“مهمة إنقاذ” في نيودلهي: الأجندة غير المعلنة لزيارة ماركو روبيو إلى الهند

مصادر – موقع بيان الإخباري

تتجه أنظار العواصم الكبرى صوب العاصمة الهندية نيودلهي، التي تستعد لاستقبال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في زيارة رسمية رفيعة المستوى تستمر لأربعة أيام (من 23 إلى 26 مايو).

وفي الوقت الذى تُحاط الزيارة بأجواء بروتوكولية تركز على “تعزيز الشراكة الديمقراطية”، يرى مراقبون وجيوسياسيون أن رئيس الدبلوماسية الأمريكية يحلّ في الهند حاملًا حقيبة دبلوماسية ثقيلة في “مهمة إنقاذ” عاجلة لإعادة ترميم تحالف استراتيجي تصدع بقوة خلال العام الماضي.

فما الذي يخفيه الغلاف الدبلوماسي الأنيق لزيارة روبيو؟ وما هي الملفات الحقيقية المطروحة خلف الأبواب المغلقة؟.

زلزال “التعريفات الجمركية” وظل موسكو

لم يكن العام الماضي سهلاً على العلاقات بين واشنطن ونيودلهي؛ فقد تلقت الشراكة ضربة موجعة عندما فرضت إدارة ترامب حمائية تجارية قاسية، تمثلت في فرض تعريقات جمركية بلغت 50% على بعض الواردات الهندية، شملت عقوبات بنسبة 25% استهدفت قطاعات حيوية، وذلك كإجراء عقابي لرفض الهند التخلي عن شراء النفط الروسي الرخيص.

هذه الخطوات الأمريكية المتشددة دفعت الهند – وفق عقيدتها الدبلوماسية التاريخية – إلى تعميق سياسة “الانحياز المتعدد”، حيث لم تعد تكتفي بالرهان على الحليف الأمريكي، بل ذهبت لتعزيز علاقاتها مع معسكر الشرق، وهو ما تجلى مؤخراً في استضافتها لاجتماع وزراء خارجية دول مجموعة “بريكس” (BRICS) بحضور روسيا وإيران، الأمر الذي أثار قلقاً بالغاً في أروقة صناعة القرار بواشنطن.

معركة الطاقة

خلف الكواليس، تأتي رغبة واشنطن في إعادة هندسة مصفوفة الطاقة الهندية كأولى الأولويات غير المعلنة.

وفى هذا الصدد لم يخفِ وزير خارجية أمريكا قبل مغادرته استعداد بلاده لتزويد الهند بـ “كل ما تحتاجه من طاقة”، مستغلاً الطفرة غير المسبوقة في إنتاج النفط والغاز الأمريكي.

الهدف الحقيقي هنا هو إغراء نيودلهي ببدائل مستقرة ومحمية، لتقليص اعتمادها على النفط الروسي، مع طرح صيغ لدمج تدفقات الطاقة الفنزويلية تحت رعاية أمريكية.

واشنطن تريد تجفيف منابع العوائد النفطية لخصومها، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات تجارية سخية للهند.

إحياء “الرباعي” المترنح وطمأنة الحلفاء

ملف آخر بالغ الحساسية يضعه روبيو على الطاولة، وهو مستقبل تحالف “الرباعي” (Quad) الذي يضم (أمريكا، الهند، اليابان، وأستراليا).

التحالف الذي أُسس أصلاً ليكون خط دفاع ديمقراطي في وجه الصعود الصيني، عانى مؤخراً من حالة “موت سريري” وتراجع في الزخم بسبب النزعات الانعزالية للإدارة الأمريكية الحالية.

مشاركة روبيو في اجتماع وزراء خارجية “الرباعي” بنيودلهي هي محاولة مباشرة لضخ الدماء في عروق هذا الحلف، وإرسال رسالة مشفرة إلى بكين بأن واشنطن لن تتخلى عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بجانب السعي لتأمين “سلاسل التوريد الحيوية” بعيداً عن الهيمنة الصينية.

غسيل أموال سياسي و “دبلوماسية التهدئة”

اللافت في كواليس الزيارة هو استخدام واشنطن لسياسة “الجزرة” القانونية قبل وصول روبيو؛ حيث تحركت الإدارة الأمريكية بهدوء لإسقاط تهم الاحتيال الجنائي الفيدرالي ضد الملياردير الهندي النافذ “جوتام أداني”.

هذه الخطوة يفسرها المحللون بأنها محاولة لتهدئة الغضب في الأوساط الاقتصادية الهندية، وتمهيد الطريق أمام روبيو لتسويق المفاعلات النووية الأمريكية الصغيرة (SMRs) ومحاولة إقناع نيودلهي باتفاقية تجارية ثنائية بشروط مرنة، فضلاً عن ضمان استمرار استثمارات مجموعة “أداني” الضخمة داخل الولايات المتحدة والتي تقدر بنحو 30 مليار دولار.

استعادة “القلوب والعقول” في الشارع الهندي

لا تقتصر مهمة روبيو على المكاتب المغلقة؛ بل تمتد إلى الشارع الهندي الذي شهد تراجعاً حاداً في الثقة تجاه الولايات المتحدة. فوفقاً لأحدث استطلاعات الرأي الصادرة عن مؤسسة (ORF) الهندية، انخفضت نسبة دعم الشباب الهندي لأمريكا من 83% إلى 56% بسبب السياسات الأمريكية غير المتوقعة.

لذلك، اختار روبيو بعناية القيام بجولات ثقافية وشعبية تشمل مدناً تاريخية مثل أغرا وجيبور، بالإضافة إلى محطته الأولى “كولكاتا” – في أول زيارة لوزير خارجية أمريكي للمدينة منذ 14 عاماً – وهي الولاية التي شهدت مؤخراً صعوداً سياسياً للحزب الحاكم بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، مما يحمل دعماً سياسياً مبطناً للأخير.

هل تنجح “مهمة الإنقاذ”؟

يدخل ماركو روبيو الهند بصفته الدبلوماسي الأكثر مرونة وقدرة على المناورة في إدارة ترامب، محاولاً إصلاح ما أفسدته الحروب التجارية.

ورغم العروض السخية في ملفات الدفاع والطاقة والتهدئة القضائية، يجمع الخبراء على أن الهند لن تتخلى عن “استقلاليتها الاستراتيجية” بسهولة، ولن تضع كل أوراقها في سلة واشنطن.

ستظل نيودلهي تراقب بحذر، مما يجعل نجاح هذه الزيارة رهناً بمدى قدرة أمريكا على تقديم ضمانات حقيقية، بعيدة المدى، وثابتة لا تغيرها أمزجة الانتخابات في البيت الأبيض.

طالع المزيد:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى