د. ناجح إبراهيم يكتب: وإن زنى وإن سرق .. رسالة إلي التكفريين
موقع بيان الإخبارى
• قضية تكفير المسلم بالذنب أو المعصية هي حجر الزاوية في فكر الخوارج قديما وفي فكر بعض جماعات التكفير حديثاً، فالذين يكفرون المسلمين بالمعاصي والكبائر لا تتصور قلوبهم الغليظة تسامح الشريعة مع العصاة، ولا تقبل عقولهم السقيمة أن يدخل الجنة صاحب كبيرة خاصة إذا كان مصراً أو مقيماً عليها.
• قد ينشأ ذلك من غيره غير منضبطة علي الدين، أو من غياب للتصور الصحيح للإيمان وأنه يزيد وينقص ، ولكني وجدت الغالب علي هؤلاء قسوة القلب وغلظة الطبع فيجد نفسه وهواه في هذه الزاوية فلا يفرق بين ما ينقص الإيمان وبين ما ينقضه من أساسه.
• والفرق بين نواقص الإيمان ونواقض الإيمان هو النقطة الإملائية علي الصاد ، ولكن هذه النقطة اليتيمة لها ما بعدها، وهي التي تفرق بين أهل السنة ودعاة التكفير .
• فقد قررت الشريعة الغراء بنصوصها المتواترة أن الكبائر والذنوب لا تنقض إيمان صاحبها، ولكنها تنقص كماله وكل ذنب بقدره ،فالإيمان يزيد وينقص ،يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
• ومن رحمة الشريعة الغراء بالمسلمين قرارها الحاسم والجازم أن المعاصي مهما عظمت لا تحجب صاحبها عن الجنة ، ولا تخلده في النار ، ما دام لا يستحلها فهو في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وهو الغفور الحكيم، وإن شاء عذبه وهو العزيز الحكيم.
• وأقوي دليل علي ذلك هو حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقال أبو ذر :- وإن زنى وإن سرق، قال : وإن زنى وإن سرق فكررها ثلاثا حتى قال في الثالثة “رغم أنف أبي ذر”.
• وهذا الحديث بالذات لا يحبه التكفيريون ولا يذكرونه أبداً ويودون لو مسح من بطون كتب الحديث كلها .
• فالنبي”صلي الله عليه وسلم” يؤكد بأسلوب حاسم جازم وبوضوح لا لبس فيه علي حقائق منها أن المعصية لا تكفر صاحبها، وضرب مثلاً بذنوب عظيمة مثل السرقة والزنا، فالقلب إذا استنار بنور التوحيد وأشرق الإيمان في أركانه فمحال أن يخرج من دائرة الإسلام بمعصية، فكما دخل الإسلام باختياره لا يخرج منه إلا باختياره.
• وقد يجتمع في قلب الرجل المعصية مع حب الله ورسوله فقد روي البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً علي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه “حمارا” وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي جلده في الخمر فأتي به يوماً فجلد ، فقال رجل من القوم اللهم العنة، ما أكثر ما يؤتي به فقال النبي ” لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله”.
• فما أعظم هذه الرحمة المهداه ، وما أرقي ذلك الأدب النبوي، فارتكاب المنكر لا يعني غياب محبة الله ورسوله ، فقد يكون مؤمناً وتغلبه شهوته في الخمر أو المخدرات فلا يستطيع عنها فكاكا ، أو يكون ضعيفا أمام النساء، أو تعود لسانه علي القبح لبيئة سيئة نشأ فيها ،ورغم ذلك تجد قلبه محباً للإسلام والدين ولله ولرسوله ويريد التخلص من هذا المنكر مراراً دون جدوى.
• وقد رأيت أقواما صالحين اعتادوا علي شرب الدخان أو غيره منذ شبابهم فلم يستطيعوا التخلص منه رغم شدة صلاحهم، فترك المعصية التي تعودت عليها الأنفس ليس بالأمر اليسير ويحتاج إلي عزيمة الجبال.
• وعلي الدعاة إلى الله وحملة الشريعة وأبناء التيارات الدينية المختلفة أن يقتدوا بالرسول صلى الله عليه فلا يطلقوا ألسنتهم في أهل الكبائر وخاصة المستترين بها تكفيراً وطعنا، فلربما كان أحدهم من أهل الطاعات الخفية والحسنات المستورة التي تطيش أمام صحائفها كل هذه الذنوب .
• ألم يقل القرآن ” وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ” فأثبت لهم الإيمان مع قتال بعضهم بعضاً،ومعلوم أن قتال المسلمين من الكبائر.
• والقول بتكفير المسلم بالذنوب والمعاصي يعد مجافاة للشرع الحنيف نصاً وروحاً ومنافياً للعقل الصحيح وإلا لتم تكفير معظم مسلمي الكرة الأرضية، ولما بقى علي وجه الأرض مسلم ، فهل هناك مسلم لم يكذب في حياته قط أو لم يغتب أحداً قط ، أو لم يخلف الوعد قط.
• منذ سنوات قابلت رجلاً لم يحصل علي الإعدادية وكان يهوي تكفير وتفسيق كل عالم أو شيخ يذكر أمامه فأعطاه صديقي المهندس عمر عبدالرحمن ورقة صغيرة جداً وقال له : أكتب لي أسماء المسلمين في العالم كله من وجهة نظرك ، فكنا نضحك جميعاً من هذه المزحة ذات المغزي العميق.
• العقل التكفيري يدخل ضمن من قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم ” من قال هلك الناس فهو أهلكهم” سواء بالضم أو الفتح وكلاهما صحيح.
• إن رحمة الله أوسع من العقول المتحجرة، وإن سعة الشريعة الغراء أعظم من عقول تهوي الحكم علي الناس بغير حق أو ترى نفسها بوابا للجنة تدخل فيها من يشاء وتخرج منها من تشاء، أو تريد أن يكون الإيمان حكرا عليها.
• دعونا جميعا نعيش مع الهتاف النبوي العظيم ” وإن زني وإن سرق رغم أنف أبي ذر “هذا الهتاف ليس دعوة للتهوين من المعاصي ولكنه دعوة للمراجعة والأمل في الأوبة والتوبة ومحاولة النهوض بعد السقوط والإفاقة من الغفلة.
• يا سيدي يا رسول الله ما أجمل دعوتك الرحيمة بالعصاة ، هذا الهتاف النبوي وحده يدمر دعاوي التكفيريين في كل مكان ويهزمهم بالضربة القاضية.
• ” وإن زني وإن سرق” ليست تهوينا من المعصية أو ترويجا للعصاة، ولكنه النداء الرحيم للكافة بعدم إخراج العصاة من دائرة الإسلام، إنه يجعلهم يسيرون إلي الله بجناحي الخوف والرجاء، إنهم مسلمون يحتاجون لمساعدتنا وعوننا كي يعودوا إلي الله ويتوبوا إليه، ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ “، أما تكفيرهم وإخراجهم من دائرة الإسلام فهي ستزيدهم يأساً وإحباطاً وبعداً،إنها اليد الحانية التي يمدها الرسول للعصاة، أنتم داخل دائرة الإسلام فلا تغادروها وصححوا مساركم وأقبلوا علي الله.
• ألم يغفر الله للمرأة البغي لأنها سقت كلبا كان يلهث من العطش وغامرت بنفسها ونزلت البئر ولم تجد شيئا تسقيه بها فخلعت نعلها وسقته بها ، “فشكر الله لها وغفر لها” بنص الحديث الشريف ، لأن أنوار التوحيد التي أضاءت بقلبها في هذه اللحظة أنارت ظلمات معاصيها ، إنها ليست حسبة رياضية ،حسنة تقابل سيئة، ففضل الله واسع، وكرمه عظيم، وسعة رحمة الله قد لا تدركها عقول بعض التكفيريين.





