القس بولا فؤاد رياض يكتب: عيد الغطاس والفولكلور الشعبي

بيان

تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في يوم ١١ طوبة، الموافق ١٩ يناير (اليوم) من كل عام، بعيد الغطاس المجيد.
فما هو عيد الغطاس؟
عيد الغطاس هو عيد يحيي ذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، وفيه أُعلن الثالوث القدوس بوضوح لأول مرة، إذ سُمع صوت الآب من السماء قائلاً:
«أنت ابني الحبيب الذي به سُررت» (مرقس ١: ١١).
ماذا حدث في عيد الغطاس؟
عندما كان يسوع يعتمد في نهر الأردن، كان الابن في ماء النهر، والروح القدس نازلاً عليه بهيئة حمامة، والآب يعلن صوته من السماء، فكان ثالوثًا في واحد وواحدًا في ثالوث، ولذلك يُسمى العيد بعيد الظهور الإلهي.
الدليل الكتابي:
«فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السموات قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت» (متى ٣: ١٦–١٧).
وكذلك شهادة يوحنا المعمدان كما وردت في إنجيل يوحنا (يوحنا ١: ٣٢–٣٤).
لماذا اعتمد السيد المسيح رغم أنه بلا خطية؟
ليقدس مياه المعمودية، وليعطينا مثال الطاعة والتواضع، وليؤسس سر المعمودية للخلاص، إذ قال ليوحنا:
«اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر» (متى ٣: ١٥).
المعنى الروحي للعيد:
الغطاس يعني بداية حياة جديدة، والمعمودية غسل من الخطية وولادة ثانية من الماء والروح، كما أنها إعلان أن الله قريب ويعمل في حياة الإنسان.
لماذا نفرح في عيد الغطاس؟
لأنه إعلان محبة الله للإنسان، وبداية رسالة الخلاص، ودعوة لنا أن نعيش كأبناء لله. فعيد الغطاس هو ذكرى معمودية السيد المسيح، وإعلان الثالوث القدوس، وبداية طريق الخلاص.
من مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس «عيد الأنوار» (فلكلور شعبي):
١- الغطاس عيد شعبي كان يحتفل به جميع المصريين بالنزول إلى الماء والغطس فيه، رغم برودة الطقس في شهر طوبة. ويصف المؤرخ ابن إياس (١٤٤٨–١٥٢٣) احتفال المصريين قديماً قائلاً إن نهر النيل كان يمتلئ بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها المسلمون والمسيحيون، وتُزين المراكب بالقناديل وتُشعل الشموع، وكذلك على جانبي النهر، ويُشعل آلاف المشاعل والفوانيس، ولا يُغلق في تلك الليلة دكان ولا سوق، ويغطس الناس في النيل بعد العشاء، ويعتقدون أن من يغطس في تلك الليلة يأمن من الضعف طوال السنة (ابن إياس – المقريزي – المسعودي).
وقد مُنع المسيحيون من الغطس في النيل ابتداءً من القرن الحادي عشر بأمر من الحاكم بأمر الله، فاستُبدل الغطس بتقديس المياه في مغاطس الكنائس والأديرة.
٢- من أبرز مظاهر الاحتفال بعيد الغطاس تناول القلقاس والقصب والبرتقال واليوسفي والزلابية وغيرها من الأطعمة التي ترمز جميعها إلى المعمودية:
١) القلقاس:
يرمز إلى تحول المادة السامة فيه بالماء إلى نافعة، كما تتحول النفس بالمعمودية من الفساد إلى الطهارة.
ويرمز خلع قشرته إلى خلع الإنسان العتيق وثياب الخطية، ولبس ثياب النقاوة.
كما يشبه دفنه في الأرض ثم خروجه صالحًا للأكل، الدفن والقيامة مع المسيح في المعمودية (راجع رومية ٦: ٣–٤).
وفي صعيد مصر اعتاد البعض ترك الأواني فوق الأسطح لتغسلها الأمطار والندى الكثيف في ليلة العيد، اعتقادًا بأن ذلك علامة لغسل الخطايا وبشارة لعام مملوء بالمحبة.
٢) القصب:
يرمز إلى النمو الروحي، إذ ينمو مستقيمًا في الأماكن الحارة، فيشير إلى نمو الإنسان في الفضائل تحت حرارة الروح القدس.
حلاوته الداخلية ترمز إلى حلاوة الفضيلة ونقاوة القلب.
وقشرته الصلبة مع جوفه الحلو ترمز إلى احتمال المشقات مع فرح القلب النقي، كما قال الرب:
«طوبى لأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله» (متى ٥: ٨).
٣) البرتقال واليوسفي:
يأتي البرتقال في موسمه مع عيد الغطاس، ويحتوي على ماء كثير ذي مذاق طيب، يرمز إلى مياه المعمودية والولادة الجديدة من الماء والروح.
والزيت العطري الخارج من قشرته يرمز إلى زيت الميرون.
كما تُستخدم قشوره لصنع فوانيس تُضاء بالشموع تُعرف باسم «البلابيصا»، وترمز إلى نور المسيح الذي يضيء العالم.
ونزع القشرة الخارجية يرمز إلى خلع الخطايا وظهور القلب الأبيض النقي.
وتُزين قشوره بأشكال الصليب أو الشموع، تعبيرًا عن الفرح الروحي، خاصة للأطفال.
٤) الزلابية:
تقليد شعبي يرمز إلى بركة المعمودية، إذ تُصنع من عجينة بسيطة وتُقلى في الزيت وتُحلّى بالعسل أو السكر.
ويرتبط شكلها الطويل بأصبع يوحنا المعمدان الذي أشار إلى المسيح قائلاً:
«هوذا حمل الله» (يوحنا ١: ٣٦).
ويُعتقد أن عجينتها المختمرة في ليلة العيد تصبح «خميرة مباركة»، ترمز إلى انتشار النعمة والحياة الجديدة.
كما يرمز تغطيس الزلابية والمشبك وبلح الشام في الزيت إلى تغطيس السيد المسيح في نهر الأردن.
ومن مظاهر الاحتفال في بعض بلدان العالم تناول كعكة عيد الغطاس المعروفة بكعكة الملك في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك المأكولات التقليدية في إيطاليا.
وكان حكام الدولة الفاطمية يوزعون في عيد الغطاس الليمون والقصب والسمك البوري على الموظفين.
كما اعتاد الناس حمل ماء لقان عيد الغطاس لرش منازلهم طلبًا للبركة.
ومن التراث الشعبي أن تضع الأم برتقالة وعود قصب تحت وسادة كل طفل ليكون أول ما يراه صباح العيد.
وكان الأطفال يرددون أغانٍ شعبية مثل:
«يا ليلة الغطاس يا فرحة كل الناس».
وتُختتم الاحتفالات بالصلاة والدعاء أن يمنح الله الشفاء لقداسة البابا تواضروس، ويحفظ مصر ورئيسها، وينشر السلام في العالم كله.
وكل عام ومصرنا الحبيبة بخير وسلام.

……………………………………………………………………………………..

كاتب المقال: كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة

اقرأ أيضا للكاتب:

زر الذهاب إلى الأعلى