بعد 20 عامًا على كارثة «السلام 98».. القضاء الإيطالي يُلزم «رينا» بالتعويضات

.. مبلغ التعويضات تتجاوز 60 مليون يورو.. 22 موضع قصور في التقرير الفني تكشف تفاصيل الساعات الأخيرة قبل غرق العبارة

تقرير يكتبه: عاطف عبد الغنى

بعد نحو عشرين عامًا على غرق العبارة المصرية «السلام بوكاتشيو 98» في البحر الأحمر، عادت الكارثة إلى واجهة الأحداث، مع صدور حكم من المحكمة المدنية في مدينة جنوة الإيطالية يُحمّل شركة «رينا» للتصنيف والشهادات البحرية مسؤولية عن الحادث، ويلزمها بدفع تعويضات تتجاوز 60 مليون يورو لنحو 700 من أقارب الضحايا والناجين.

وصدر الحكم الابتدائي، الذي أُودعت حيثياته في 17 سبتمبر 2026، وأُعلن عنه في وسائل إعلام إيطالية خلال أكتوبر الجاري، بعد دعوى مدنية استمرت سنوات، وطالبت في بدايتها بتعويضات إجمالية بلغت نحو 300 مليون يورو.

واستندت المحكمة إلى تقرير فني موسع رصد أوجه قصور في إجراءات تصنيف السفينة واعتماد سلامتها، إلى جانب مشكلات تتعلق بالتعليمات التشغيلية وتدريب الطاقم على التعامل مع حالات الطوارئ.

ولا يقتصر أثر الحكم على التعويضات المالية؛ إذ أعاد فتح ملف المسؤولية عن واحدة من أكثر كوارث النقل البحري مأساوية في تاريخ مصر الحديث، كما تناول مسألة المساواة بين الرجال والنساء من أسر الضحايا في التعويضات، في ضوء أحكام قضائية سابقة صدرت في مصر.

محكمة جنوة تحدد مسؤولية «رينا»

بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» وصحيفة «لا ريبوبليكا»، رأت المحكمة أن أوجه الإهمال المنسوبة إلى شركة «رينا» أسهمت بصورة رئيسية في وقوع الكارثة، وأن الشركة لم توفر، في إطار أعمال التصنيف والاعتماد، ما يكفي من المعلومات والتعليمات التي تتيح للقبطان والطاقم فهم بعض الخصائص الفنية للسفينة والتعامل معها أثناء الطوارئ.

وتختص «رينا» بأعمال التصنيف البحري والفحص الفني وإصدار الشهادات المرتبطة بسلامة السفن. وتمحور النزاع القضائي حول مدى التزامها بواجباتها الفنية، وما إذا كانت قد كشفت بوضوح عن المخاطر المرتبطة بتصميم العبارة، وقدمت تعليمات تشغيلية مناسبة للطاقم.

ووفقًا للتغطيات الإيطالية، حددت المحكمة 22 موضعًا للقصور والإهمال، شملت إجراءات الفحص والاعتماد، وكفاية أدلة التشغيل والطوارئ، وتدريب أفراد الطاقم، ومتابعة تدريبات السلامة. كما تناول الحكم عدم توفير تعليمات تشغيلية بلغة يفهمها القبطان وأفراد الطاقم على نحو يسمح لهم بالتعامل مع الخصائص الفنية للسفينة وقت الخطر.

ومع ذلك، فإن الحكم صادر عن محكمة مدنية في الدرجة الأولى، ولا يعني انتهاء المسار القضائي بالضرورة؛ إذ يظل قابلًا للطعن وفق الإجراءات القانونية الإيطالية.

كيف تحولت محاولة إخماد الحريق إلى كارثة؟

غرقت العبارة «السلام بوكاتشيو 98» في البحر الأحمر ليلة الثاني إلى الثالث من فبراير 2006، أثناء رحلتها من ميناء ضبا السعودي إلى ميناء سفاجا المصري، بعدما اندلع حريق في مرآب السفينة.

وبحسب إعادة بناء الأحداث التي استندت إليها الخبرة الفنية أمام المحكمة، حاول القبطان السيطرة على الحريق باستخدام المياه، لكن تراكم المياه داخل المرآب، وصعوبة تصريفها، أديا إلى زيادة ميل السفينة وفقدانها تدريجيًا اتزانها.

ومع استمرار الميل، اتُخذت إجراءات لموازنة السفينة من خلال خزانات الاتزان، في محاولة لتصحيح وضعها. غير أن المشكلة الفنية التي ركز عليها الحكم تمثلت في أن المياه الزائدة من بعض خزانات الاتزان كانت تُصرّف إلى داخل المرآب عبر فتحات تهوية، بدلًا من إخراجها إلى البحر.

وأدى ذلك، وفقًا للتقرير الفني الذي استندت إليه المحكمة، إلى زيادة كمية المياه المتجمعة داخل السفينة، وتسارع ميلها، ثم انقلابها وغرقها. ورأت المحكمة أن عدم توضيح هذه الخاصية الفنية بصورة كافية في الوثائق والتعليمات التشغيلية حرم القبطان والطاقم من المعلومات الضرورية لتقدير نتائج إجراءاتهم أثناء الطوارئ.

وتبرز هذه التفاصيل أهمية المعلومات الفنية التي تُقدم إلى أطقم السفن، ليس فقط في الظروف التشغيلية المعتادة، وإنما خصوصًا في اللحظات التي تتطلب اتخاذ قرارات سريعة قد تؤثر في مصير السفينة والركاب.

تعويضات تتجاوز 60 مليون يورو ومصروفات قانونية

ألزمت المحكمة شركة «رينا» بدفع أكثر من 60 مليون يورو لنحو 700 من أقارب الضحايا والناجين الذين شملتهم الدعوى. وذكرت التغطيات الإيطالية أن قيمة التعويضات تختلف بحسب طبيعة الضرر والقرابة، وأن بعض المطالبات المتعلقة بفقدان الأقارب قُدرت بمبالغ تتراوح في المتوسط بين 100 ألف و150 ألف يورو في الحالات التي لم تحصل على تعويضات سابقة.

كما تضمن الحكم مصروفات قانونية تُقدّر بنحو 3.5 مليون يورو، وقضى باستكمال التعويضات المستحقة لبعض النساء من أسر الضحايا ممن سبق أن حصلن على مبالغ أقل من أقاربهن الرجال في دعاوى سابقة بمصر.

وكانت مطالبات المدعين قد بلغت في بدايتها نحو 300 مليون يورو، وفقًا للتغطيات المنشورة، قبل أن تحدد المحكمة المبالغ التي انتهت إليها في حكمها.

المساواة بين النساء والرجال في التعويضات

من الجوانب اللافتة في الحكم معالجة الفروق بين التعويضات التي سبق أن حصل عليها بعض أفراد أسر الضحايا في مصر. فقد رأت المحكمة الإيطالية أن تطبيق قواعد أدت إلى حصول بعض النساء على مبالغ أقل من أقاربهن الرجال في الدرجة نفسها من القرابة يتعارض مع مبادئ المساواة التي اعتبرتها المحكمة جزءًا من النظام العام القانوني الإيطالي.

وبناءً على ذلك، قضت المحكمة بمنح بعض النساء فروقًا مالية لاستكمال التعويضات إلى المستوى الذي حصل عليه أقاربهن الرجال في الظروف المقارنة.

ويعكس هذا الجانب من الحكم أن النزاع لم يقتصر على تحديد المسؤولية الفنية عن غرق العبارة، بل امتد أيضًا إلى كيفية احتساب الضرر والتعويض، ومدى توافق النتائج المترتبة على تطبيق قواعد قانونية أجنبية مع المبادئ الأساسية التي يلتزم بها القضاء الإيطالي.

«رينا» تعترض على الحكم وتتمسك بنتائج تحقيقات سابقة

في المقابل، أعلنت شركة «رينا» عدم اتفاقها مع الحكم، مشيرة إلى أن تحقيقات فنية سابقة، من بينها تحقيقات أجرتها سلطات دولة العلم، فضلًا عن إجراءات قضائية جنائية وإدارية، انتهت إلى إرجاع أسباب الغرق إلى تصرفات مالك السفينة والقبطان، من دون تحميل الشركة المسؤولية التي خلصت إليها المحكمة المدنية في جنوة.

ويضع هذا الاعتراض الحكم في إطار نزاع قانوني لم يُحسم نهائيًا بعد، بين تقييم المحكمة المدنية لمسؤولية شركة التصنيف عن أوجه القصور الفنية والتعليمات التشغيلية، وبين ما تتمسك به الشركة من نتائج التحقيقات والإجراءات السابقة.

ومن ثم، فإن الحكم يمثل تطورًا مهمًا في مسار المطالبات المدنية لأسر الضحايا، لكنه لا ينبغي عرضه باعتباره حكمًا نهائيًا غير قابل للطعن، كما ينبغي التمييز بين المسؤولية المدنية التي تناولها وبين أي مسؤولية جنائية قد تكون محل إجراءات مستقلة.

كارثة لا تزال أسئلتها مفتوحة بعد عقدين

أعادت قضية «السلام 98» إلى الواجهة أسئلة تتعلق بمنظومة الرقابة على سلامة السفن، وحدود مسؤولية شركات التصنيف والاعتماد، ومدى كفاية التعليمات الفنية والتدريب الذي يتلقاه أفراد الطاقم، خصوصًا على السفن التي تعمل على خطوط دولية وتنقل أعدادًا كبيرة من الركاب.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية لأن الحادث لم ينتج، وفقًا للتقييم الفني الذي اعتمدته المحكمة، عن الحريق وحده، بل عن سلسلة من العوامل التي تداخلت معًا، من بينها صعوبة التعامل مع المياه المتراكمة، وخصائص تصميمية لم تُشرح للطاقم بالقدر الكافي، وإجراءات لم تحقق الغرض منها في احتواء الخطر.

وبعد نحو عشرين عامًا، يمثل حكم جنوة خطوة جديدة في رحلة أسر الضحايا بحثًا عن التعويض، لكنه لا يختزل المأساة في قيمتها المالية؛ فالكارثة التي أودت بحياة أكثر من ألف شخص تظل تذكيرًا بتبعات أي قصور في منظومة السلامة البحرية، وبأن الوقاية لا تعتمد على سلامة التصميم وحدها، بل تتطلب أيضًا فحصًا دقيقًا، وتوثيقًا واضحًا للمخاطر، وتعليمات مفهومة، وتدريبًا قادرًا على تحويل المعرفة الفنية إلى قرارات صحيحة في اللحظات الحرجة.

……………………………………………………………………………..

المصادر:

وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا».

صحيفة «لا ريبوبليكا».

موقع «الأهرام أونلاين».

في تغطيات منشورة خلال الفترة من 13 إلى 15 أكتوبر 2026.

طالع المزيد: انفوجراف: تفاصيل قرار مجلس الوزراء بزيادة تعويضات شاغلي عقارات القاهرة التاريخية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى