كتب: على طه
يطرح الكاتب الصحفي الكبير عبدالله حسن، في مقاله المنشور بموقع «فيتو» بعنوان «زيارة مهمة في توقيت مهم»، قراءة تتجاوز حدود الزيارات الرئاسية التقليدية، لتربط بين تحركات السياسة الخارجية المصرية ومتطلبات الاقتصاد الوطني، في ظل عالم تتزايد فيه الحروب والصراعات وتتراجع فيه فرص الاستقرار.
وتكمن الفكرة الأساسية للمقال في أن الجولة الآسيوية التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا ليست مجرد تحرك لتطوير العلاقات الثنائية، وإنما تأتي في إطار سعي مصر إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية، وتنويع شراكاتها الدولية، وفتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي في مرحلة شديدة الحساسية.
من الدبلوماسية التقليدية إلى الشراكات الاقتصادية
ينطلق عبدالله حسن من النتائج المعلنة للجولة الآسيوية، مشيرًا إلى توقيع 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وإلى أهمية زيادة التبادل التجاري مع الدول الثلاث، لكنه يركز بصورة خاصة على ضرورة الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ.
وتكتسب هذه النقطة أهمية محورية؛ فالاتفاقيات لا تحقق أهدافها بمجرد الإعلان عنها، وإنما عندما تتحول إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية، ونقل للتكنولوجيا، وفرص عمل، وتوسيع للأسواق أمام المنتجات المصرية.
وقد امتدت الجولة الرئاسية بالفعل من 6 إلى 12 أكتوبر 2026، وشهدت تعزيز العلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إلى جانب اتفاقات وتفاهمات شملت مجالات بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية التحتية الكهربائية والتكنولوجيا.
ومن هذه الزاوية، فإن الرهان الحقيقي الذي يطرحه المقال ليس على عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما على قدرة المؤسسات المصرية على تحويلها إلى نتائج ملموسة، بما يجعل الانفتاح على آسيا مصدرًا لقيمة اقتصادية مضافة، وليس مجرد تنويع في العلاقات الدبلوماسية.
لماذا تأتي الزيارة في توقيت مهم؟
يربط الكاتب بين الجولة الآسيوية والتطورات الدولية، معتبرًا أن الحروب والصراعات تفرض على مصر البحث عن مساحات أوسع للحركة، وعدم حصر علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية في اتجاه واحد.
وهنا تظهر إحدى أهم دلالات المقال: تنويع الشراكات لم يعد مجرد اختيار اقتصادي، بل أصبح جزءًا من إدارة المخاطر الاستراتيجية. فالدول التي تعتمد على عدد محدود من الشركاء تكون أكثر عرضة لتأثير الأزمات الدولية على التجارة والطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
لكن هذا التنويع لا يعني الاستغناء عن الشراكات القائمة أو الانحياز إلى محور دولي على حساب آخر، بقدر ما يعني زيادة قدرة الدولة على التحرك وفق مصالحها الوطنية، والاحتفاظ بهوامش أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية.
الحروب الدولية واختبار قدرة القوى الكبرى
ينتقل المقال من الجولة الآسيوية إلى الحروب الدائرة، خصوصًا الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتداعيات الصراع على منطقة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية.
ومن خلال هذا الانتقال، يطرح عبدالله حسن سؤالًا يتجاوز حدود المواجهات العسكرية: إلى أي مدى تستطيع القوى الكبرى توظيف نفوذها لإنهاء الحروب، بدلًا من الاكتفاء بإدارتها أو احتواء آثارها؟
ويضع الكاتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مركز هذا التساؤل، بالنظر إلى قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مسارات عدد من الصراعات، وإلى طبيعة علاقاتها مع الأطراف الرئيسية فيها.
ويعزز هذا المثال الفكرة التي يناقشها المقال: فإعلان المبادرات السياسية أو تحقيق تفاهمات مؤقتة لا يكفي وحده لإنهاء الصراعات، ما لم تتوافر إرادة لدى الأطراف المعنية، وآليات تضمن الالتزام بالتعهدات.
القضية الفلسطينية.. اختبار النفوذ الأمريكي
يصل المقال إلى محوره الأكثر حساسية عندما يربط بين قدرة ترامب على التأثير في مسار الحرب الروسية الأوكرانية، وبين إمكانية استخدام النفوذ الأمريكي لدفع الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإنهاء الحرب وتحقيق السلام.
والسؤال الذي يطرحه عبدالله حسن في نهاية مقاله هو: هل يستطيع ترامب اتخاذ قرار مماثل تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والبدء في تنفيذ اتفاق السلام الذي يشير إليه الكاتب؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه ينقل النقاش من مجرد إعلان المواقف الدبلوماسية إلى اختبار القدرة الفعلية على تحويل النفوذ السياسي والعسكري إلى التزامات قابلة للتنفيذ.
فالولايات المتحدة تمتلك أدوات تأثير كبيرة في علاقتها بإسرائيل، لكن استخدام هذه الأدوات يظل مرتبطًا بحسابات الإدارة الأمريكية وأولوياتها، وبمدى استعدادها لتحمل تبعات الضغط على الحكومة الإسرائيلية.
ما الذي يميز قراءة عبدالله حسن؟
تتمثل إحدى نقاط قوة المقال في محاولته الجمع بين ملفين قد يبدوان منفصلين: تحركات مصر الاقتصادية والدبلوماسية في آسيا، والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم.
فالكاتب لا يتعامل مع الزيارة باعتبارها حدثًا بروتوكوليًا، وإنما يضعها داخل سياق أوسع يتعلق بمكانة مصر، وضرورة توسيع خياراتها، والاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات الدولية.
كما يطرح المقال قضية عملية تستحق الاهتمام، وهي ضرورة متابعة تنفيذ الاتفاقيات وتحويلها إلى مشروعات فعلية، بدلًا من الاكتفاء بقيمتها السياسية والإعلامية عند توقيعها.
مصر تبحث عن مساحة أوسع للحركة
في جوهره، يطرح مقال عبدالله حسن سؤالًا عن قدرة مصر على قراءة عالم متغير، وبناء علاقاتها الخارجية على أساس يجمع بين المصالح الاقتصادية ومتطلبات الأمن القومي والاعتبارات السياسية.
فالجولة الآسيوية تفتح فرصًا للتعاون مع اقتصادات تمتلك خبرات صناعية وتكنولوجية مهمة، لكن الاستفادة منها تتوقف على سرعة التنفيذ، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الاقتصاد المصري على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى إنتاج وفرص عمل.
وفي الوقت نفسه، تضع الحروب الدائرة المنطقة أمام اختبار صعب يتعلق بأمن الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي، وتكشف أن القرارات السياسية الدولية قد تنعكس بصورة مباشرة على مصالح الدول وأسواقها.
والرسالة الأبرز في المقال أن الدبلوماسية الناجحة لا تُقاس بعدد الزيارات والاتفاقيات وحدها، وإنما بقدرتها على توسيع خيارات الدولة، وحماية مصالحها، وتحويل العلاقات الدولية إلى مكاسب اقتصادية وسياسية مستدامة. أما الرهان على إنهاء الحروب، فيظل مرتبطًا بقدرة القوى المؤثرة على تحويل نفوذها إلى التزامات عملية، لا الاكتفاء بإطلاق المبادرات والوعود.
