القس بولا فؤاد رياض يكتب: الوطن المنقسم على ذاته يخرب
بيان
«كلُّ مملكةٍ منقسمةٍ على ذاتها تخرب، وكلُّ مدينةٍ أو بيتٍ منقسمٍ على ذاته لا يثبت» (متى 12: 25).
إن ما نشهده اليوم من معارك وهمية تُضرب بها أسس الدولة، وإعلامٍ يروّج للخرافات، وتطبيلٍ يُحوِّل الشر إلى خير، وضربٍ لعقائد ومعتقدات مستقرة وراسخة، وتشكيكٍ في الكتب المقدسة، هو خطر حقيقي يهدد تماسك المجتمع المصري.
لقد خرجت علينا إحدى مذيعات قناة «القاهرة والناس» بتصريحات استفزازية خلال الأيام الماضية، فتارةً تدّعي تجنيد مئة ألف مسيحي لتحسين صورة إسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية ودعم الصهيونية، وهو ادعاء يكشف عن غياب إدراك حقيقي لطبيعة المفاهيم التي تتناولها، وعن قصور واضح في التمييز بين الدين كإيمان روحي، والتيارات الدينية حين تتحول إلى أدوات سياسية.
فالصهيونية المسيحية ليست دينًا، ولا مذهبًا مسيحيًا، ولا تمثل المسيحية كإيمان، ولا تعبّر عن الكنائس التاريخية، وعلى رأسها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. كما يظهر خلط واضح بين الصهيونية كأيديولوجية سياسية، وبين طائفة الإنجيليين كتيار ديني.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى درجة من الجهل المعرفي حين زعمت أن سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي، بينما الثابت تاريخيًا وأكاديميًا أن السفر كُتب في القرن الثامن قبل الميلاد، وقد قرأ السيد المسيح نفسه منه في المجمع، إذ يقول الإنجيل:
«فدُفع إليه سفر إشعياء النبي، ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه» (لوقا 4: 17).
وفي الوقت ذاته، تتزامن هذه التصريحات مع حوادث اختفاء قسري متعددة للفتيات، وجرائم غريبة عن ثقافة وتاريخ المصريين، والمؤسف أن كثيرين يقفون موقف المتفرج، وكأنهم غير مدركين لما ينخر في أسس الدولة وعوامل تماسك المجتمع.
إن استمرار هذه المشاهد دون تدخل حاسم لا يصب في مصلحة الوطن، فالنار إن اشتعلت ستطال الجميع. فالبساطة الساذجة في الطرح، والثقة المفرطة في ترديد عبارات من نوعية «بيقولوا»، دون مصادر أو تدقيق، تفتح الباب لتضليل الرأي العام وضرب الثوابت.
وقد قالت المذيعة نصًا:
«فيه كثير من الباحثين في العلوم الدينية بيقولوا إن سفر إشعياء اتكتب في القرن الخامس عشر الميلادي… وبالتالي هناك تدخل سياسي في صياغة النصوص الدينية لخدمة مصالح القوى الاستعمارية الداعمة لإسرائيل».
وهنا تكمن المهزلة، إذ بُنيت فرضية خطيرة على عبارة مطاطة هي «بيقولوا»، ثم جرى الانتقال منها إلى اتهام صريح بإعادة صياغة النصوص الدينية لخدمة مصالح سياسية. وهذه جريمة إعلامية مهنية مكتملة الأركان، يعرف خطورتها كبار العاملين في المجال الإعلامي. فحتى من مارسوا من قبل لعبة «دس السم في العسل» كانوا على الأقل أكثر حذرًا واحترامًا لعقول الناس.
إن النص الديني المشار إليه هو أحد أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس، الذي تؤمن به الكنائس المسيحية في مصر والعالم بعهديه القديم والجديد. والعهد القديم هو التوراة، والادعاء بأن أحد أسفاره كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي هو طعن مباشر في الديانتين اليهودية والمسيحية معًا، وليس مجرد رأي يُطرح في برنامج «توك شو».
لقد حاول كثيرون عبر ألفي عام التشكيك في الكتاب المقدس، وردّت الكنيسة والعلماء على ذلك بآلاف الكتب والدراسات. لكن ما يستوقفنا هنا هو سهولة الطرح، وخطورة المنبر الإعلامي المستخدم. فنحن لسنا أمام قناة متطرفة أو جماعة معروفة بعدائها للعقائد، بل أمام قناة تُوصَف بالليبرالية والانفتاح. فهل تسمح الحرية بازدراء الأديان ونشر معلومات تاريخية كاذبة بهذه البساطة؟
وماذا لو جرى استخدام المنهج نفسه – لا قدر الله- للتشكيك في القرآن الكريم؟ هل كان الأمر سيمرّ بهذه السهولة؟ وهل يكفي أن ننقل مقاطع لمشككين أو ملحدين ثم نبني عليها فرضيات سياسية ودينية خطيرة تحت شعار «باحثين بيقولوا»؟
هل من الصعب أن نستشهد بأقوال أحد مشاهير الإلحاد، وهم باحثون أيضًا، ثم نطرح فرضية زعمهم لعدم وجود الله – حاشا لله – ونبني عليها معلومات سياسية، متخذين من عبارة «بيقولوا» منهجًا علميًا للبحث؟!.
لقد تعودنا منذ عقود على ما يُسمى «إهداءات» ما قبل الاحتفال بالأعياد؛ منها ما انفجر في صدورنا، ومنها ما انفجر في مجتمعاتنا من ممارسات عنف، وقنابل، وتكفير، وازدراء، وتحقير، وغيرها. إلا أن الجاني في كل تلك الحالات كان معروف التوجه والانتماء. هكذا اعتدنا المشهد، بينما جاءت قنبلة هذا العيد على غير العادة من إحدى أكثر المؤسسات الإعلامية ليبرالية، أو هكذا كنا نفترض.
إن ما فعلته هند الضاوي هو بلا شك جريمة ازدراء صريحة لكل من الديانة المسيحية والديانة اليهودية، ونؤكد أن صبغ الرسائل الدينية بصيغة سياسية لتمريرها يُعد جريمة إعلامية شديدة الانحطاط. فالبساطة المدهشة في ازدراء ديانتين من الديانات السماوية أمر يثير الدهشة والقلق معًا.
إن سكب مزيد من زيت الاشتعال في هذه الأوقات الحرجة هو جريمة مكتملة الأركان، جريمة هدم وطن، كان ينبغي له أن يكون متماسكًا وقويًا لمواجهة التحديات الخارجية، لا أن يُضرب في وحدته الداخلية على هذا النحو العبثي والخطير.
ما صدر هو بلا شك ازدراء صريح للديانتين المسيحية واليهودية، وصبغ الرسائل الدينية بصيغة سياسية لتمريرها يُعد جريمة إعلامية أخلاقية ومهنية. وسكب مزيد من زيت الاشتعال في هذا التوقيت الحرج هو جريمة في حق الوطن، الذي ينبغي أن يكون متماسكًا في مواجهة التحديات الخارجية.
وكما قال السيد المسيح:
«كلُّ مملكةٍ منقسمةٍ على ذاتها تخرب، وكلُّ مدينةٍ أو بيتٍ منقسمٍ على ذاته لا يثبت» (متى 12: 25).
إن ما بُث على شاشة قناة «القاهرة والناس» بشأن سفر إشعياء قول باطل تاريخيًا وعلميًا، ومخالف لإجماع المراجع الأكاديمية والدينية التي تقرر أن السفر يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. ويُعد ذلك مخالفة مهنية وقانونية جسيمة، تتمثل في:
– نشر معلومات غير صحيحة،
– الإخلال بواجب التحقق، وتضليل المشاهدين في موضوع ديني وتاريخي بالغ الحساسية،
– مخالفة لميثاق الشرف الإعلامي الذي يوجب تحري الدقة والصدق.
– امتناع القناة عن التصحيح الفوري يُعد استمرارًا للمخالفة، ويُحمّل إدارة القناة المسؤولية القانونية والمهنية.
ومن ثم نطالب بفتح تحقيق عاجل، ومساءلة المتسببة تأديبيًا، وإلزام القناة بتصحيح رسمي وصريح على الهواء، مع تقديم اعتذار واضح، واتخاذ ما يلزم من إجراءات مهنية وقانونية.
إنني أتساءل: ما الهدف من وراء هذه التصريحات التي تزعزع الاستقرار؟ وأقول للسيدة المعنية: عيب التدليس، وعيب صناعة «التريند» على حساب الحقيقة. فنحن كمصريين نحب وطننا، ونريده متماسكًا كنسيج واحد، ولا نريد له أن يكون نموذجًا للفوضى أو الانقسام.
نصلي من أجل دوام وحدة الوطن وعدم انقسامه، بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.
وكل عام ومصر بخير، بعام جديد ٢٠٢٦، وأطيب التهاني القلبية لفخامة الرئيس، ولكل مؤسسات الدولة، وللشعب المصري الأصيل، بمناسبة بداية العام الجديد وأعياد الميلاد المجيدة.
تحيا مصر، تحيا مصر.
………………………………………………………….
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية





