د. محمد إبراهيم بسيوني يكتب: كيف يهزم الخطاب الشعبوي العلم في المجتمعات العربية؟!

بيان

في تجربة مشهودة في مصر خلال السنوات الماضية، استطاع شخص واحد يجمع بين خطاب شعبوي بسيط وثقة زائدة وخلطة من الدين والطب التقليدي أن يجذب ملايين المصريين، ويحظى بتأييد واسع، ويُروَّج له كـ«منقذ» و«عالم»، رغم ضعف الأدلة العلمية على كثير من ادعاءاته.

في المقابل، واجه المتخصصون والعلماء الحقيقيون صعوبة بالغة في تصحيح المعلومات أو الحد من التأثير، بل فضّل كثير من الجمهور الخطاب العاطفي الجازم على الحقائق العلمية المدعومة بدراسات وبيانات.
تُثبت الدراسات في علم النفس الاجتماعي وعلم الاتصال أن الخطاب الشعبوي يتفوق على الخطاب العلمي في المجتمعات ذات التعليم المتوسط والثقة المنخفضة في المؤسسات، وذلك لأسباب معرفية مثبتة وبيانها كالتالى:

أولاً: تحيز التأكيد (Confirmation Bias)، إذ يميل الناس بطبيعتهم إلى تقبل المعلومات التي تتوافق مع معتقداتهم السابقة ورفض ما يناقضها.

ثانياً: تأثير السلطة الزائفة وتأثير الهالة (Authority Bias & Halo Effect)، فيمنح المتحدث الواثق الذي يستخدم لغة دينية أو شعبية هالة من المصداقية دون الحاجة إلى أدلة تجريبية.

ثالثاً: ظاهرة دانينج-كروجر، حيث يبالغ الأشخاص ذوو المعرفة المحدودة في تقدير قدراتهم، بينما يتردد أصحاب الخبرة الحقيقية في التصريح الجازم.
أما العلم الحقيقي فيعتمد على الشك المنهجي، والتجربة القابلة للتكرار، والأدلة التي يمكن تكذيبها.

هذه الطبيعة تجعله يبدو «بارداً» و«غير مؤكداً» أمام الخطاب العاطفي الحماسي الذي يقدم حلولاً سريعة ويقينية.
وهذه الظاهرة ليست خاصة بمصر، بل تتكرر في كثير من المجتمعات حول العالم، خاصة في أوقات الأزمات الصحية والاقتصادية.

وقد أظهرت أبحاث علم الوبائيات خلال جائحة كورونا كيف انتشرت الشائعات والعلاجات الزائفة بسرعة أكبر من الإرشادات العلمية الرسمية.
فلماذا ينجح الشعبوي دائماً؟
لأنه يخاطب العواطف أولاً، ثم يلبسها ثوب الدين أو القومية أو «الطب البديل»، في حين يخاطب العلم العقل النقدي الذي لم تُنمَّه منظومة التعليم بما يكفي. والنتيجة: انتشار معلومات خاطئة عن الصحة، ورفض لللقاحات، وثقة زائدة في علاجات غير مثبتة، مما يؤدي إلى ضرر حقيقي على الصحة العامة والتنمية.
الخروج من هذه الدوامة يتطلب جهداً طويل الأمد: تعزيز التعليم النقدي والتفكير العلمي من المرحلة الابتدائية، تطوير خطاب علمي مبسط ولكنه دقيق، وتقوية ثقة الجمهور في المؤسسات العلمية الموثوقة. فالعلم ليس مجرد معلومات، بل منهج حياة يحمي المجتمع من الخداع والوهم.
السؤال الذي يظل معلقاً: هل سنستمر في تكرار التجارب نفسها، أم سنبدأ أخيراً في بناء وعي علمي يصعب خداعه؟.

طالع المزيد:

 

زر الذهاب إلى الأعلى