الشريك المفضل للبنتاجون فى سوريا.. لماذا تغير واشنطن تحالفاتها؟!

مصادر – بيان

التواجد العسكري الأمريكي في سوريا، يُعد واحداً من أعقد وأكثر الملفات الشائكة في السياسة الخارجية الأمريكية المعاصرة، ففي ظل مهمة رسمية تركز على مكافحة فلول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، اضطرت واشنطن إلى بناء تحالفات محلية غير تقليدية لضمان بقائها.

هذا المسار، الذي يتجسد في “شراكة جديدة” حاسمة، يضع التزام الولايات المتحدة ببعض أهم “تحالفاتها القديمة” على المحك، خاصة في علاقتها مع تركيا.

أولاً: الضرورة الاستراتيجية للشراكة الجديدة

القوات الأمريكية في شمال وشرق سوريا (والمقدر عددها بـ 900 جندي) تعتمد بشكل شبه كامل على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كشريك أساسي ووحيد على الأرض.

هذه الشراكة، التي ولدت من ضرورة الحرب على داعش، تحولت إلى ركيزة لثلاثة أهداف استراتيجية أمريكية:

أولا: استمرار مكافحة داعش، حيث تظل “قسد” هي القوة الأكثر فعالية في تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب، وحماية مخيمات الاعتقال والسجون التي تضم عناصر التنظيم.

ثانيا: احتواء النفوذ الإيراني، حيث يعد التواجد الأمريكي شرق الفرات حاجزاً جغرافياً مهماً أمام التوسع الإيراني عبر سوريا نحو لبنان.

وعلى الرغم من التوتر، يتيح هذا التواجد خطوط اتصال غير مباشرة مع القوات الروسية لتفادي الاحتكاك العسكري المباشر، وبالتالى فهو إدارة الصراع مع روسيا.

في هذا الإطار، أصبحت “قسد” – ذات الأغلبية الكردية – هي الشريك المفضل لوزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، وهو ما يمثل لب النزاع مع الحلفاء التقليديين.

ثانياً: التكلفة الباهظة على التحالفات القديمة (تركيا كنموذج)

إن الثمن الاستراتيجي لهذه “الشراكة الجديدة” هو التسبب في أزمة ثقة عميقة مع حليف الناتو الأساسي في المنطقة وهو تركيا.

وتنظر أنقرة إلى المكون الكردي المهيمن في “قسد” على أنه امتداد مباشر لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف كمنظمة إرهابية دولياً، وبالتالي، فإن الدعم الأمريكي بالعتاد والتدريب لـ “قسد” يُنظر إليه في تركيا على أنه تهديد مباشر لأمنها القومي.

وردت تركيا على هذه الشراكة بشن عمليات عسكرية متكررة عبر الحدود (مثل عملية نبع السلام)، مما يضع القوات الأمريكية نفسها في وضع حرج، حيث تتعرض لحصار شبه مباشر من قوة حليفة في الناتو.

وهذا الخلاف دفع تركيا نحو تعميق علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع روسيا، وشراء أنظمة دفاعية مثل “إس-400″، مما يهدد وحدة حلف الناتو ويقلل من نفوذ واشنطن في إحدى أهم قواعدها الإقليمية (إنجيرليك).

ثالثاً: التحديات الإقليمية والدولية الأخرى

ولا يقتصر اختبار التحالفات على تركيا وحدها، بل يمتد ليشمل قوى إقليمية أخرى كالتالى:

حلفاء الخليج: قد ينظر بعض الحلفاء العرب التقليديين، خاصة في الخليج، إلى التواجد الأمريكي كعامل لعرقلة تطبيعهم المحتمل مع دمشق، بينما قد يرى آخرون أن الإبقاء على موطئ قدم أمريكي مهم لاحتواء إيران، وهذا التناقض يزيد من تعقيد السياسة الإقليمية.

وتتعرض القواعد الأمريكية في سوريا لهجمات متكررة من المليشيات المدعومة من إيران، خاصة بعد تصاعد التوترات في غزة، هذا يفرض على واشنطن تحدي الاحتواء دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

وروسيا، كقوة ضامنة لنظام الأسد، تستغل التوتر الأمريكي-التركي لتعزيز نفوذها، وأي تراجع أمريكي محتمل سيترك فراغاً تملؤه موسكو، مما يقوض الهدف الأمريكي بعيد المدى المتمثل في تقليل النفوذ الروسي في المنطقة.

الخلاصة

تُظهر الشراكة الأمريكية مع “قسد” في سوريا كيف يمكن للأهداف التكتيكية (مكافحة داعش) أن تتعارض بشكل حاد مع المصالح الاستراتيجية طويلة الأجل (وحدة الناتو وعلاقات الحلفاء).

إن واشنطن محصورة بين خيارين صعبين: إما التخلي عن الشريك المحلي الفعال والمخاطرة بعودة داعش، أو الإبقاء على هذا الشريك وتعميق أزمة الثقة مع حليفتها الرئيسية تركيا، مما يهدد وحدة الحلف الغربي.

ويبقى التحدي الأكبر للإدارة الأمريكية هو إيجاد صيغة دبلوماسية تضمن استمرار العمليات المضادة للإرهاب دون تفكيك تحالفاتها التاريخية، وهي مهمة باتت أكثر صعوبة مع تزايد التوترات في المنطقة.

طالع المزيد:

قسد تنفي رواية دمشق حول هجوم الدويلعة: ” لا علاقة لمخيم الهول بالمنفذين “

زر الذهاب إلى الأعلى