د. ناجح إبراهيم يكتب: أحمد رأفت.. الإنسان في ثوب الجنرال (1-2)
موقع بيان الإخبارى
كتب د/ناجح إبراهيم مقالاً بعنوان “أحمد رأفت.. الإنسان في ثوب الجنرال (1-2)” وتم نشره في جريدة الشروق وهذا هو نص
– لم يكن اللواء/ أحمد رأفت مجرد رجل أمن محترف مخضرم خاض الأهوال الجسام طوال حياته وعاش المخاطر واحداً تلو الآخر،ولم يكن مجرد عبقرية أمنية متفردة أو ضابط وطني مخلص ولكنه كان إنساناً من الطراز الأول ولعل هذه الصفة بالذات مع كفاءاته المتعددة هي السبب الرئيسي في نجاح مبادرة منع العنف.
– وقد عاصرت الرجل واقتربت منه وخبرت شخصيته كما خبر شخصيتي وكان يحسن قراءة ،الناس وما أخطأ في قراءة أحد رآه ،وكل توقعاته في الأشخاص الذين قابلهم صدقها الزمان وحققته الأيام، وكانت لديه فراسة في الناس قوية جداً .
– ومن ملامح إنسانية الجنرال الذهبي أحمد رأفت ما يلي:-
– أنه لم يكن يعرف الغدر أبداً حتى بخصومه فما بالكم بمن يضع يده بيده،وقد قال لي مراراً: كان يمكنني أن أصنع جاها كاذبا وأغدر بالجناح العسكري للجماعة الإسلامية الذي سلم نفسه،ونعمل دعاية كبرى أنهم قتلوا في اشتباك مع قوى الأمن وأعمل شو كاذب ولكني لا يمكن أن أخون أو أغدر.
– كان يكرر : ما دمنا بدأنا طريق المبادرة فلن تكون هناك دماء ولا إعدامات ، لأنني لا يمكن أبدأ طريق السلام وتكون بيننا قطرة دماء واحدة مهما كانت الظروف، وحافظ علي هذا المبدأ وكذلك كل تلاميذه.
– لم يكن يعطي عهداً إلا وينفذه ويتأني في الوعود، وكان يمنح أكثر مما يعد، ولعل الذي يرى مجمل إنجازاته في المبادرة سيعرف أنه نفذ أكثر من عهوده، فقد كان سخياً كريماً وكل من تتلمذ علي يديه ورث منه هذه الصفة ، فجمع الأقارب والأسر في معتقل واحد ، والإفراج عن المرضى والمعوقين أولاً وتحويل السجون إلي جامعات،واستخراج بطاقات الرقم القومي داخل المعتقلات لكل المعتقلين،وذبح العجول في عيد الأضحى وتوزيعها على المعتقلين، وتوزيع الحلوى والتمر في شهر رمضان وتوزيع الأموال علي فقراء المعتقلين في الأعياد، وعمل الأجهزة التعويضية لمرضى الشلل والبتر ، وإجراء كل الجراحات الضرورية داخل المعتقل وتسهيل الخدمات الحكومية لكل من خرج من المعتقل ، وتيسير كل الامتحانات بدءً من معهد القراءات والمعاهد المتوسطة مروراً بالثانوية العامة وانتهاء بالبكالوريوس والماجستير والدكتوراة ففي عهد المبادرة ناقش الدكتوراة خارج المعتقل عدد لا بأس به وكانت المناقشات قي مدرجات الكلية وعلنية ولا تشعر أنه سجين.
– لم يكن الخوف يعرف إلي قلب هذا الرجل طريقاً ولم اجد أجرأ منه طوال حياتي فهو صاحب فكرة وقرار خروج المعتقلين لزيارة منازلهم سواءً للعزاء في الآباء أو الأمهات أو لحضور الأفراح للبنات أو لزيارة المرضى، وقد أحصيت قرابة ١٥٠٠ زيارة منزلية منذ بداية المبادرة حتى نهايتها ، ومنهم محكوم عليهم بالاعدام وكان يمكث بعضهم في البيت وحده ثم يعود بسلاسة ودون تعقيد وكان لا يشعر هؤلاء بأية إجراءات أمنية خفية يتخذها حتى لا ينغص علي الزائر بهجة الزيارة ولا يخوف أهل المنزل، وأذكر أنه وثق بي وبالشيخ كرم في ترحيل محكوم عليه بالإعدام في سيارة عادية دون قيود والحراسات مخفية في سيارات أخرى، من القاهرة للمنيا .
– وعموما هو صاحب كل القرارات الأمنية الشجاعة التي اتخذت في وقت المبادرة، وللحقيقة فكل هذه القرارات صدق عليها ووافق عليها وزير الداخلية وقتها اللواء/حبيب العدلي الذي ظلم كثيراً أيام الثورة وكانت السجون في عهده هي أفضل سجون العالم، ورغم ذلك تشوهت سمعته بفعل فاعل.
– كان الجنرال أحمد رأفت يرى أن أي معتقل يكرم في سجنه، وأي هارب سلم نفسه يعامل معاملة كريمة وهذا سيؤدي إلي نتائج إيجابية عظيمة في تتابع تسليم الهاربين لأنفسهم، ولعل ذلك هو ما جعل المئات من الهاربين داخل مصر وخارجها يسلمون أنفسهم طواعية ويريدون تسوية مواقفهم، وهذا أنجح المبادرة نجاحاً كبيراً لأنهم شعروا أنه لن يغدر بهم أحد وسيعاملون معاملة حسنة .
– الجنرال أحمد رأفت هو ضابط الأمن السياسي الوحيد في تاريخ مصر الذي كان يقف بين قرابة أربعة آلاف معقتل في سجن الوادي الجديد ونصفهم في سجن الفيوم يحيطون به ويسلمون عليه ويقبلونه ويعطونه طلباتهم ويتحدثون إليه دون حراسة ،ودون أن يتم تفتيش هذه الآلاف، ثقة فيهم وثقة في قادتهم في منظومة رائعة قدمتها الجماعة الإسلامية بدقة،وعندما أعترضت حراسته الخاصة علي مثل هذه التصرفات قال بثقة: هؤلاء سيحرسونني وقد حدث ذلك في كل المعتقلات التي جاء إليها “الوادي والفيوم والعقرب ووادي النطرون ودمنهور” وكنت أتعجب لثقته في ربه وثقته في هؤلاء الإخوة الذين أحبوه بصدق وكان بعضهم يستشيره في همومه وأحزانه ومشكلاته الإنسانية والاجتماعية فيحلها لهم ما استطاع إلي ذلك سبيلاً، وكان يصنع ذلك دون تكلف ودون شو أو منظرة.
– وللحديث بقية في الجزء الثاني من هذا المقال.





