محمد السيد محمد يكتب: «عُقدة كوهين» أم «عُقدة مصر» ؟!
بيان
لم يكن غريبًا أبدًا أن يُسرع الناشط الإسرائيلي إيدي كوهين بكتابة مقال ساخر للرد على قرار حظره في مصر، خصوصًا أنه بنى جانبًا واسعًا من حضوره على شبكات التواصل على الاستفزاز، والمشاكسة، والسخرية.
لكن ما يستحق التوقف عنده فعلًا ليس مضمون السخرية، بل الطريقة التي اختار أن يبني بها سخريته، إذ حرص على وضع نفسه في مواجهة مصر بكل رمزيتها، بما في ذلك تاريخها، وحضارتها، وأهراماتها، وكتلتها السكانية، وجيشها. في الحقيقة أننا لسنا أمام مقال يحاول تفنيد دوافع قرار حظر الحساب، ولكننا أمام نص يكشف، من حيث لا يدري أو يريد صاحبه، حجم الحضور المصري في المخيال الإسرائيلي.
فحين يعمد كاتب إسرائيلي إلى استدعاء كل هذا التاريخ كي يقول إن مصر “انشغلت به”، فإن السؤال الأهم هنا ليس لماذا اهتمت مصر بإيدي كوهين؟ وإنما لماذا احتاج كوهين إلى مصر لكي يضخّم صورته عن نفسه؟ فظاهريًا، يبدو المقال ساخرًا من مصر، كما لو كان كاتبه يحاول أن يصنع ما يسميه بـ”عقدة كوهين”، في حين أن فحوى النص يشير إلى ما هو أعمق بكثير، وهي عقدة مصر في الوعي الجمعي الإسرائيلي.
وكوهين لا يكتفي بالقول إنه حُظر أو استُهدف، لكنه يريد أن يقول لجمهوره في إسرائيل: انظروا، رجل واحد قادر على إغضاب دولة بحجم مصر.
وهنا تحديدًا يسقط المقال في فخه؛ لأنه حين يقول إن مصر انشغلت به، فإنه يقر ضمنيًا بأن مصر هي المسرح الذي يمنحه المعنى. وحين يسخر من أهراماتها وجيشها وتاريخها، فإنه يعترف دون قصد بأن هذه الرموز حاضرة بقوة في وعيه.
وحين يحاول أن يبدو منتصرًا، فإنه يكشف حاجته إلى خصم كبير كي يبدو كبيرًا. إن ما فعله كوهين هو على الأرجح حيلة نفسية تستهدف تحويل أي اعتراض إلى ذُعر، وتصنيف أي رفض شعبي على أنه دليل على التأثير.
وإذا تمعنا أكثر في الموضوع، سنجد أن الأمر يتصل بما هو أبعد من واقعة الحظر أو خطاب السخرية؛ فمصر حاضرة بقوة في النص الديني اليهودي، وفي سردية الخروج، وفي ذاكرة الخوف، وفي معضلة الأمن، وفي تاريخ الحروب، ثم في معاهدة السلام، ثم في ملفات غزة والرهائن والحدود والمعابر.
لذلك، لا ينبغي أبدًا اعتبار مقال كوهين إهانة تستدعي الغضب، بل هو دليل واضح يكشف مأزقًا إسرائيليًا حقيقيًا في التعامل مع مصر.
ومن ناحية، تريد إسرائيل مصر شريكًا حين تحتاج إلى وساطة، وضامنًا حين تنفجر غزة، لكنها، من ناحية أخرى، تترك لأبواقها السياسية والإعلامية مساحة واسعة لاستفزاز القاهرة والسخرية منها، وإعادة تصويرها تارة كتهديد محتمل، وتارة كطرف مرتبك.
أما مصر، فستظل أكبر من هذا السجال، تنأى بنفسها عن مثل هذه الصغائر. ومن أراد أن يفهم علاقتها بإسرائيل، فعليه ألا يبدأ من تغريدات منصة “إكس”، بل من التاريخ، ومن طبقات الذاكرة التي لا تزال تحكم كثيرًا من التصورات الإسرائيلية تجاهها.





