بعد طرد السفير وخفض التمثيل الدبلوماسي.. هل تغير موقف الإمارات من إسرائيل ؟
طبّعت الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع إسرائيل عام ٢٠٢٠ في إطار ما يسمى “الاتفاقيات الإبراهيمية” التي توسط فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إبان فترة رئاسته الأولى.
وبرزت أبوظبي كأقرب شريك عربي لإسرائيل في المنطقة وسط ضجة إعلامية حول حرب إسرائيل على غزة ، التي وصفتها منظمات حقوق الإنسان والباحثون بأنها إبادة جماعية.
لكن فى الأيام القليلة الماضية لاحظ المراقبون توتر متصاعد بين الإمارات وإسرائيل وسط زيادة واضحة فى الدور الإنساني الإماراتي في غزة في ظل الحرب المستمرة على القطاع، وبدأت العلاقات بين الإمارات وإسرائيل تأخذ مسارًا مختلفًا عمّا كانت عليه منذ توقيع “اتفاقيات إبراهام” في عام 2020، فعلى الرغم من بقاء العلاقات الرسمية قائمة، إلا أن المؤشرات الدبلوماسية الأخيرة تكشف عن تراجع واضح في مستوى التمثيل والتعاون بين الجانبين.
استدعاء السفير الإسرائيلى
أبرز تلك المؤشرات جاء على شكل استدعاء السفير الإسرائيلي لدى الإمارات، يوسف أبراهام شيلي، بعد سلسلة من التصرفات التي وُصفت بـ”غير اللائقة”، والتي أثارت حفيظة السلطات الإماراتية.
ووفقًا لصحيفة الشرق الأوسط وتقارير عبرية متعددة، فإن شيلي أبدى سلوكًا غير منضبط، وصل حد التذمر من طاقم الأمن الإماراتي المكلف بحراسته، مدعيًا أنهم “يضايقونه” وأنه “يريد أن يأخذ راحته”، إلى جانب الحادثة التى وقعت فى ملهى ليلى مع مجموعة من الإسرائيليين، سببت إحراجًا دبلوماسيًا بالغًا.
لكن القضية ليست فقط سلوك السفير؛ بل تتعلق بالسياق الأوسع لما يحدث على الأرض.
الإمارات كثفت من جهودها الإنسانية تجاه الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث تحدثت مصادر إعلامية عن دعم إماراتي مباشر للمواطنين الغزيين، بما في ذلك العمل على مشروع خط مياه لتحسين البنية التحتية في القطاع المحاصر، إضافة إلى إرسال مساعدات إنسانية متواصلة.
قلق إسرائيلي متزايد
هذه التحركات الإماراتية نحو غزة أثارت قلقًا داخل إسرائيل، التي تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب عربي – حتى إنساني – مع الفلسطينيين، خصوصًا في ظل محاولاتها عزل حركة حماس والسيطرة على المشهد السياسي والإنساني في غزة.
ورغم أن الإمارات تُعارض حركة حماس سياسيًا وأيديولوجيًا، ولا تتفق معها في التوجهات أو السياسات، فإنها تُميز بين معارضتها للحركة وبين التزامها بدعم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية بشكل عام.
ويُعد هذا التوجه من ثوابت السياسة الإماراتية، التي تحرص على الظهور بموقف مستقل ومتوازن، يعكس إرادتها السيادية بعيدًا عن حسابات الأطراف الأخرى.
خفض التمثيل الدبلوماسي
وفقًا لمصادر متابعة، فإن التوترات الأخيرة دفعت إلى تراجع فعلي في مستوى التمثيل الدبلوماسي بين أبوظبي وتل أبيب، وإن لم يُعلن ذلك رسميًا بعد.
استدعاء السفير شيلي قد يكون الخطوة الأولى في سلسلة إجراءات تهدف إلى إعادة تقييم العلاقة، خاصة في ظل الانتقادات المتزايدة داخل العالم العربي للتطبيع في ظل المجازر التي يتعرض لها سكان قطاع غزة.
قصة السفير المنفلت
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن السفير الإسرائيلي لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، يوسف أبراهام شيلي، تم استدعاؤه من منصبه على خلفية تصرفات وصفت بأنها “غير لائقة”، أثارت استياء السلطات الإماراتية.

وذكرت القناة الإسرائيلية “12” أن الحكومة الإسرائيلية اضطرت إلى سحب شيلي بعد أن أبلغت الإمارات تل أبيب برغبتها في عدم استمراره كسفير لديها.
وبحسب موقع “N12” العبري، فإن الحادثة التي أدت إلى هذا التطور وقعت عندما زار شيلي حانة في إحدى مدن الإمارات برفقة مجموعة من الإسرائيليين، من بينهم نساء، وتصرّف بطريقة وصفتها السلطات الإماراتية بأنها “غير مقبولة”، مشيرة إلى أن السلوك “تجاوز الحدود المقبولة وأضرّ بالكرامة”.
تأتي هذه الحادثة في سياق علاقات دبلوماسية حساسة بين البلدين، بدأت بتوقيع اتفاقيات إبراهيم في عام 2020، والتي قادت إلى تطبيع رسمي بين إسرائيل والإمارات برعاية أمريكية.
وعلى الرغم من التوترات الإقليمية، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية على غزة، ظلت أبو ظبي أبرز الشركاء العرب لتل أبيب، واحتفظت بقنوات اتصال مفتوحة حتى خلال فترات التصعيد، حيث زار وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الإمارات في يناير 2025 قبل إبرام هدنة مؤقتة في غزة.
وتُعد الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي سمحت لمسؤول إسرائيلي رفيع بزيارتها منذ اندلاع الحرب، مما يعكس حساسية العلاقة بين البلدين. ويُنظر إلى خطوة أبوظبي باستدعاء السفير على أنها إشارة دبلوماسية ذات مغزى.
خلفية عن السفير
شغل يوسف شيلي سابقًا منصب السفير الإسرائيلي لدى البرازيل، وكان محورًا لعدة فضائح إعلامية. في إحدى الحالات، التُقطت له صورة خلال عشاء مع الرئيس البرازيلي السابق، جايير بولسونارو، حيث ظهر جراد البحر على المائدة، ما أثار انتقادات في الأوساط اليهودية بسبب تعارض ذلك مع القوانين الغذائية اليهودية (الكوشر).
وفي حادثة أخرى عام 2023، أوردت صحيفة “هآرتس” أن شيلي تواصل مباشرة مع امرأة برازيلية طلبت مساعدته للحصول على تأشيرة سفر إلى إسرائيل، وأفادت بأنها شعرت بالتحرش من جانبه بعد أن دعاها للقائه شخصيًا، وظهر في مكالمة فيديو وهو عاري الصدر على سريره، مدعيًا أنه عاد للتو من نزهة.
رغم هذه السوابق، تم تعيين شيلي لاحقًا مديرًا عامًا لمكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، قبل أن يُعين سفيرًا لدى الإمارات في نوفمبر 2024.
وقد دافع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تعيينه في حينه، قائلًا: “لقد كان يوسي سفيرًا فعالًا للغاية في البرازيل، حيث نجح في بناء علاقات ليس فقط مع الرئيس البرازيلي، بل أيضًا مع الإعلام، كما قدم عملًا مهمًا وصعبًا في مكتب رئيس الوزراء”.
قراءة في الموقف الإماراتي
الإمارات، التي يبلغ عدد سكانها نحو 10 ملايين نسمة، لا تتجاوز نسبة المواطنين الإماراتيين فيها 10%. وتتميز بتركيبتها السكانية المتنوعة، حيث تضم عمالًا من جنوب آسيا، ومغتربين من الغرب، وأثرياء من دول مختلفة.
وتشتهر إمارة دبي على وجه الخصوص بأسلوب حياة ليلي متحرر نسبيًا مقارنة بدول الخليج الأخرى، غير أن السلطات الإماراتية تُولي أهمية قصوى للانضباط الدبلوماسي واحترام العادات والثقافة المحلية، خاصة من قبل الممثلين الأجانب.
وبناءً على التقارير، فإن تصرفات شيلي لم تُعتبر مسيئة فقط من الناحية السلوكية، بل تم تفسيرها أيضًا على أنها تقويض لاحترام التقاليد الإماراتية في فضاء عام، مما دفع الإمارات إلى اتخاذ موقف دبلوماسي حازم تجاهه.
طالع المزيد:
– الإمارات تدين تصريحات نتنياهو بشأن “رؤية إسرائيل الكبرى” وتصفها بـ “الاستفزازية”





