قصة البغاء ونساء الوعد فى مصر: قراءة من منظور دراسات التابع (الجزء الثانى)

سردية يكتبها: محمد سليمان
كان دخول النساء في مصر إلى عالم الوَعد (الدعارة) في النصف الأول من القرن العشرين سهلًا للغاية. كانت المرأة إذا ضاق بها الحال، تذهب إلى الضابط وتقول له: أنا عايزة أمشي في الوَعد، فيقوم الضابط حينها بإدراج اسمها في الكشوف المعدة لذلك، ويتم استخراج رخصة (أورنيك 11) لها.
كان الدخول إلى هذا العالم المظلم سهلًا وبسيطًا، لكن في الحقيقة كان الخروج منه صعبًا وعسيرًا.
فما إن تذهب العاهرة إلى البدرونة، وهو لفظ يُطلق على صاحبة بيت الدعارة، وتضع أول قدم لها في البيت، تصبح حينها تحت إمرة القوّاد (البلطجي). فالدخول إلى بيت الدعارة سهل للغاية، لكن الخروج منه قد يكون ثمنه حياتها أو على الأقل تشويه وجهها بمياه النار، كما حدث لبعض العاهرات.
نفسيًا أيضًا، تشعر العاهرة بعد فترة من العمل أنها مقيدة بأساور من حديد، بسبب تلك الممارسات القميئة، حتى إن بعضهن حاولن ترك تلك المهنة سيئة السمعة، إلا أنهن عدن خائبات. كما أنه حين تكبر تلك العاهرة في السن، فإنها لا تترك العمل، بل تتحول حينها إلى العمل كـقوّادة أو جلابة، والمثل الشعبي في ذلك معروف: إن تابت…
هذا لا ينفي وجود بعض النسوة التائبات اللائي نجحن في الانسحاب من ذلك العالم المرعب.
في رواية “السكن في الأدوار العليا” للدكتور رفعت السعيد، تقول سوسو القوادة موضحة صعوبة الخروج من هذا العالم:
“الواحدة بعد ما تتعود على الوَعد لا يمكن تسلاه، تحلم بالجواز والهرب، لكنها مجرد أحلام، لقد قيد الجنس المتواصل خطواتها بسلسلة أقوى من الحديد.”
السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ: ما الأسباب التي تلجئ المرأة إلى العمل في هذا المجال سيئ الصيت؟
تعدد الدكتورة نجية إسحاق في كتابها القيم سيكولوجية البغاء: دراسة نظرية وميدانية أسباب البغاء، وتنوه إلى أن هناك ثلاثة اتجاهات:
1- الاتجاه الاقتصادي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن سبب توجه المرأة للعمل في الدعارة هو الفقر والبؤس والجوع.
تقول سيمون دي بوفوار: “إن السبب الحقيقي للبغاء يرجع إلى أننا في عالم ينتشر فيه البؤس والفقر والبطالة.”
توضح الدكتورة نجية أمرًا هامًا مفاده أن النظرية الاقتصادية في تفسير البغاء تطورت، فبعد أن كان الافتراض الأساسي الذي تقوم عليه هو أن البغايا يُجبرن على ممارسة البغاء تحت ضغط الفقر، تحول الأمر وحل محله الافتراض الذي يرى أن الحاجة إلى وسائل الترف والرفاهية والرغبة في الكسب الوفير هي الدافع إلى البغاء.
وُجّه نقد إلى أصحاب هذا الاتجاه، إذ إنه وإن كان الجانب الاقتصادي مهمًا في تفسير ظاهرة البغاء، إلا أنه بهذا المفهوم فإن كل امرأة فقيرة لا تستطيع التكسب ستذهب مباشرة للعمل في البغاء، وهذا غير صحيح، لأنه من الممكن أن تقوم المرأة بالتكسب من عمل شريف.
لكن كما تذكر الدكتورة نجيه، ليس معنى ذلك إهمال دور الاتجاه الاقتصادي إهمالًا تامًا، إذ إن البغاء في شكله الأساسي اقتصادي (الجنس مقابل المال).
وإن كنا نرى أن العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في تفسير ظاهرة البغاء، فإنه في الحالة المصرية، وفي تلك الفترة – النصف الأول من القرن العشرين – وما شاب تلك الفترة من حدوث حربين عالميتين، وخاصة الحرب العالمية الأولى، والتي كانت مصر في القلب منها، وحدوث ما يسمى بـالركود العظيم وما سببه من ازدياد الفقر، كان سببًا مباشرًا لتوجه كثير من العاهرات إلى الدخول في طريق الوَعد.
مما يجعل العامل الاقتصادي في الحالة المصرية هو أهم عامل من عوامل انتشار البغاء في مصر، ولا ينفي ذلك تضافر بقية العوامل الأخرى.
وفي أغلب الروايات المصرية التي كانت المومس جزءًا أساسيًا من حبكتها، كان الفقر هو العامل الأساسي للعمل في مهنة البغاء، ونموذج نفيسة في البداية والنهاية لنجيب محفوظ هو خير مثال.
2- الاتجاه الاجتماعي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العامل الاجتماعي هو سبب توجه المرأة للعمل بالبغاء، فبسبب تفكك الأسرة، وسوء التنشئة، والبعد عن الدين، وضعف الرقابة على الصغار، وفساد البيئة الاجتماعية المحيطة.
ونحن لا ننكر أهمية هذا العامل في نمو ظاهرة البغاء في مصر، فالبيئة القاهرية في تلك الآونة قد أصابها العطب بسبب فساد بعض رجال الشرطة آنذاك وتحالفهم مع إمبراطورية الغواية.
ورغم أهمية العامل الاجتماعي كسبب لتوجه المرأة للعمل كبغيّ، إلا أن النقد الموجه لذلك الاتجاه هو أن جعل الاتجاه الاجتماعي هو السبب الوحيد لعمل المرأة في مجال البغاء ينكر ما للعوامل الأخرى من أهمية، كما أنه طبقًا لما أطلق عليه بنجامين، فإن الظروف الاجتماعية ما هي إلا عوامل مهيئة للعمل في البغاء.
3- الاتجاه النفسي:
يرى أصحاب هذا الاتجاه أن سبب قيام المرأة بالعمل في الدعارة هو أسباب نفسية ترجع إلى عقدة أوديب.
ونفس النقد الذي وُجه إلى كلا الاتجاهين من كون جعل الأسباب النفسية هي الأسباب الوحيدة لتوجه المرأة إلى البغاء، فيه إنكار لما للعوامل الأخرى من أهمية.
هناك اتجاه آخر لم تذكره الدكتورة نجية إسحاق في دراساتها، وهو الاتجاه الوراثي.
يرى العالم الإيطالي شيزار لومبروزو في نظريته الشهيرة عن الجريمة أن مسببات الجريمة ترجع إلى الحتمية البيولوجية، أي أن المجرم أصبح مجرمًا لأسباب وراثية، فأبوه كان مجرمًا وجده كذلك…
وعلى أساس تلك النظرية – التي وُجهت لها بعض سهام النقد – فإن البغاء أسبابه وراثية، باعتبار أن البغاء جريمة من الجرائم في نظر لومبروزو.
ترى الدكتورة نجية أن فهم البغاء لا يتأتى إلا من خلال تكامل هذه الاتجاهات، وهذا هو الصحيح.
ومن هنا، لا بد أن نوضح أن تضافر كل العوامل السابق ذكرها – أو بعضها – كفيل بتفسير سقوط الباغية في فخ الوَعد.





