سيناريوهات الخليج مع «الخيار صفر» .. (1من4)
دراسة يكتبها: أ.د. مدحت حماد
-1-
تعيش منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة، ومنطقة الخليج بصفة خاصة، مرحلة تاريخية فاصلة بكل معنى الكلمة. مرحلة لم تشهدها طوال الخمسين عامًا سوى أربع مرات:
مرحلة ما قبل حرب أكتوبر.
مرحلة ما قبل اشتعال الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980
مرحلة ما قبل غزو الكويت للعراق 1990
مرحلة ما قبل الغزو الأمريكي للعراق 2003
هذه المراحل الأربع كانت قد اتسمت بعدد من المعطيات التي قادت إلى “الحروب الأربع” السابق ذكرها، فيما عدا حرب أكتوبر 1973. هذه المعطيات كانت كالتالي:
تجييش الجيوش والحشد العسكري.
الحشد السياسي.
بناء التحالفات العسكرية.
تعمد اختلاق الأزمات الاقتصادية.
-2-
بينما كانت إيران تستعد لدخول الجولة السادسة من مباحثاتها النووية مع أمريكا بشأن برنامجها النووي، إذا بإسرائيل توجه لها “ثاني أكبر ضربة عسكرية نوعية شاملة” منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 1979. الضربة الأولى كانت حين قام صدام حسين بشن بإلغاء اتفاقية الجزائر 1975 التي وقعها بنفسه مع إيران حول تقاسم وترسيم الحدود بين إيران والعراق في منطقة “شط العرب”، وكان في صدارة نتائج تلك الحرب، تمكن العراق من احتلال كامل الشريط الحدودي بين العراق وإيران داخل إيران بعمق تروح بين 50-80 كم، وهو ما كان قد شكَّل ضربة هزيمة استراتيجية لإيران من جهة، وتهديدًا وجوديًا لنظام الجمهورية الإسلامية الوليد، حيث لم يكن قد مضى على قيامه وتأسيسه سوى عام ونصف تقريبًا حين اشتعلت الحرب. هذا الأمر نفسه، أعاد للإيرانيين تجرَّع كأس هزائمهم الإستراتيجية في “الحروب الروسية الإيرانية” التي وقعت بينهما في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، التي كان من نتائجها اقتطاع أجزاء ضخمة من أراضي الدولة القاجارية، وهي الأراضي التي تشكِّل جزءًا كبيرًا من جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
-3-
إذًا أصعب وأقسى ما كان في الضربة العسكرية التي صفعت بها إسرائيل “وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية”، هو أنها كانت “صفعة حادة، قوية، عنيفة، مفاجئة ومزلزلة”، حيث دوَّى صداها في جميع أرجاء الكرة الأرضية من جهة، داخل وخارج العلاف الجوي من جهة ثانية.
لقد جاءت في وقت كان الحشد السياسي الأمريكي الإسرائيلي الأوروبي بشأن تجييش العالم وشده صوب “المفاوضات الأمريكية الإيرانية” حول البرنامج النووي الإيراني، كان قد بلغ أعلى مستوياته وبأعلى قدر من التفاؤل لدرجة أن الكثيرين أخذوا يسألون أنفسهم: “هل نحن بصدد لقاء كوني بين “دونالد ترامب” و “علي خامنه أي”؟ لهذا فبقدر ما كانت درجة التفاؤل قد بلغت عنان السماء، بقدر ما بلغ “صدى الصفعة الإسرائيلية العسكرية الشاملة لإيران”، عنان السماء وجميع أركان وأرجاء الكرة الأرضية، لدرجة أننا وجدنا البعض من المحللين والخبراء الإستراتيجيين، سواء المحايدين أو المعادين للجمهورية الإسلامية، وجدناهم يتحدثون عن:
متى ستستسلم الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
متى ستسقط الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
متى ستنهار وستتفكك “الدولة الإيرانية”؟
-4-
لكن ما حدث بعد 15 ساعة من انطلاق الضربة العسكرية الإسرائيلية الشاملة، وطوال 12 يومًا، أي الفترة من 12 يونيو وحتى 24 يونيو 2025، أعادنا بقوة إلى عام 1982، أي إلى اللحظة التاريخية التي كانت إيران قد تمكنت فيها من تحرير كافة أراضيها المُحتلة من جانب جيش صدام حسين.
فبعد 12 يومًا من المواجهات العسكرية المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، وبين إسرائيل وجميع من يقف خلفها من القوى الدولية العظمى بقيادة أمريكا، وشراكة إستراتيجية كاملة من جانب الترويكا الأوروبية أي: بريطانيا، ألمانيا وفرنسا، من جهة ثانية، وبينما شهدت “قاعدة العديد العسكرية الأمريكية” أولى الضربات الانتقامية الإيرانية _حتى وإن كانت رمزية_ وإذا بالعالم يشهد بدء انقلاب الصورة، فكان أن:
استردت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، توازنها.
تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من رد الصفة، بل ومن رد الصاع صاعين.
استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تزلزل منطقة الشرق الأوسط برمتها، وتضعها فوق فوهة بركان.
استعدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية للدخول في مواجهة استراتيجية شاملة مع إسرائيل وأمريكا.
قام “دونالد ترامب” نفسه، قام بالإعلان بنفسه، عن وقف إطلاق النار الخامسة مساء الجمعة الموافق 24 يونيو 2025.
انصاعت إسرائيل بشكل تام لقرار ترامب بوقف إطلاق النار، دون أن تقوم بأي اختراق له حتى الآن، رغم مرور أكثر من شهرين على ذلك، بينما هي نفسها إسرائيل التي عاثت في سوريا فسادًا وابتلعت أجزاءً واسعة من الأراضي السورية، ومستمرة في الوقت نفسه بخرق قرار وقف إطلاق النار في لبنان، وفي ذات الوقت يتضاعف غيِّها وطغيانها في غزة والضفة وصنعاء.
-5-
أمس الأول الخميس 28 أغسطس 2025 قامت الترويكا الأوروبية بالإعلان عن تفعيل آلية “سناب باك”، وإعطاء إيران آخر ثلاثين يومًا كفرصة أخيرة للتجاوب مع الغرب وأمريكا وتقديم التنازلات اللازمة بشأن برنامجها اليمني، وذلك ظنًا منهم أن هذا هو السبيل الناجع لإخضاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولجم طموحاتها التكنولوجية والتقنية والسياسية والعسكرية.
بالإضافة إلى ذلك تضاعفت حدة وقوة الضربات العسكرية المتبادلة بين إسرائيل وبين جماعة أنصارا الله الحوثية في اليمن، فضلاً عن احتقان الوضع الداخلي اللبناني وتأزّم الموقف الخاص بحزب الله اللبناني، وقيام الأمين العام “نعيم قاسم”، بالتأكيد على جهوزية الحزب لجميع السيناريوهات بما فيها عودة المواجهة العسكرية واشتعال الحرب مع إسرائيل.
-6-
ثمَّة سؤلان جوهريان هما: ما الذي نقصده بـ “الخيار صفر”؟ بداية المقصود بـ “الخيار صفر” هو: “اشتعال الحرب الشاملة بين إيران من جهة، وبين إسرائيل وحلفائها بقيادة أمريكا من جهة أخرى”. السؤال الثاني: ما هو الشاهد من كل هذا؟ الشاهد من كل هذا، أننا نعتقد في أن “الحرب الإقليمية الشاملة بين الجبهة الإيرانية وبين الجبهة الإسرائيلية الأمريكية” قادمة لا محالة. ليكون السؤال الجوهري، أي السؤال الرئيسي لهذه المقالات: “ما هي سيناريوهات الخليج للتعامل مع الخيار صفر؟”. هذا ما سيتم البدء في الإجابة عليه في المقالات الثلاث القادمة إن شاء الله.
…………………………………………………………………………………………………
كاتب الدراسة: أستاذ اللغة الفارسية والدراسات الإيرانية والخليجية. كلية الآداب، جامعة طنطا، أستاذ زائر بكلية الدفاع الوطني، الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية.






