قصة البغاء ونساء الوعد فى مصر: قراءة من منظور دراسات التابع (الجزء الأول)

سردية: محمد سليمان

مقدمة عن مدرسة دراسات التابع

“التاريخ الاجتماعي للشعوب.. الحقيقة التي لا تُزيَّف”

يظل التاريخ الاجتماعي للشعوب هو الأقرب إلى الحقيقة، إن لم يكن الحقيقة بعينها، حتى ولو كان مليئًا بالخزي والعار أحيانًا، بخلاف التاريخ السياسي الذي تتدخل فيه السلطات، فيصبح التزييف وطمس الحقيقة عنوانه الأول.
لذلك ينظر الكثيرون إلى التاريخ السياسي على أنه تاريخٌ صُنع على هوى السلطة، بينما يظل التاريخ الاجتماعي مرآةً صادقةً للوضع السياسي، وهو الحَكَم الحقيقي على الحاكم في أي عصرٍ من العصور.

ومن هنا برزت أهمية تلك المدرسة التاريخية التي تُعنى بـ”دراسات التابع”، والتي تُعد في جوهرها تقويضًا للنمط السائد في كتابة التاريخ، كما أشار الدكتور خالد فهمي في مقدمة كتابه الرائع كل رجال الباشا.

والتاريخ، من منظور تلك المدرسة – التي أسسها عدد من مثقفي الهند – هو كتابة التاريخ من أسفل، أي الكتابة عن الفئات المهمَّشة (التابعة) التي لا تستطيع التعبير عن نفسها، باعتبارها نقطة الضعف الرئيسة في المنظومة الاجتماعية.
وليس التاريخ، في منظور منظّري تلك المدرسة، هو ذلك الذي يكتبه المؤرخون والمثقفون المحسوبون على السلطة السياسية، لأن أغلب هذا التاريخ مزيّفٌ مكتوب بعصا السلطة أو بذهبها.
أما التاريخ الحقيقي، فهو ذلك الذي لا تنميق فيه ولا مداهنة ولا كذب؛ إنه تاريخ المهمَّشين، تاريخ الفلاحين في نظر مدرسة “دراسات التابع”، وتاريخ العمّال في نظر الماركسيين الذين كانوا يستبعدون الفلاحين من أي حراكٍ اجتماعي أو ثوري، معتبرين إياهم – في تعبيرهم القاسي – مجرد أكياس من البطاطس.

وقد تمّ اقتباس لفظ التابع من الكاتب الإيطالي الكبير أنطونيو غرامشي، الذي يرى أن التابع هو من لا ينتمي إلى النخبة السياسية أو الثقافية أو الاقتصادية.
والتابع، في هذا المفهوم، يشمل كل الفئات المنسحقة المغلوبة على أمرها: العمال والفلاحين والحرفيين وصغار التجار والفئات المهمَّشة كافة، حتى ولو كانت تعمل في وظائف رسمية داخل الدولة.

ولا ننسى أن دراسة خالد فهمي في كل رجال الباشا تُعدّ من أبرز دراسات مدرسة التابع، إذ جعلت من جنود جيش محمد علي نموذجًا لدراسة التاريخ من منظور الطبقات الدنيا.
كما أن الأقليات – سواء العِرقية أو الدينية أو الإثنية – تدخل ضمن هذا التصنيف.

وينوّه الدكتور فهمي إلى أن مصطلح التابع، وإن كان مأخوذًا من غرامشي، فإن أصله اللغوي يشير إلى رتبة دنيا في الجيش يمكن ترجمتها إلى “عريف” أو “نفر”.

وخلال هذه السلسلة من المقالات، سنرى أن حتى بعض العاهرات كنّ مغلوباتٍ على أمرهنّ، إذ تم استدراج بعضهنّ إلى تلك المهنة القميئة، التي تمثّل في حقيقتها امتهانًا قاسيًا للمرأة.
ويذكر التاريخ أن إبراهيم الغرَبي أجبر بعض النساء على العمل بالدعارة، وكان أي بلاغ يُقدَّم حينها للشرطة يُتستّر عليه بمعاونة كبار الضباط الإنجليز في الشرطة المصرية، وعلى رأسهم نائب حكمدار شرطة القاهرة آنذاك.

إن الحديث عن البغاء في مصر في النصف الأول من القرن العشرين يمثل نموذجًا واضحًا لـ”التاريخ من أسفل”.
ورغم صعوبة هذا الموضوع وما يحمله من آلامٍ وفضائع تعرّضت لها بعض العاملات في هذا المجال سيّئ السمعة، وما يمثّله أيضًا من خزيٍ وعارٍ لصورة المجتمع القاهري والمصري عمومًا، فإن التاريخ الحقيقي – لا المزور – يظل هو الأداة الفاعلة للتعلم من الأخطاء.
فالإنسان، في أفضل تعريفاته كما قال الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، هو حيوان ذو تاريخ.

البغاء في مصر

للبغاء في مصر تاريخٌ غريبٌ مليءٌ بالقصص العجيبة.
فقد صدرت أول لائحة لتنظيم بيوت الدعارة في مصر بتاريخ 15 يوليو 1896م، ثم تلتها لائحة ثانية في 19 نوفمبر 1905م، ونُشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 18 نوفمبر 1905 برقم (132).

ونصّت المادة الأولى من هذه اللائحة على تعريف بيت الدعارة بأنه:

“كل محل تجتمع فيه امرأتان أو أكثر من الساقطات اعتدن فعل الفحشاء، ولو كانت كلٌّ منهنّ ساكنة في حجرة منفردة، أو كان اجتماعهن فيه وقتيًّا.”

ويذكر اللواء الدكتور نيازي حتاتة في كتابه الموسوعة العالمية للانحرافات الجنسية أن العاهرات استغللن هذه المادة، إذ نصّت على أن بيت الدعارة لا بد أن يشمل أكثر من امرأة، فتم إفراغ النص من مضمونه، بحيث إن كان في البيت امرأة واحدة فقط لا تُطبَّق عليها أحكام القانون، حتى وإن مارست الفحشاء ليل نهار، بينما يقف رجال البوليس على الأبواب يتفرجون على هذه الأوضاع التي يتجاهلها القانون.

وكانت صاحبة بيت الدعارة تحمل رخصة رسمية، كما أوجبت اللائحة أن تكون كلّ عاهرة حاملة لـ”رخصة / أورنيك 11″ من الشرطة عليها صورتها، تُجدّد سنويًا، مع إلزامها بالكشف الطبي الأسبوعي لدى طبيبٍ مُرخَّص له بذلك.

وفي عام 1949 صدر الأمر العسكري رقم 76 لسنة 1949 بإلغاء بيوت الدعارة المنتشرة في القطر المصري، مع التنبيه إلى أن هذا القانون كان موجّهًا إلى البيوت المنظمة وليس إلى الفعل ذاته.
ثم صدر في عام 1951 القانون رقم 68 الذي ألغى لائحة العاهرات نهائيًا.
وبعد الوحدة مع سوريا في ظل الجمهورية العربية المتحدة، وُحِّدَ تجريم البغاء بموجب القانون رقم 10 لسنة 1961، وهو القانون المعمول به حتى الآن (راجع: الموسوعة الشاملة في الجرائم المخلة بالآداب العامة للمستشار معوض عبدالتواب).

وبين تقنين الدعارة وتجريمها تفاصيل كثيرة وقصص أغرب من الخيال، يصعب جمعها في مقالة واحدة.
وقبل الدخول في تلك التفاصيل، لا بد من توضيح معنى البغاء، لأن ضبط المصطلح في علم الاجتماع – كما في كل العلوم – ضرورة تفرض نفسها على أي دراسة جادة.

عرّفت محكمة النقض البغاء في ظل تجريم بيوت الدعارة بالآتي:
هو “مباشرة الفحشاء مع الناس بغير تمييز، فإن ارتكبه رجل فهو فجور، وإن قارفته أنثى فهو دعارة”، ومن ثم فإن النص ينطبق سواء مارس البغاء رجل أو امرأة في الشقة المؤجرة.
ويُعد هذا أول تعريف يدخل الرجل في دائرة التجريم، حيث كان البغاء قبل تجريم الدعارة يُعرّف بأنه “إباحة المرأة نفسها لارتكاب الفاحشة مع الناس دون تمييز ولقاء أجر”.

الدعارة والجريمة المنظمة

رغم أن المشرّع قنّن الدعارة في اللائحة الصادرة عام 1896، ثم في اللائحة الصادرة عام 1905، فإن الدعارة السرية – التي كانت منتشرة رغم التقنين – تظل أقوى نموذج للجريمة المنظمة في مصر خلال القرن العشرين.

وفي الكتاب القيم للدكتور عبدالوهاب بكر “مجتمع القاهرة السري 1900-1951″، يورد تقرير لجنة فحص موضوع البغاء المرخَّص به في الثلاثينيات، والذي يؤكد أن هناك عددًا عظيمًا جدًا من بيوت الدعارة ومن المومسات اللاتي لا تنطبق عليهن لائحة البغاء.
ويشير التقرير إلى أن عدد المنازل السرية المعدة للبغاء يفوق عدد المنازل المرخّص بها.

كما يورد الدكتور بكر إحصائية تؤكد أن الدعارة السرية كانت منتشرة للغاية في القُطر المصري، وأن دعارة الأجانب كانت ملمحًا مميزًا لبيوت الدعارة في مصر.
وقد تورط بعض القوادين المصريين في تجارة الرقيق الأبيض وجلب المومسات الأوروبيات، وعلى رأسهم إبراهيم الغربي الذي سنفرد له مساحة خاصة لاحقًا لأهميته في تاريخ الدعارة في مصر.

إحصاءات توضح مدى انتشار الدعارة السرية في الثلاثينيات
السنة المقيدات بالدفاتر غير المقيدات وتم ضبطهن
1930 673 1516
1931 773 1601
1932 930 2623
1933 933 2334
1934 926 2717

………………………………………………..

كاتب السردية: باحث في التاريخ الاجتماعي

طالع المزيد:

المحاكمة / سردية

زر الذهاب إلى الأعلى