د. ناجح إبراهيم يكتب: أحمد رأفت.. الإنسان فى ثوب الجنرال (2-2)
موقع بيان الإخبارى
كتب د/ناجح إبراهيم مقالاً بعنوان “أحمد رأفت.. الإنسان فى ثوب الجنرال (2-2)” وتم نشره في جريدة الشروق وهذا هو الجزء الثاني :
– قدمنا في الجزء الأول من هذا المقال نبذة مختصرة عن إنسانية الجنرال الذهبي أحمد رأفت ، ونواصل اليوم في الجزء الثاني عرض محطات هامة من إنسانيته.
– الجنرال أحمد رأفت هو ضابط الأمن السياسي الوحيد الذي كان يتحدث بنفسه إلي عدة آلاف من المعتقلين ويقدمنا للحديث بكلمات ومقدمات رائعة، وقد أبدع مع قادة الجماعة الإسلامية تقليداً رائعاً وهو إقامة حفل ترفيهي في نهاية محاضرات كل سجن، فيه أحاديث لكبار قادة الجماعة الإسلامية وحديث ممتع له فيه قفشات ونكات تتخلل كلاماً رصيناً دقيقاً له يشرح فيه وجهة نظر الدولة والأمن في موضوع المبادرة،فضلاً عن الأناشيد والتواشيح وبعض الفقرات الفكاهية ونكات السجون،وأغاني من تأليف المعتقلين تسخر من حال السجن مثل قصيدة ” ده مرار” ، وكان الجميع يضحك.
– والحمد لله أن كل هذه الأحاديث والندوات، وحفلات الختام مسجلة صوتاً وصورة، وهذه من إبداعاته وقد تخوفنا من التسجيل في البداية فلما عايشنا تجربة المبادرة أدركنا أن توثيقها صوتاً وصورة كان عملاً إيجابياً رائعاً، وأنه سيعلم أجيالا كثيرة من الفريقين كيف يصنع السلام والوئام وكيف يتحول الناس من منطق الصراع والسلاح لمنطق التغافر والتسامح،وكيف يمكن تحويل فقه المراجعة وفقه النقد الذاتي من سطور مكتوبة في الكتب إلي واقع وتجربة حية تتحرك علي الأرض.
– كان الجنرال أحمد رأفت يرى أن أي معتقل يخرج من السجن إن لم يوجد له عمل مناسب أو تسعي الدولة لإعادته لعلمه فإنه سيمثل شرخا في المبادرة أو قنبلة موقوتة، ومما لا يعرفه الكثيرون أن هذا الرجل سعي في تعيين آلاف المعتقلين في القطاع الخاص عن طريق رجاله في الأفرع حتى قال البعض أنه حول أفرع الأمن الوطني إلي أماكن للخدمة الاجتماعية.
– وقد قال لنا يوماً: إنني أخذت وظيفة وزارة العمل التي لم تقدم لي أي عون في توظيف المعتقلين فقمت بهذه المهمة وحدى مع رجالي حتى تم تعيين آلاف المعتقلين في شركات كثيرة، وترقي أكثرهم فيها إلي درجات المديرين لكفاءتهم ونزاهتهم .
– من ذكائه وإنسانيته أنه لم يتدخل في كتابة كتب المراجعات وترك لنا هامش حرية كبير ثقة فينا رغم أن ضباطه الصغار كانوا يبدون ملاحظات كثيرة ، وقد تفكرت في هذا الأمر فوجدت أن نظرته كانت بعيدة لأن الزمن سيحدث أثرا في تطوير الفكر باستمرار مع الاحتكاك بالحياة الصاخبة وقضاياها المتشابكة، فقد كان في غاية المرونة حيث لم يتدخل أبداً في أي كتاب كتبته ولم يبد عليه أي ملاحظة، وكنت أعجب لسعة أفقه مع قدرته علي وضع كل موضوع في نصابه الحقيقي، فلا يعطل مشروعاً ضخماً من أجل كلمات أو سطور تتطور بفعل الزمن من تلقاء نفسها وبأيدي أصحابها.
– وقد كرر كثيراً قوله : لقد أخذت وظيفة وزارة الثقافة وقتها حيث لم تتشجع للمشروع من أساسه ورفضت طبع كتب المبادرة، وإذا به وبعلاقاته المتشعبة ينجح في إقناع بعض دور النشر لطبعها ويسعي كذلك لتوزيع بعضها في مكتبات الجامعات والمساجد والمدارس ومراكز الشباب.
– فلم يكن اللواء أحمد رأفت ييأس أبداً وكان يملك عزيمة جبارة لا يفلها الحديد مع دقة في تحديد أهدافه والوصول إليها، ولو حكيت عن ريادته في عشرات الأمور التي تمت ما صدق ذلك أحد ، وحينما تنظر إلي المبادرة تجد أنها أخذت كل جهده في سنواته الأخيرة وكنت تشعر أنه يحب هذه التجربة ويحب كل من شارك فيها سواءً من أبناء الجماعة الإسلامية أو ضباطه أو ضباط السجون الذين شاركوه التجربة.
– أكرم وفادة كل من سلم نفسه أو أراد تسوية موقفه أو جاءه من تلقاء نفسه، واختصر له كل الاجراءات وحطم له الروتين.
– ومن إنسانيته أنه رأي ضابطاً صغيراً من ضباط السجون في الوادي الجديد يعاني مرضاً شديداً ولكنه لا يستطيع الراحة فلمحه وأمر بسفره فوراً للقاهرة بالطائرة للعلاج محطما قواعد الطوارئ التي كان فيها.
– المرحوم أحمد رأفت ما ترك مشلولاً إلا ويسر له كل شئ داخل السجن وخارجه وما رأي معتقلاً يحتاج جراحة إلا وأسرع في إجرائها، ولا فقيراً إلا ساعده ، ولا طالباً يريد الحصول علي شهادة إلا وأعانه علي ذلك.
– وهو أول من حطم الروتين الحكومي في كل شيء للتيسير علي كل المعتقلين.
– لقد حول السجون التي كانت سمعتها أسوأ ما تكون مثل سجن الوادي الجديد والعقرب إلي جامعات ونوادي فيها من الحب والود الخالص بين المعتقلين والأمن.
– رحم الله الجنرال الذهبي أحمد رأفت الضابط الفذ والإنسان العظيم.





