آن كارسون: حين يصير الكتاب جسداً بديلاً

سردية يكتبها: الربيع رحيمة إسماعيل
لحظات البُعد و الفقدان هي أكثر ما يمكن أن يحرك قلم الكاتب لفض خوالج أحزانه و لوعته ، و ربما كانت الأديبة الكندية آن كارسون الفائزة بنوبل للآداب حديثاً قد توقفت طويلاً عند هذا المعطف.
ولعل أثقل ما كتبته في هذا السياق هو مذكرتها المعنونة “نوكس” (Nox)، وهي مرثية بحجم كتاب نُشرت عام 2010 عن شقيقها الأكبر، (مايكل كارسون) ، الذي قضى سنوات في الهند بينما كانت ترنو هي إلى لقائه مرة أخيرة، بلا مأمل.
عاش مايكل أكثر من عقدين متجولاً في أنحاء الهند وأوروبا، بعد أن فرّ من كندا إثر ملاحقته في قضية تجارة مخدرات، ليلقى حتفه في كوبنهاغن عام 2000.
وقد وثّقت آن كارسون تفاصيل حياته وموته في مرثية بعنوان “نوكس”، و الإسم مستمد من آلهة الليل الرومانية المجسدة.
ضمّ المجلد ذكريات وتذكارات تخص شقيقها، شملت صوراً، وقصائد، ووحضارات فنية، ورسالة من خط يده يُرجح أنها أُرسلت من مدينة كشْمير ، هذا حسب ما أشارت له “ذا نيويورك ريفيو” ، بالإضافة إلى تضمن الكتاب لمواد و طوابع بريدية من الدنمارك وأوراق مراسلات فندقية من كشمير.
و في مقابلة أجرتها كارسون بالعام إحدى عشر و الفين ذكرت أن شقيقها مايكل فرّ من كندا عام 1979 تفادياً للاعتقال، وقضى 22 عاماً يتنقل بين الهند وأوروبا مستخدماً جوازات سفر مزورة، ولم يجرِ أي اتصال هاتفي سوى نحو ست مرات فحسب.
مرثية مجسدة
الأعمق في مرثية نوكس ليس المحتوى وحده و.إنما الشكل الخارجي أيضاً ، لگ أن تتخيل ورقة واحدة مطوية كالأكورديون داخل صندوق، نسخة مطابقة لدفترها اليدوي.
كانت محاولة منها لصنع شئ يشبه وجوده ، الكتاب كجسد بديل.
فالطيّ والفتح يعيدان إنتاج حركة الذاكرة نفسها ، تصبح كل صفحة تُكشف كأنها أثر متأخر، وكل فراغ بين الأوراق يقول إنّ الحضور لم يعد ممكناً إلا بصيغة الأثر.
وفي قلب العمل تقف جملتها المذهلة: «الأخ لا ينتهي أبداً. أنا أتعقبه»؛ وهي جملة تجعل الكتابة فعل تعقّب، ومقاومةً لآخر رمق من الاندثار.
يكبر مايكل شقيقته آن بأربع سنوات، وهي التي بلغت اليوم السادسة والسبعين من عمرها.
غادر المنزل عندما كان في الثالثة والثلاثين، وتوفي عن عمر يناهز الخامسة والخميس. وقد صرّحت آن أنها كانت تعبد شقيقها إعجاباً في طفولتها؛ فقد تعرّض للتنمر صبياً، وعاش بلا مأوى لفترة وجيزة إثر مغادرته كندا، وتزوج مرتين على الأقل.
في عام 2000، وقبيل وفاته بأيام، هاتف آن كارسون في مقر عملها قادماً من كوبنهاغن، مستخدماً لقبه المحبب في الطفولة “بينهيد” (رأس الدبوس)، وطلب منها زيارته.
لكن الموت كان قدراً خلف رغبة اللقاء ، ليبلغها نبأرحيله قبل موعد الرحلة بأسبوع.
وصرحت كارسون لمجلة “بابليشرز ويكلي”: “رحل مايكل عن عالمنا في ربيع عام 2000، لذا شرعت في إعداد العمل في الشتاء التالي”.
سبق أن أكدت أنها لا تنظر إليه باعتباره كتاباً عن الحزن، بل رأت أنه يعنى بفهم الآخرين وتاريخهم، معتبرةً أن كتاباً يُعنى بالحزن وحده لم يكن ليكون سوى مرآة لنفسها.
وعقب إعلان فوزها في الثامن من أكتوبر، أشادت لجنة جائزة نوبل بكتاب “نوكس” واصفة إياه بأنه “عمل لا يُنسى”. وجاء في منشور للجنة على وسائل التواصل الاجتماعي: “تتجلى هنا بوضوح حِدّة شعور عميق بالفقد يتسلل متصاعداً من الأعماق والنتيجة إبداع يتسم بملامح نحتية بقدر ما هو أدبي” مضيفة أن الجائزة مُنحت لها “لقاء نتاجها الجريء والمبتكر الذي نجح، عبر حوار لعوب مع التقاليد الكلاسيكية، في ابتكار قوالب جديدة للأدب المعاصر”.
ما يبقى
برأيي ما يبقى من كتاب «نوكس»، بعد كل هذا، ليس ابتكاره الشكلي وحده، ولا الحكاية المؤلمة لشقيق غادر ثم مات بعيداً عن أسرته.ما يبقى هو ذاك السؤال الذي يطرحه الكتاب على كل من عرف الفقد ، ما هو ؟
ماذا نفعل بكل ما لم نقله، وبكل ما لم نعرفه، وبكل اللقاءات التي لم تتح لنا الحياة وقتاً كافياً لإنجازها؟
لعلنا نكتب، ونحتفظ بالصور، ونعيد قراءة الرسائل، أو قل نعيد الاستماع للرسائل الصوتية voice note ونفتش في الأشياء الصغيرة عن علامات أصحابها.
كل هذه المحاولات المتواضعة تصبح مقاومة للإندثار ، لعدم اعتراف خفي بأن حياة كاملة قد انتهت و لم يبقى منها ما يكفي لفهمها.
الكتابة، في هذا المعنى ليست انتصاراً على الموت، ولا وعداً باستعادة من رحل.
هي فقط محاولة للبقاء قريبين مما تعذّر علينا استيعابه، ولإعطاء الغياب شكلاً نستطيع النظر إليه من دون أن ندّعي أننا أزلناه.
ملحق سردي
وُلدت آن كارسون في تورونتو في الحادي والعشرين من يونيو لعام 1950، وهي أستاذة أكاديمية درّست في جامعات بكندا والولايات المتحدة.
تضم أعمالها رواية الشعر “سيرة ذاتية للأحمر” (1998) وتتمتها “رجل الأحمر” (2013)، ومقال “إيروس المر الحلو” (1986)، وترجمة “إن لم يكن، شتاءً” (2002)، وديوان “طفو” (2016)، فضلاً عن ترجمات لعشر تراجيديات إغريقية قديمة.





