القس بولا فؤاد رياض يكتب: صوم الميلاد.. صوم المستحيلات
بيان
الصوم هو أقدم وصية عرفتها البشرية، فقد كانت وصية الله لأبينا آدم أن يمتنع عن الأكل من صنف معيّن من شجرة معرفة الخير والشر:
“وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلًا: مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلًا. وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلا تَأْكُلْ مِنْهَا” (تكوين 2: 16–17).
وبهذه الوصية وضع الله حدودًا للجسد، لكن آدم انهزم أمام شهوته، فأخذ الجسد سلطانًا عليه.
الصوم معروف في كل الأديان، حتى غير السماوية منها كالوثنية والبوذية، وهذا يدلّ على عمقه وامتداده منذ القديم. وليس الصوم مجرد وصية، بل هبة إلهية تُعطى للنمو الروحي وثبات الحياة مع الله.
الصوم هو الوقت الصالح لإدخال الله في كل مشكلة، وفيه نقدّم القلب المنسحق الذي يسمعه الرب. وبالصوم الحقيقي يقدر الإنسان أن يلين قلب الله، كما تعلّمنا خبرات الآباء.
ومن محبة الرهبان للصوم جعلوه نهج حياة. فالقديس الأنبا بولا السائح كان يكتفي بنصف خبزة يوميًا وقت الغروب، وأبا نفر السائح كان يتغذّى بالبلح من نخلة في مكان تواجده، والأنبا موسى السائح كان يأكل من حشائش البرية. أما كثيرون من العلمانيين (غير الرهبان) فينتقلون من نقيض إلى نقيض: صوم فيه منع كامل، يعقبه فطر بلا ضابط… فيتذبذبون بين المنع والمنح.
أما الصوم الحقيقي فهو الذي يدرّب الإنسان على ضبط النفس حتى يصبح ذلك منهج حياة يستمر في أيام الفطر كما الصوم. بهذا يكون الصوم بركة نافعة لحياتنا، لا عقوبة بل نعمة.
الصوم من الناحية الجسدية هو انقطاع عن الطعام فترة، يعقبها طعام خالٍ من الدسم الحيواني. وقد خلق الله الإنسان نباتيًا في البدء، إذ قال لآدم وحواء:
“إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْلٍ يُبْزِرُ بِذْرًا… وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِذْرًا. يَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا” (تكوين 1: 29).
وبعد السقوط قال له:
“وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ” (تكوين 3: 18).
وكان آدم نباتيًا ومع ذلك عاش 930 عامًا (تكوين 5: 5)، وكذلك أبناؤه، ولم يُسمح للإنسان بأكل اللحوم إلا بعد فلك نوح.
لماذا نأكل السمك في صوم الميلاد؟
سمحت الكنيسة بالسمك في أصوام الدرجة الثانية فقط (صوم الميلاد – صوم الرسل – صوم السيدة العذراء)، لأسباب رعوية وللتخفيف على المؤمنين بسبب كثرة ايام الصوم واحتياج البعض للبروتين الحيواني.
ومن أسباب اختيار السمك دون غيره من اللحوم:
1. كلمة “سمكة” باليونانية (ἰχθύς – إخسوس) وهي تجميع للحروف الاولى من الكلمات اليونانية: ايسوس بخرستوس ثيئوس ايوس سوتير، ومعنى العبارة: يسوع المسيح ابن الله المخلّص، وكانت علامة يتعرّف بها المسيحيون قديمًا. وما تزال هي علامة ورمز مجلس كنائس الشرق الأوسط.
2. السمك يُعدّ من أطهر الحيوانات لأن أغلبه يتكاثر دون اقتران واضح، ودون تزاوج فعلي.
3. للسمك حضور في معجزات المسيح كصيد السمك وإشباع الجموع، كما أكل المسيح سمكًا بعد القيامة.
4. لحم السمك أخفّ ولا يثير الشهوة مثل لحوم الحيوانات، وهو يناسب هدف الصوم.
الصوم ليس مجرد عمل جسدي بلا روح؛ لأن كل عمل لا تشترك فيه الروح لا يُعدّ فضيلة. فدور الجسد في الصوم هو تمهيد لعمل الروح، وتعبير عن مشاعرها. الصوم ليس تجويعًا للجسد، بل غذاء للروح، وليس تعذيبًا بل ارتقاء بالجسد ليتعاون مع الروح.
الصوم ليس الجسد الجائع، بل الجسد الزاهد.
والروح في أيام الصوم تجذب الجسد إلى فوق، ليشاركا معًا في عمل روحي متكامل، فنصلي بجسد صائم وبقلب صائم.
حين يقول الكتاب: “قَدِّسُوا صَوْمًا” (يوئيل 1: 14)، فهو يدعونا أن نجعل أيام الصوم مقدسة، مخصصة للرب.
صوم الميلاد هو 43 يومًا: أربعون يومًا مثل صوم موسى قبل استلام الشريعة، وثلاثة أيام تذكارًا للمعجزة التي حدثت في عهد المعزّ لدين الله الفاطمي مع البابا الأنبا إبرآم بن زرعة.
ولهذا سُمّي صوم المستحيلات، لأننا نتذكّر فيه مستحيلين تحقّقا:
استحالة أن تحبل العذراء وتلد، واستحالة انتقال جبل المقطم.
كل سنة ومصر بخير، بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني
……………………………………………………………….
كاتب المقال: كاهن كنيسة مارجرجس المطرية القاهرة





