استطلاع: تراجع المخاوف الأمريكية من الصين

.. أغلبية الأمريكيين تؤيد التعاون مع بكين رغم استمرار الانقسام الجمهوري

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

أشارت نتائج استطلاع الرأي السنوي لعام 2026، الذي أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، إلى تحول ملحوظ في نظرة الأمريكيين إلى الصين، مع تراجع المخاوف من تنامي قوتها، وارتفاع التأييد لسياسة التعاون والانخراط معها، مقابل انخفاض الدعم الشعبي لاستخدام القوات الأمريكية في الدفاع عن تايوان إذا تعرضت لهجوم صيني. ويعكس هذا التحول تغيرًا في اتجاهات الرأي العام الأمريكي بعد سنوات من تصاعد التوترات التجارية والاستراتيجية بين واشنطن وبكين.

ووفقًا للاستطلاع، الذي أُجري خلال الفترة من 10 إلى 21 يوليو 2026، يفضل 57% من الأمريكيين اتباع سياسة تقوم على التعاون الودي والانخراط مع الصين، مقابل 40% يؤيدون العمل بصورة نشطة للحد من نمو قوتها. كما ارتفعت درجة التقييم الإيجابي للصين لدى الأمريكيين إلى 39 نقطة على مقياس من صفر إلى 100، مقارنة بـ26 نقطة في عام 2024، وهو ما يشير إلى تحسن ملموس في الصورة الذهنية لبكين، وإن ظلت النظرة العامة إليها بعيدة عن الإيجابية الكاملة.

ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الصينية محاولات لاحتواء التوترات التجارية وتثبيت الاستقرار في العلاقات الثنائية، بعدما اتسمت السنوات الماضية بالمنافسة الاستراتيجية والرسوم الجمركية المتبادلة والقيود الاقتصادية والتكنولوجية. وتكشف النتائج أن قطاعًا متزايدًا من الأمريكيين بات أكثر ميلًا إلى التعامل مع الصين من خلال التفاوض والتعاون، بدلًا من تبني سياسة تستهدف احتواء صعودها بصورة مباشرة.

تحسن صورة الصين وتراجع اعتبارها تهديدًا استراتيجيًا

أظهرت نتائج الاستطلاع تحسنًا في تقييم الأمريكيين للصين عبر مختلف الانتماءات الحزبية. فقد ارتفع متوسط تقييم الديمقراطيين للصين إلى 45 نقطة، مقابل 29 نقطة في عام 2024، كما ارتفع لدى المستقلين إلى 42 نقطة، مقارنة بـ27 نقطة، ولدى الجمهوريين إلى 31 نقطة، مقابل 20 نقطة في الفترة نفسها.

ولا يقتصر التحول على تحسن الانطباعات العامة، بل يمتد إلى تقدير المخاطر التي تمثلها الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فقد تراجعت نسبة الأمريكيين الذين يعتبرون الطموحات الإقليمية الصينية تهديدًا بالغ الخطورة للولايات المتحدة إلى 41%، مقابل 52% في عام 2022.

وشمل هذا التراجع مختلف التيارات الحزبية؛ إذ انخفضت النسبة إلى 49% بين الجمهوريين، مقارنة بـ62% في عام 2022، وإلى 37% بين المستقلين، مقابل 48%، وإلى 35% بين الديمقراطيين، مقارنة بـ50%.

كذلك، لا يرى سوى 32% من الأمريكيين أن المنافسة الاقتصادية الصينية تمثل تهديدًا بالغ الخطورة للولايات المتحدة، بما يشير إلى أن المخاوف المتعلقة بالتنافس التجاري والتكنولوجي، رغم استمرارها في النقاش السياسي الأمريكي، لا تحظى بالأولوية نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في ظل استمرار التنافس بين البلدين على سلاسل الإمداد والتقنيات المتقدمة والمعادن الأرضية النادرة، وهي مجالات تنظر إليها واشنطن باعتبارها عناصر مؤثرة في الأمن الاقتصادي والتكنولوجي.

الرسوم الجمركية تدفع نحو مراجعة سياسة المواجهة

يربط التقرير بين تزايد الميل إلى التعاون مع بكين وتنامي الانتقادات الأمريكية للرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على الواردات الصينية، ضمن سياستها الرامية إلى إعادة التوازن التجاري وتعزيز الإنتاج المحلي.

ووفقًا لاستطلاع أجراه مجلس شيكاغو بالتعاون مع الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية «إن بي آر» ومؤسسة «إبسوس» في مارس 2026، رأى 72% من الأمريكيين أن الرسوم الجمركية تضر بالاقتصاد الصيني، فيما اعتبر 66% أنها تضر بالاقتصاد الأمريكي أيضًا، وقال 76% إنها تؤثر سلبًا في تكلفة المعيشة بالنسبة إليهم.

وتكشف هذه النتائج عن مفارقة في تقييم السياسة التجارية الأمريكية؛ فبينما تستهدف الرسوم الجمركية الضغط على الصين وتحسين شروط المنافسة لصالح الاقتصاد الأمريكي، يرى قطاع واسع من الجمهور أن تداعياتها لا تقتصر على بكين، بل تمتد إلى المستهلك الأمريكي نفسه.

وفي هذا السياق، يمكن فهم تزايد التأييد للتعاون مع الصين باعتباره تعبيرًا عن رغبة في الحد من كلفة الصراع التجاري، وليس بالضرورة تحولًا كاملًا في المواقف الأمريكية من المنافسة الاستراتيجية بين القوتين.

انقسام جمهوري بين أنصار «ماجا» وباقى الجمهوريين

على الرغم من تراجع المخاوف الأمريكية من الصين، لا تزال الانقسامات الحزبية واضحة، خصوصًا داخل الحزب الجمهوري، حيث تختلف مواقف أنصار حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» المعروفة اختصارًا بـ«ماغا»، عن مواقف الجمهوريين الذين لا ينتمون إلى هذا التيار.

فبحسب الاستطلاع، يؤيد 57% من الجمهوريين غير المنتمين إلى «ماغا» سياسة التعاون والانخراط مع الصين، مقابل 36% فقط من أنصار الحركة. وفي المقابل، يؤيد 63% من أنصار «ماغا» العمل بنشاط للحد من نمو القوة الصينية، مقارنة بـ42% من الجمهوريين الآخرين.

وتعكس هذه الفجوة اختلافًا في تقدير العلاقة مع بكين داخل المعسكر الجمهوري؛ فبينما يميل قطاع من الجمهوريين إلى التعامل مع الصين من منظور المصالح الاقتصادية وإدارة المنافسة، يتمسك أنصار «ماغا» بموقف أكثر تشددًا، يتسق مع تأييدهم للرسوم الجمركية والقيود على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الصين.

ومع ذلك، تظهر النتائج أن المواقف الجمهورية ليست ثابتة؛ إذ ارتفعت نسبة الجمهوريين المؤيدين للتعاون والانخراط مع الصين إلى 43%، مقارنة بـ33% في العام السابق، وهو أعلى مستوى يسجله هذا الاتجاه داخل الحزب منذ عام 2019. وفي المقابل، تراجعت نسبة الجمهوريين المؤيدين لسياسة الحد من نمو القوة الصينية إلى 55%، بعدما بلغت 71% في عام 2021.

وتشير هذه التحولات إلى أن التوجه نحو تخفيف التوترات مع بكين بدأ يحظى بقبول أوسع داخل الحزب الجمهوري، وإن لم ينجح حتى الآن في تغيير موقف القاعدة الأكثر تشددًا بصورة جوهرية.

الديمقراطيون أكثر ميلًا إلى التعاون مع بكين

على الجانب الديمقراطي، يبدو التأييد للتعاون مع الصين أكثر اتساعًا، إذ يدعم هذا النهج 68% من الديمقراطيين، وفقًا للأرقام الواردة في مقارنة التقرير بين الاتجاهات الحزبية، بينما يؤيده 61% من المستقلين.

ويشير التقرير، في تحليله للاتجاهات داخل الحزب الديمقراطي، إلى أن 72% من الديمقراطيين الليبراليين يؤيدون التعاون والانخراط مع الصين، مقابل 64% من الديمقراطيين المعتدلين والمحافظين.

وعلى الرغم من وجود اختلافات داخل الحزب بشأن تقدير المخاطر الصينية، فإنها لا تؤدي إلى انقسام مماثل في الموقف من التعاون. فالديمقراطيون المعتدلون والمحافظون أكثر ميلًا من الليبراليين إلى اعتبار الطموحات الإقليمية الصينية تهديدًا بالغ الخطورة، بنسبة 46% مقابل 28%، كما أنهم أكثر قلقًا من المنافسة الاقتصادية الصينية، بنسبة 34% مقابل 22%.

لكن هذه المخاوف لم تمنع غالبية الديمقراطيين من تأييد سياسة الانخراط مع بكين، بما يعكس ميلًا إلى الفصل بين الاعتراف بمصادر التنافس والمخاطر، وبين اختيار الأدوات السياسية المناسبة لإدارة العلاقة مع الصين.

تايوان.. تراجع التأييد للتدخل العسكري الأمريكي

يمثل الموقف من تايوان أحد أبرز المؤشرات على تغير تقدير الأمريكيين لاحتمالات المواجهة المباشرة مع الصين. فقد انخفضت نسبة الأمريكيين المؤيدين لاستخدام القوات الأمريكية للدفاع عن الجزيرة إذا تعرضت لغزو صيني إلى 38%، مقارنة بذروة بلغت 52% في عام 2021.

وامتد التراجع إلى مختلف الانتماءات الحزبية؛ إذ انخفض التأييد للتدخل العسكري إلى 41% بين الجمهوريين، مقابل 60% في عام 2021، وإلى 38% بين المستقلين، مقارنة بـ49%، وإلى 37% بين الديمقراطيين، مقابل 50%.

وتكشف هذه الأرقام عن تراجع الاستعداد الشعبي الأمريكي لتحمل مخاطر مواجهة عسكرية مباشرة مع الصين دفاعًا عن تايوان، في وقت تظل فيه الجزيرة نقطة خلاف رئيسية بين واشنطن وبكين.

غير أن التقرير يلفت إلى اختلاف مهم في طريقة ارتباط الموقف من تايوان بالموقف من الصين داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فبين الجمهوريين، يرتبط تأييد الدفاع عن تايوان بدرجة القلق من الصين ودعم سياسة الحد من نمو قوتها، بما يعني أن هذه المواقف تتحرك غالبًا في الاتجاه نفسه.

أما لدى الديمقراطيين، فلا يظهر الارتباط بالوضوح نفسه؛ إذ يمكن أن يجمع بعضهم بين تأييد التعاون مع بكين ودعم الدفاع عن تايوان إذا تعرضت لهجوم. ويظهر ذلك بصورة أوضح بين الديمقراطيين الليبراليين، الذين تبلغ نسبة تأييدهم استخدام القوات الأمريكية للدفاع عن الجزيرة 44%، مقابل 26% بين الديمقراطيين المعتدلين والمحافظين.

وبذلك، لا يعني تفضيل التعاون مع الصين بالضرورة التخلي عن دعم تايوان، بل قد يعكس اختلافًا في تقدير أدوات إدارة العلاقة مع بكين، بين التعاون في الملفات المشتركة والاستعداد لمواجهة سيناريو عسكري محدد.

صورة الصين ومكانة الولايات المتحدة عالميًا

يتناول الاستطلاع أيضًا تصورات الأمريكيين بشأن مكانة البلدين على الساحة الدولية، كاشفًا عن تحول في تقييم مدى الاحترام الذي تحظى به الصين والولايات المتحدة عالميًا.

فقد قال 33% من الأمريكيين إن الصين أصبحت تحظى باحترام أكبر في العالم مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات، بينما رأى 31% أنها أصبحت أقل احترامًا، واعتبر 35% أن مكانتها لم تتغير كثيرًا. ويختلف هذا التوزيع بصورة واضحة عن نتائج عام 2021، عندما اعتقد 60% من الأمريكيين أن الصين أصبحت أقل احترامًا على المستوى الدولي.

وفي المقابل، يرى قطاع واسع من الأمريكيين أن مكانة الولايات المتحدة الدولية تراجعت خلال العقد الماضي. وتبلغ نسبة من يعتقدون أن الولايات المتحدة أصبحت أقل احترامًا عالميًا 80% بين الديمقراطيين، و68% بين المستقلين، و39% بين الجمهوريين.

ولا تثبت هذه النتائج وحدها أن الصين اكتسبت بالفعل نفوذًا دوليًا على حساب الولايات المتحدة، لكنها تكشف عن تغير في تصورات الأمريكيين بشأن مكانة القوتين، وهو تغير قد يؤثر في النقاش الداخلي حول جدوى سياسات المواجهة الاقتصادية والاستراتيجية مع بكين.

انتخابات التجديد النصفي قد تؤثر في العلاقة

يرى التقرير أن التحول في الرأي العام الأمريكي قد تكون له انعكاسات سياسية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر 2026، وما قد تسفر عنه من تغير في موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ.

فإذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد المجلسين أو كليهما، فقد تتزايد أهمية الاتجاهات الأكثر تأييدًا للتعاون مع الصين داخل النقاش السياسي الأمريكي، بما قد ينعكس على قدرة الإدارة على تمرير سياسات تجارية أو تشريعية تستهدف تشديد الضغوط على بكين.

ومع ذلك، لا يعني التحول في اتجاهات الرأي العام أن المنافسة بين البلدين ستتراجع تلقائيًا؛ إذ تظل ملفات الأمن الإقليمي وتايوان والتكنولوجيا والتجارة وسلاسل الإمداد عناصر رئيسية في تحديد طبيعة العلاقات الثنائية، بصرف النظر عن تغير المزاج الشعبي.

تراجع المخاوف لا يعني نهاية المنافسة

تكشف نتائج استطلاع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية لعام 2026 عن تراجع واضح في النظرة السلبية للصين داخل الولايات المتحدة، وتزايد التأييد لسياسة التعاون والانخراط معها، بالتزامن مع انخفاض اعتبارها تهديدًا بالغ الخطورة وتراجع الدعم الشعبي للتدخل العسكري دفاعًا عن تايوان.

لكن هذا التحول لا يمثل إجماعًا أمريكيًا على تغيير جذري في السياسة تجاه بكين؛ فأنصار «ماغا» ما زالوا أكثر تمسكًا بسياسة الحد من نمو القوة الصينية، كما أن الملفات الاستراتيجية والأمنية لا تزال مصدرًا للتنافس بين البلدين.

والأهم أن النتائج تشير إلى تزايد التمييز لدى قطاعات من الرأي العام الأمريكي بين المنافسة مع الصين وضرورة الدخول في مواجهة مفتوحة معها. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا يتعارض السعي لحماية المصالح الأمريكية بالضرورة مع التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، ولا يستلزم احتواء الصين استخدام أدوات الضغط والتصعيد في جميع الملفات.

ومن ثم، فإن التحول الأبرز الذي يرصدُه الاستطلاع لا يتمثل في اختفاء المخاوف الأمريكية من صعود الصين، بل في تراجع الاعتقاد بأن المواجهة والاحتواء هما الخياران الأكثر ملاءمة لإدارة العلاقة مع بكين، في ظل إدراك متزايد للتكاليف الاقتصادية والسياسية التي قد تترتب على استمرار التصعيد.

…………………………………………………………………………………………………………………

المصدر: مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، استطلاع 2026، بقلم كريغ كافورا، استنادًا إلى مسح أُجري في الفترة من 10 إلى 21 يوليو 2026.

طالع المزيد: «كراكورام 2026».. الصين وباكستان تستعدان لأول تدريب بري مشترك في شينجيانغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى