Exit mobile version