رسائل اليقين في رحاب الهجرة النبوية
سردية تكتبها: رشا ضاحى
كلما أطلَّ علينا شهرُ مُحرَّم من كل عام، مُعلنًا بدايةَ عامٍ هجريٍّ جديد، أتأمل هذه الآية الكريمة من سورة التوبة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة: ٤٠].
والحقيقة أنني أجد هذه الآية مليئة برسائل اليقين التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها، فاسمحوا لي أن أتدبر معكم هذه الرسائل.
الرسالة الأولى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾
عندما تشعر أنك وحيدٌ وسط الابتلاء، ضع هذه الرسالة أمام عينيك؛ لتدرك أن النصر من عند الله عز وجل وحده. ولو اجتمعت عليك كل جيوش البلاء، فإن الله سينصرك ولو بعد حين، ويشفي صدرك، ويضمد جراحك.
الرسالة الثانية: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾
مهما كنت في سعةٍ من الرزق، فإنك تحتاج إلى الصديق؛ فهو مؤنسٌ في الرخاء، وعُدَّةٌ عند البلاء، يرسم الابتسامة عند الألم، وعند اليأس يسكب في القلب الأمل.
الرسالة الثالثة: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾
من قلب هذا الغار الضيق انطلقت أعظم رحلة في التاريخ، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سنوات فاتحًا لمكة التي أخرجته.
فلا تيأس من ضيق تعيشه اليوم، فقد يجعل الله من أشد اللحظات عسرًا بدايةً لفرجٍ قريب، ومن أصعب المحن أبوابًا للفتح والتمكين.
الرسالة الرابعة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾
من أنفس الأصحاب مَن يعرف شكواك قبل أن تنطق بها، ويكون لك بلسمًا في وقت المحن.
إن الصاحب لا يستطيع أن يغير العاصفة من أجلك، ولكنه يستطيع أن يكون بجانبك حتى تمر، وهذا هو الصاحب الذي يذكرك بمعية الله جل وعلا.
فمتى ما تعلقت القلوب بخالق السماوات، ارتوت من نبع الأمن والطمأنينة والثبات.
الرسالة الخامسة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾
نزول السكينة من تمام نعمة الله على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش بها الأفئدة، وهي تكون على قدر معرفة العبد بربه، وثقته بوعده الصادق، وبحسب إيمانه وشجاعته.
فكان نزول السكينة نصرًا نفسيًّا، وإنزال الملائكة نصرًا حسيًّا، فمن رزقه الله السكينة في وقت البلاء، فقد رزقه الرضا وصلاح البال.
الرسالة الأخيرة: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
مهما اشتد الكرب، وعلا الفساد، فإنه علوٌّ زائف؛ لأن كلمة الله هي العليا، ولأنه سبحانه العزيز الحكيم،فعزته تعالى تدعوك إلى الخضوع له، وحكمته تدفعك إلى طاعته، راغبًا في الخير الكامن فيما يأمرك به.
وفي ختام هذه الرسائل، ندرك أن الهجرة النبوية ليست مجرد ذكرى نحتفي بها، بل هي مدرسة متجددة في اليقين والثقة بالله.
فمهما اشتدت المحن، وضاقت السبل، تبقى هذه الآية الكريمة نورًا يبدد الخوف، ويغرس في القلوب السكينة والثبات، ويذكرنا دائمًا بأن نصر الله قريب، وأن تدبيره سبحانه خيرٌ من كل ما نرجوه.
فلنستقبل عامنا الهجري الجديد بقلوبٍ موقنةٍ بمعية الله، مستمسكةٍ بوعده، مرددةً في كل شدة:﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.





