تقرير إسرائيلى: دليل التدخل الأجنبي في القرن الأفريقي

مصادر – بيان

تحت عنوان «دليل التدخل الأجنبي في القرن الأفريقي: مصالح وأساليب مشاركة الجهات الفاعلة الرئيسية»، نشر معهد الدراسات الأمنية المشتركة (JISS) الإسرائيلي تقريرًا تحليليًا معمقًا يتناول تصاعد التنافس الدولي والإقليمي في منطقة القرن الأفريقي، مسلطًا الضوء على دوافع القوى الخارجية، وأدوات تدخلها، وتداعيات هذا الحضور المتنامي على أمن واستقرار الإقليم.

القرن الأفريقي: من هامش جغرافي إلى مركز صراع استراتيجي

يرى التقرير أن القرن الأفريقي لم يعد مجرد فضاء جغرافي طرفي، بل تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى ساحة مركزية للصراع الجيوسياسي العالمي، بفعل موقعه الفريد عند تقاطع أفريقيا والشرق الأوسط، وإشرافه المباشر على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات المائية حيوية في النظام التجاري العالمي.

ويؤكد التقرير أن هذه الخصائص جعلت المنطقة نقطة التقاء – وتصادم أحيانًا – بين المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى.

ويشير التقرير إلى أن التدخل الأجنبي، رغم مساهمته أحيانًا في تعزيز القدرات الأمنية لبعض الدول، أدى في الوقت ذاته إلى تعميق التنافس الخارجي، وزيادة الاعتماد على القوى الدولية، بل وأسهم في بعض الحالات في تفاقم حالة عدم الاستقرار البنيوي داخل عدد من دول الإقليم.

أولًا: الولايات المتحدة

يُبرز تقرير JISS أن الولايات المتحدة تنظر إلى القرن الأفريقي من زاوية أمنية بالأساس، حيث تعتبره جبهة متقدمة في الحرب العالمية على الإرهاب، ولا سيما في مواجهة التنظيمات الجهادية مثل «حركة الشباب» في الصومال.

كما يمثل الإقليم عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية لضمان حرية الملاحة البحرية، ومنع أي تهديد محتمل لحركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر.

ويُعد الوجود العسكري الأمريكي في جيبوتي (معسكر ليمونير) حجر الزاوية في هذا التوجه، إذ يمنح واشنطن قدرة عالية على المراقبة والتحرك السريع، ليس فقط في القرن الأفريقي، بل في الشرق الأوسط أيضًا.

وبالتوازي، تعتمد الولايات المتحدة على مزيج من الأدوات الدبلوماسية والمساعدات الاقتصادية والتعاون الاستخباراتي مع دول مثل الصومال وكينيا وإثيوبيا وجيبوتي.

ويضع التقرير هذا الانخراط في إطار التنافس بين القوى العظمى، حيث تسعى واشنطن إلى احتواء النفوذ الصيني والروسي المتنامي، ومنع تحولهما إلى قوى مهيمنة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

ثانيًا: الصين

يؤكد معهد الدراسات الأمنية المشتركة أن الدور الصيني في القرن الأفريقي يتسم بطابع اقتصادي-استراتيجي واضح، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبادرة «الحزام والطريق»، فالصين ترى في الإقليم حلقة وصل أساسية بين الأسواق الأفريقية والممرات البحرية الدولية.

وبحسب التقرير، ضخت بكين استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية، شملت الموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة، والاتصالات، خصوصًا في إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا. وقد أسهمت هذه الاستثمارات في تعزيز الاعتماد الاقتصادي لدول المنطقة على الصين، مانحةً إياها نفوذًا سياسيًا متزايدًا.

ويشير التقرير إلى أن إنشاء الصين أول قاعدة عسكرية خارج أراضيها في جيبوتي يعكس انتقالها من النفوذ الاقتصادي البحت إلى الحضور الأمني، بهدف حماية مصالحها التجارية وتأمين خطوط إمدادها، مع تقديم نموذج بديل للمساعدات الغربية المشروطة، وهو ما لقي قبولًا لدى عدد من الحكومات الأفريقية.

ثالثًا: روسيا

يرصد التقرير تنامي الحضور الروسي في القرن الأفريقي ضمن سياق أوسع لإعادة تموضع موسكو عالميًا، خاصة بعد تدهور علاقاتها مع الغرب عقب الحرب في أوكرانيا.

وتعتمد روسيا، وفق JISS، على أدوات أقل كلفة نسبيًا، مثل مبيعات السلاح، واتفاقيات التعاون الأمني، وتدريب القوات المحلية، إضافة إلى استخدام شركات عسكرية خاصة.

ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا بالسودان، حيث تسعى روسيا إلى الحصول على موطئ قدم بحري على البحر الأحمر، وهو هدف استراتيجي بالغ الأهمية بعد تراجع نفوذها في شرق المتوسط.

ويرى JISS أن هذا التوجه يعكس رغبة روسية في كسر الطوق الغربي، وتأمين منفذ بحري دائم يعزز قدرتها على المناورة الاستراتيجية.

رابعًا: تركيا

يصف التقرير التدخل التركي في القرن الأفريقي بأنه متعدد الأبعاد، يجمع بين الاعتبارات الأيديولوجية والاقتصادية والأمنية.

وتبرز الصومال كنقطة ارتكاز رئيسية للسياسة التركية، حيث أنشأت أنقرة قاعدة عسكرية، واستثمرت في البنية التحتية، وقدمت مساعدات إنسانية واسعة.

ويرى JISS أن هذا النموذج مكّن تركيا من ترسيخ نفوذها في دولة تعاني من هشاشة مؤسساتية، ومنحها حضورًا مؤثرًا قرب الممرات البحرية الحيوية، في سياق تنافس إقليمي محتدم مع قوى أخرى.

خامسًا: الفاعلون الإقليميون

يشير التقرير إلى أن السعودية والإمارات تنظران إلى القرن الأفريقي من منظور حماية طرق التجارة والطاقة، مع اختلاف في الأدوات؛ إذ تركز الرياض على الاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية، بينما تعتمد أبوظبي نهجًا جيواقتصاديًا أكثر حدة، يرتكز على السيطرة على الموانئ وشبكات الخدمات اللوجستية.

أما مصر، فيربط التقرير انخراطها في المنطقة بقضية الأمن المائي وسد النهضة، إلى جانب حماية الملاحة في البحر الأحمر، من خلال وجود بحري محدود، وتعاون أمني مع دول الإقليم.

في المقابل، تتحرك إيران بهدوء، معتمدةً على القوة الناعمة الدينية، وبناء شبكات نفوذ غير مباشرة، واستخدام بعض دول القرن الأفريقي كنقاط عبور لدعم حلفائها الإقليميين، في إطار صراعها الأوسع مع خصومها الإقليميين والدوليين.

اعتراف إسرائيل بصوماليلاند

يفرد تقرير JISS حيزًا مهمًا لتحليل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، معتبرًا إياه خطوة استراتيجية تتجاوز البعد الدبلوماسي، وترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، ومواجهة التهديدات المتزايدة، خاصة من الحوثيين وإيران.

ويرى التقرير أن هذه الخطوة تمنح إسرائيل عمقًا استراتيجيًا إضافيًا، لكنها في الوقت نفسه تثير حساسيات إقليمية، وتضعها في مواجهة غير مباشرة مع قوى مثل تركيا ومصر والسعودية، بينما تلقى ترحيبًا أو تفهمًا عمليًا من أطراف أخرى مثل الإمارات وإثيوبيا.

توازنات معقدة ومخاطر مفتوحة

يخلص معهد الدراسات الأمنية المشتركة (JISS) إلى أن القرن الأفريقي بات مسرحًا مفتوحًا لتنافس متعدد المستويات، حيث تتداخل المصالح العالمية والإقليمية في بيئة هشة سياسيًا وأمنيًا.

ويؤكد أن أي تحرك أحادي – مهما كان محدودًا – قد يفضي إلى إعادة رسم التوازنات، بما يحمله ذلك من فرص ومخاطر في آن واحد.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذا التنافس دون أطر تنسيق إقليمية ودولية فعالة قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لأمن التجارة والطاقة والنظام الدولي ككل.

…………………………………………………………………

المصدر: معهد الدراسات الأمنية المشتركة (JISS)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى