طه أحمد يكتب: ماذا لو لم يُؤمِّم ناصر قناة السويس؟
بيان
مع قرب احتفالات ثورة يوليو، تشتعل منصات التواصل الاجتماعي ما بين محب وكاره، ومؤيد ومعارض. والحقيقة أنه يمكننا أن نختلف مع ثورة يوليو أو نعارضها، لكن لا يمكننا إنكار أنها كانت ثورة غيّرت مجرى التاريخ بأسره.
والأحداث التاريخية لا يمكن الحكم عليها بمعطيات اليوم، بل لا بد من النظر فيها بمعطيات عصرها، تحدياته، وما نتج عنها من إيجابيات وسلبيات. والنظر في تاريخ ثورة يوليو يُظهر لها بصمات عدة في كل مجال، ونُلقي الضوء اليوم على واحد من أهم قرارات ثورة يوليو التي غيّرت مجرى التاريخ.
في السادس والعشرين من يوليو عام 1956، دوى صوت جمال عبد الناصر في الإسكندرية معلنًا قرارًا هزّ العالم: تأميم شركة قناة السويس البحرية.
كان هذا الإعلان نقطة تحول في تاريخ مصر والشرق الأوسط، ومحطة مفصلية في حركة التحرر من الهيمنة الاستعمارية. لكن، ماذا لو أن التاريخ اتخذ منعطفًا آخر؟ ماذا لو أن الرئيس عبد الناصر لم يتخذ هذا القرار الجريء؟
أولًا: استمرار السيطرة الأجنبية على القناة
لو لم يتم تأميم القناة، لكانت ستظل خاضعة لسيطرة شركة قناة السويس، وهي شركة ذات إدارة بريطانية-فرنسية، مع كون القناة تقع على أرض مصرية وتُدار بأيدٍ أجنبية، وحصول مصر على نسبة ضئيلة من الأرباح.
هذا الوضع كان يُكرّس التبعية الاقتصادية والسياسية، ويؤخّر مساعي الاستقلال الكامل بعد جلاء الاحتلال البريطاني.
ثانيًا: تأخر بناء السد العالي
أحد أبرز دوافع تأميم القناة كان استخدام إيراداتها لتمويل مشروع السد العالي، الذي كان مشروعًا تنمويًا حيويًا لمصر. في حال عدم التأميم، كانت الحكومة المصرية ستواجه صعوبة شديدة في تمويل المشروع بعد سحب البنك الدولي والولايات المتحدة دعمهما له، وربما كانت قد اضطرت إلى القبول بشروط مالية وسياسية مجحفة أو تأجيل المشروع لسنوات طويلة.
ثالثًا: غياب العدوان الثلاثي
تأميم القناة كان الشرارة التي أشعلت العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل) على مصر في أكتوبر 1956. لو لم يحدث التأميم، فمن المرجّح أن هذا العدوان لم يكن ليقع بتلك الصورة، مما كان سيجنب مصر الخسائر البشرية والمادية.
لكن في المقابل، لم يكن العالم سيشهد ذلك التحول الجذري في توازن القوى، حيث برزت حينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي كقوتين تُفرضان إرادتهما، وبدأ تراجع النفوذ البريطاني-الفرنسي في المنطقة.
رابعًا: تأخر صعود القومية العربية
تأميم القناة عزّز من شعبية عبد الناصر، ورفعه كرمز للقومية العربية والتحرر من الاستعمار. لو لم يُؤمَّم القناة، لما أصبح عبد الناصر قائدًا مُلهِمًا لحركات التحرر في العالم العربي، ولما وجد الشباب العربي في شخصه نموذجًا للكرامة الوطنية والتمرد على الهيمنة الغربية.
خامسًا: استمرار الاستغلال الاقتصادي
قناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، ومن غير المعقول أن تبقى مصر بعيدة عن عوائدها الحقيقية. بقاء القناة تحت سيطرة أجنبية كان يعني حرمان الاقتصاد المصري من مصدر دخل كبير، كان يمكن أن يساهم في تمويل التنمية والتعليم والصحة والبنية التحتية.
خلاصة: تاريخ مُغاير تمامًا
تأميم قناة السويس لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل لحظة سيادية مفصلية وضعت مصر في قلب السياسة الدولية. أما في سيناريو عدم التأميم، فلربما ظلت مصر مُكبَّلة اقتصاديًا، وتابعة سياسيًا، ومجرد لاعب هامشي في معادلة الصراع الدولي.
من هنا، يظهر أن ما فعله عبد الناصر لم يكن فقط قرارًا ثوريًا، بل خطوة شجاعة غيّرت وجه التاريخ. والتاريخ غالبًا ما يُبنى على القرارات الكبرى في اللحظات الحاسمة، وقرار تأميم قناة السويس كان أحد تلك اللحظات التي غيّرت مجرى الأحداث، مؤكدًا أن الإرادة الوطنية يمكن أن تصنع الفارق، وتُعيد السيادة لشعوبها.
اقرأ أيضا:
– أحمد عاطف آدم يكتب: شفرة المراهقة بين الاجتياح والاحتواء (١١)





