ميخائيل عوض يكتب: أمريكا تصبح ترامبية.. أم يسود نموذج إيلون ماسك؟

بيان

(1)

 ترامب ظاهرة جديدة في السيستم الأمريكي، متمرد على الدولة العميقة وحكومة الشركات والنظام الأمريكي، والدولة تأسست على ثنائية الحزبين وتحزب مجتمع السياسة والأعمال لهما.
وقد اعتادت أمريكا على الحزبين وتبادلية السلطة.

ترامب خرج من سوق العقارات والصفقات وقدم رؤية ووعدًا مختلفًا، فهز السيستم وعبث به إلى حدود كبيرة، وتمكن من إدارة أمريكا وإجراء سلسلة من التغييرات البنيوية في زمن قياسي، إشارة إلى تقاليد الدولة العميقة الأمريكية وبيروقراطيتها.

قدم وعودًا جاذبة للمجددين والراغبين بالتغيير والتخلص من السيستم العتيق، بعد أن فقد وظائفه وزمنه وصلاحياته، ولم يعد صالحًا لإبقاء أمريكا وتجديد شبابها.

بعد 249 عامًا على تأسيسها، لا بد من تغيير جوهري، وليس تعديلات أو إصلاحات، اختبرت جميعها وانتهت صلاحيتها، وأمريكا تضربها أزمات بنيوية تهدد استقرارها ووحدتها وطبائعها، وتاليًا الوظائف التي أنشئت وصنعت لتأمينها.

(2)

محاولات ترامب وزمنه المتاح وحجم نفوذ ومصالح الشركات وحكومتها ودولتها العميقة أعاقته وأفشلته في ولايته الأولى، ومنعته من الثانية. ولولا غزة وانفضاض الشباب واليسار من حول الحزب الديمقراطي، واجهة لوبي العولمة وحكومة الشركات، لما كان ترامب قد حصد نصرًا نادرًا.
لما كان ترامب قد حصد نصرًا نادرًا، وأحكم قبضته على المؤسسات الدستورية، ما وفر له فرصة ذهبية لتحقيق ما استطاع، وفرصته – بحسب المعطيات والاستطلاعات – محكومة زمنيًا بسقف الانتخابات النصفية.

والاستطلاعات تؤشر إلى ترجيح خسارته الكونغرس بغرفتيه: مجلس الشيوخ والنواب وحكام الولايات. وإذا أصابت الاستطلاعات، ستكون انتكاسة قاتلة لمستقبله ولمشروعه، وسيفقد القدرة على الإدارة بمزاجه، ووضع رؤيته لأمريكا ومؤسساتها ودورها على المحك، ليتحول إلى “بطة عرجاء” في سنتي ولايته الباقيتين.

فهو يسابق الزمن ويخوض معاركه في كل الاتجاهات، في الداخل والخارج، وبنفس الشدة، فهي “حرب وجودية”.

(3)

تحالفه مع ماسك وقادة شركات “الهاي تكنولوجيا” والعالم الافتراضي في حملته الانتخابية، إضافة لحراك الطلاب والشباب، وانزياح كتلة ناخبة وازنة من تحت الديمقراطي، كانت العناصر الأهم في تحقيق سيطرته على البيت الأبيض والكونغرس وحكام الولايات.

إلا أن “شهر العسل” لم يطل كثيرًا، ووقع “الطلاق” بين الرجلين، بانحياز ترامب لصالح شركات النفط والغاز والتلوث البيئي والاقتصاد التقليدي، وتقييد الصناعات والطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية، ودخل منافسًا حادًا لمالكي العملات المشفرة والسوشال ميديا.

ماسك ركب رأسه، وقرر خوض غمار السياسة في مواجهة الحزبين، ويعتبرهما مجرد واجهة للدولة العميقة، التي أعجزته في وزارة الكفاءات، وعطلت جهده وبرنامجه لتشذيب وعصرنة الحكومة الفيدرالية، وعصر نفقاتها، وتقليل الهدر.

هدد أعضاء الكونغرس الذين صوتوا لصالح قانون الإعفاء الضريبي الترامبي، وهاجم القانون، وقرر أن يمول المنافسين للحزبين.

ثم أعلن تأسيس حزب جديد ثالث، على غير طبائع أمريكا وحراكها السياسي ونظامها الراسخ والقائم على قدمين، لا ثلاثة.

ترامب عازم على تصفية شركات ماسك، وهدد بطرده، وإعادته إلى جنوب أفريقيا حيث ولد، وهدد بحجب تمويل الدولة لشركاته. وترامب محارب، تاجر صفقات، قاسٍ، ويقدم على ما يقدم عليه غير متحسب لما سيكون من نتائج.

(4)

أمريكا ناضجة للتغيير، وإن لم يجرِ بسلاسة، فبحسب دروس التاريخ وأنماط نهاية الإمبراطوريات وأعمارها عند ابن خلدون، فمهددة بحقبة اضطرابات وفوضى، لتهديم القديم الشرس والرافض التنحي لصالح الجديد.

بهلوانيات ترامب الاقتصادية، وارتجالياته في فرض الرسوم الجمركية، وجهده لتدمير العولمة وخطوطها ومراكز قوتها، وسعيه لتحرير أمريكا من الحروب ومن دور “شرطي العالم”، تتعثر، وشعاراته للسلام لم يلتزمها، ما هدد “عشيرته” التي أمنت وصوله، كجماعة “ماغا” التي تضربها أزمات، وشرعت بالتفكك، وخروج مؤثرين يلتحقون بماسك، وسيكونون عماد حزبه والدينامو المحرك.

جيل الشباب في أمريكا ينحاز بطبعه ضد القديم، ولا يجد نفسه ومكانته في تبادلية السلطة والليبرالية الفاجرة، وسيطرة “وول ستريت”، ولوبي صناعة الحروب والأسلحة.

وجاء “زلزال نيويورك” بفوز المرشح الشاب لعمدتها، عن الديمقراطي، المناصر بقوة لفلسطين، والاشتراكي بثقافته وشعاراته، وانفضاض عشرات الملايين من الشباب ويسار الديمقراطي عنه، وعدم التصويت لهاريس، وحراك الطلاب والشباب انطلاقًا من جامعات النخبة، مؤشرات واقعية وعملية لنضج أمريكا لعاصفة: إما تأخذها للفوضى والتوترات (ولديها القابلية وظروفها الموضوعية وأزماتها ناضجة كثيرًا)، أو إجراء تحولات نوعية في النظام والمجتمع والحياة السياسية.

(5)

الظروف والحاجات، ووصول البشرية إلى حقبة الشبكات، وتلامس العالم الافتراضي بالواقعي، والذكاء الصناعي، والمتغيرات الجوهرية في ملكية وسائل الإنتاج، وسيادة عصر اقتصاد المعرفة، وأن الإنسان أثمن رأس مال، وما أرسته الشبكات ووسائط التفاعل من إسقاط كل عناصر وأدوات احتكار النخبة لوسائط السيطرة والتحكم بالشعوب وصناعة الانتخابات والرأي العام…

مكانة وادي السيليكون وشركات “الهاي تك”، وما تتميز به شركات “ماسك” من ريادة في عالم الابتكار والرقمنة، وامتلاكه لوسائط تفاعل اجتماعية مؤثرة، والعدد الهائل لمتابعيه والمتأثرين بنموذجه في فئات الشباب والطلاب، والساعين للاندماج بعالم الابتكار والعلوم والعالم الافتراضي…

بالمقارنة مع شخصية “ترامب” القلقة والارتجالية، والمندمجة بالعالم القديم وأدواته في التفكير والإدارة، وولائه لشركات النفط والغاز والطاقة الأحفورية، على حساب البيئة والطاقة الخضراء والسيارات الكهربائية، جميعها تعمل لصالح “ماسك” ورؤيته ومشروعه، وتعمل ضد “ترامب” والحزبين وحكومة الشركات ولوبي العولمة.

وحجم الفقاعات الاقتصادية، المالية والعقارية، وحجم المديونية المتعاظم، والتمويل الحكومي بالديون وبطبع الدولارات، واضطراب أسواق المال والسندات، ومخاطر انعكاس الحروب التي يديرها ترامب، التي تهدد بانفجار الفقاعات الاقتصادية والمديونية…

وكذلك فاستطلاعات الرأي في “ماغا” وفي المجتمع، وخاصة الشباب دون الخمسين سنة، تعطي أرقامًا “طابشة جدًا” في غير صالح نظام الحزبين والتبادلية الشكلية بانتخابات مصنّعة نتائجها، وتتحكم بها الدولة العميقة وحكومة الشركات.

من الأرجح أن تتحول حقبة “ترامب” إلى انتقالية، تفتح الأفق لتغييرات نوعية في النظام والانتظام الأمريكي، توفر فرصًا لـ”ماسك” على حساب الحزبين.

ستكون الانتخابات النصفية عام 2026 زمنًا مفصليًا، يتقرر فيها مصير أمريكا، ولمن ستكون الغلبة: لبقاء أمريكا مع تغيير جوهري في نظامها وأولوياتها ودورها العالمي؟ أم تسوقها إلى الأزمات والفوضى؟

لقد نضجت التفاحة: إما تسقط لذاتها، أو تقطف في الوقت المناسب.

“ماسك” فاجأ الجميع بمشاريعه، ونجاح شركاته، وبلوغه مرتبة أغنى رجل في العالم، وعاكست تجربته العقول القديمة التي لا تجيد التفكير “من خارج الصندوق”، وصعد صاروخيًا، بالرغم من أن الكل كان يتوقع فشل مشاريعه وشركاته في بداياتها، واتُّهِم مرارًا بجنون العظمة وازدواج الشخصية.

شخصية “من خارج السيستم والنسق”، أقرب لأن تكون شكلًا وتصرفًا “من عالم المستقبل”. فهل يكون مستقبل أمريكا طوع يده ومغامراته؟

فحقائق وحاجات الأزمنة قاطعة، لا تنتظر ولا ترحم، والقصبة لمن سبق.

اقرأ أيضا للكاتب:

ميخائيل عوض يكتب: “الإبراهيمية” من نسف الأديان إلى محاولات تصفية الحق القومي

زر الذهاب إلى الأعلى