د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: كارثة في مستقبل الطب بمصر (2 من 2)

بيان

يعاني التخطيط الطبي في مصر من عجز تاريخي صارخ، يجعل الخاسر الأكبر هو الطبيب والمريض معًا. يدخل المريض المنظومة ليجد مستشفيات جامعية مكتظة تُفتقر إلى الإمكانيات الأساسية، ووحدات صحية مغلقة أو بلا كوادر، وأجهزة طبية متعطلة، في حين يخوض الطبيب معركة صامتة مع غياب التدريب، وضغط العمل، وراتب زهيد لا يتناسب مع الجهد والمسؤولية.
كان من المفترض أن تكون المستشفيات الجامعية منارات للتدريب والبحث، لكنها تحولت إلى ساحات فوضى، بلا تقنيات ولا تنظيم، فالطالب لا يلمس مشرطًا، والمريض لا يجد سريرًا أو دواءً يُخفف ألمه. والتعليم الطبي أصبح ورقيًّا خاليًا من المهارات، وزيارات الوزير للمؤتمرات الإعلامية تُسجّل أرقامًا بدلًا من إعادة روح وأداء هذا القطاع الحيوي.
أما وزير الصحة، فواصل عروضه الإعلامية: افتتاحات مبانٍ جديدة ووعود التأمين الصحي الشامل، التي تبدو رنانة لكن «وعودًا تتهاوى» أمام أرقامٍ صادمة:
• في مصر، يعمل حاليًا حوالي 38% فقط من الأطباء المرخصين، بينما يتواجد 62% خارج الخدمة—إما مهاجرين أو في إجازات طويلة أو خارج القطاع العام.
• معدّل كثافة الأطباء في مصر هو 6.7 أطباء لكل 10,000 نسمة (0.67 لكل 1,000)، بينما المعدّل العالمي يقارب 17 لكل 10,000.
• في عام 2024، أبلغت وزارة الصحة عن وجود حوالي 109,000 طبيب فقط لبلد يتخطى 100 مليون نسمة.
• أكثر من 7,000 طبيب شاب غادروا البلاد في عام واحد فقط (2023)، بينما استقال أكثر من 11,536 طبيبًا حكوميًا بين 2019–2022.
في ظل هذه الحقيقة المريرة، يترقب الطبيب القادم من سنوات من الدراسة أن يتقاضى راتبًا حقيقيًا، لكنه يجد راتبًا شهريًا لا يتجاوز 6.000 جنيه—لا يكفي حتى للمواصلات والطعام. وأمام قانون تقنين الأخطاء الطبية الجديد، يشعر الطبيب أن كل خطوة قد تجره إلى السجن بدلًا من التقدير، مما يدفع الكثيرين للتفكير في الرحيل.
لكن الأزمة ليست قدرًا محتومًا. هناك حلول واضحة وضرورية:
1. رفع رواتب الأطباء تدريجيًا لتصل إلى مستوى معيشي كريم (على الأقل 15,000 جنيه كبداية للأطباء المقيمين)، وربط الزيادة بالأداء والخدمة في المناطق الأكثر احتياجًا.
2. إصلاح التعليم الطبي جذريًا، بزيادة التدريب العملي، وتخفيض أعداد المقبولين في الكليات بما يتناسب مع القدرة التدريبية، مع تفعيل برامج تبادل دولي للأطباء الشباب.
3. توزيع عادل للأطباء بين الحضر والريف عبر حوافز مالية وسكنية وتأمينية، بدلًا من الاكتفاء بقرارات إدارية لا تُنفذ.
4. إعادة هيكلة قانون الأخطاء الطبية بحيث يحمي المريض من الإهمال، لكنه في الوقت نفسه يوفر للطبيب بيئة آمنة لممارسة المهنة دون تهديد دائم بالسجن.
5. تحويل المستشفيات الجامعية إلى مراكز تدريب وبحث حقيقية، بميزانيات مستقلة، وإدارة مهنية بعيدة عن البيروقراطية.
6. وقف نزيف الهجرة من خلال برامج ربط بالخارج، تسمح للأطباء بالعمل خارج مصر مؤقتًا ثم العودة بامتيازات، بدلًا من فقدانهم نهائيًا.

في النهاية، الطبيب يُستنزف من دون أمل، والمريض يُهدر كرامته وصحته في رحلة علاج لا تنتهي. أما الوزيران—وزير الصحة ووزير التعليم العالي—فهما يتقاسمان الابتسامات أمام الكاميرات، بينما النظام يمضغ الأحلام الطبية ويصنع كارثة وطنية. لكن، إذا كانت هناك إرادة سياسية جادة، فإن هذه الأزمة يمكن أن تتحول من مأساة إلى فرصة لإعادة بناء منظومة طبية حديثة تحفظ حياة المريض وكرامة الطبيب معًا.

نرشح لك أيضا:

د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: كارثة في مستقبل الطب بمصر (1 من 2)

 

زر الذهاب إلى الأعلى