الموسيقى أداة للاحتجاج فى إيران.. حين تتحول الأغنية إلى صوت للمعارضة

موقع بيان الإخبارى

لم تكن الموسيقى في إيران مجرد وسيلة للترفيه أو التعبير الفني، بل تحولت على مدار عقود إلى إحدى الأدوات التي رافقت الحركات الاحتجاجية، وحملت أصوات المعترضين على القمع والقيود السياسية والاجتماعية، حتى أصبحت بعض الأغاني مرتبطة في الذاكرة الجماعية بمحطات بارزة من تاريخ الاحتجاجات الإيرانية.

مواقع صحفية ووسائل إعلام غربية رصدت الظاهرة ووضعت عنها عدد من التقارير، وجاءت خلاصتها كالتالى:

وفي فبراير 2026، وبعد نحو شهر من موجة احتجاجات واسعة شهدتها إيران وانتهت بحملة قمع حكومية أوقعت، وفق تقديرات التقرير، آلاف القتلى، أصدر المغني الإيراني شيرفين حاجيبور أغنية جديدة من داخل البلاد حملت عنوان «Iranam» (أنا إيران)، مكرسًا إياها لضحايا ما وصفه بـ«شهر دي الدموي»، في إشارة إلى أحداث يناير السابق.

وكان حاجيبور قد اكتسب شهرة عالمية خلال احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، بعدما انتشرت أغنيته «Baraye» على نطاق واسع، قبل أن تعتقله السلطات الإيرانية بسببها.

ونشر حاجيبور أغنيته الجديدة عبر حسابيه على «إنستجرام» و«يوتيوب»، في مقطع قصير لا يتجاوز دقيقتين. ويظهر فيه داخل غرفته مرددًا كلمات تتحدث عن الخنق والقمع وآثار التعذيب، قبل أن تتصاعد الموسيقى وتظهر على الشاشة صور بالأبيض والأسود لشبان وفتيات قُتلوا خلال الاحتجاجات، وينتهي الفيديو بقائمة طويلة من أسمائهم.

وتحمل الأغنية رسالة واضحة مفادها أن القمع والقتل لا يستطيعان إسكات صوت الاحتجاج، إذ يؤكد حاجيبور في كلماتها أن جسده حتى بعد الموت سيواصل التعبير.

ولأسباب تتعلق بحماية الآخرين من الملاحقة القانونية، حرص المغني في الفيديو على التأكيد أن العمل أُنجز بالكامل بجهد شخصي، وأنه يتحمل وحده مسؤولية نشره، في خطوة تعكس حجم المخاطر التي يواجهها الفنانون الذين يستخدمون أعمالهم للتعبير السياسي داخل إيران.

أزمة اقتصادية تشعل موجة احتجاج جديدة

جاءت الأغنية في أعقاب احتجاجات يناير 2026، التي اندلعت على خلفية سنوات من التضخم وتدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن يؤدي الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية إلى تفاقم الضغوط على ملايين المواطنين.

وكانت تلك الاحتجاجات الأوسع نطاقًا في إيران منذ حركة الاحتجاج التي شهدتها البلاد عام 2022، لتعيد الموسيقى مرة أخرى إلى واجهة المشهد الاحتجاجي.

ويشير التقرير إلى أن استخدام الأغاني في الحركات الاحتجاجية الإيرانية ليس ظاهرة جديدة، إذ رافقت الموسيقى حركات طلابية واحتجاجات سياسية على مدار عقود.

غير أن طبيعة استخدامها شهدت تغيرًا ملحوظًا منذ عام 2022؛ فبينما كان المحتجون في فترات سابقة يلجأون إلى أغانٍ قديمة ذات معانٍ رمزية أو مبطنة، أصبحت الأغاني الجديدة أكثر مباشرة في تناول القمع والمظالم، كما ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في انتشارها بصورة أوسع وأسرع.

 أغنية الطلاب في مواجهة السلطة

تعود إحدى أبرز محطات الموسيقى الاحتجاجية إلى الحركة الطلابية الإيرانية في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة.

ففي يوليو 1999، اندلعت احتجاجات طلابية بعد إغلاق صحيفة «سلام» الإصلاحية، التي كانت تمثل صوتًا بارزًا للتيار الإصلاحي. وردت قوات الأمن، إلى جانب عناصر من جماعة «أنصار حزب الله» شبه العسكرية، بمداهمة مساكن الطلاب في جامعة طهران، وسط أعمال عنف أدت إلى سقوط قتلى وجرحى.

وفي ديسمبر 2000، تجمع طلاب جامعات طهران في جامعة تربية مدرس للاستماع إلى كلمة الرئيس الإصلاحي آنذاك محمد خاتمي بمناسبة يوم الطالب، الذي يحيي ذكرى مقتل ثلاثة طلاب على يد قوات الشاه عام 1953.

وخلال تلك التجمعات، صدحت أغنية «Yar-e Dabestani-ye Man» أو «يا زميل الدراسة»، ورددها الطلاب بصورة جماعية.

كانت كلمات الأغنية بسيطة وسهلة الترديد، وتتناول الإحساس بالمصير المشترك في مواجهة سلطة قمعية، من دون أن تتضمن إشارات سياسية مباشرة.

وتقول كلماتها، في مضمونها، إن أيدي الطلاب معًا قادرة على إسقاط الحواجز، وإن عليهم الاعتماد على بعضهم البعض في مواجهة الظلم.

لكن المعنى السياسي للأغنية لم يكن منفصلًا عن تاريخها.

أغنية سبقت الثورة وتحولت إلى رمز

كانت الأغنية قد عُرفت في الأصل بصوت المغني والملحن الإيراني فريدون فروغي، ضمن فيلم «من الصرخة إلى الاغتيال»، الذي تناول قصة ثلاثة أصدقاء في إيران قبل الثورة، اتخذ كل منهم مسارًا مختلفًا في حياته.

وعُرض الفيلم عام 1980، أي بعد عام واحد من الثورة الإيرانية، لكنه تعرض للحظر بعد فترة قصيرة من طرحه، كما تعرض صوت فروغي للرقابة، وأُجبر مخرج الفيلم على استبدال صوته بمغن آخر وإعادة تسجيل الأغنية.

وكان فروغي نفسه فنانًا معروفًا بنشاطه السياسي، كما كانت أعماله قد خضعت لقيود في عهد الشاه، قبل أن تصبح علاقته بالثقافة الشعبية السابقة للثورة سببًا في تضييق السلطات الجديدة عليه.

وبذلك حملت الأغنية منذ نشأتها طبقات من المعاني السياسية، قبل أن يعيد الطلاب اكتشافها واستخدامها بعد سنوات باعتبارها نشيدًا للتضامن والمواجهة.

الرقابة تحاصر الموسيقى

ارتبط انتشار الأغاني الاحتجاجية أيضًا بتاريخ طويل من الرقابة على الموسيقى في إيران بعد الثورة.

فقد عملت السلطات الجديدة على فرض رقابة مشددة على الإنتاج الموسيقي، وأنشأت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، التي تولت إصدار التصاريح الخاصة بالألبومات والأغاني والحفلات.

كما تعرضت الموسيقى الغربية وأشكال من الأغاني الشعبية السابقة للثورة للحظر، فيما مُنعت النساء من الغناء علنًا.

ولسنوات، بقيت الموسيقى الفارسية التقليدية والكلاسيكية في نطاق أكثر أمانًا من أشكال الموسيقى الأخرى، قبل أن تشهد فترة حكم الرئيس محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005 قدرًا من التخفيف في القيود، سمح بعودة تدريجية للمشهد الموسيقي الشعبي.

وفي هذا المناخ، عادت أغنية «يا زميل الدراسة» إلى الواجهة، لتصبح جزءًا من المشهد الاحتجاجي في الجامعات.

من إصلاح النظام إلى انتقاده

اكتسبت الأغنية أهمية جديدة بعد فوز الإصلاحيين بأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية عام 2000، وما تلا ذلك من صدام بين التيار الإصلاحي والمؤسسات المحافظة.

وبعد إغلاق عشرات الصحف والمنشورات الإصلاحية، وتصاعد الضغوط على المثقفين والأكاديميين، خرج الطلاب مجددًا إلى الشوارع.

وفي عام 2002، اندلعت احتجاجات واسعة بعد الحكم بالإعدام على الأستاذ الجامعي هاشم آغاجاري، الذي دعا إلى إصلاح الفكر الديني وانتقد السلطة المطلقة للمؤسسة الدينية.

وخلال احتجاجات نوفمبر من العام نفسه، سار طلاب جامعة طهران وهم يمسكون بأيدي بعضهم ويرددون «يا زميل الدراسة»، قبل أن تحاصرهم قوات الشرطة وعناصر «أنصار حزب الله» داخل الحرم الجامعي وتعتقل عددًا من منظمي الاحتجاج.

وأصبحت الأغنية، التي ارتبطت في البداية بتجمعات الإصلاحيين وخاتمي، جزءًا من حركة طلابية أخذت تنتقد الحكومة التي ساهمت في وصولها إلى السلطة.

ذاكرة احتجاجية تتجدد

ورغم مرور سنوات طويلة، ظلت «يا زميل الدراسة» مرتبطة بالجامعات والحركة الطلابية، وتناقلتها مجموعات مؤيدة ومعارضة للحكومة، بما يعكس قدرتها على تجاوز اللحظة السياسية التي ظهرت فيها.

وفي السنوات الأخيرة، عادت الأغنية إلى الظهور في سياقات جديدة، من بينها مواد دعائية مولدة بالذكاء الاصطناعي بثتها وسائل إعلام إيرانية خلال الحرب الأخيرة على إيران، في مشاهد تصور أستاذًا جامعيًا يواصل تعليم طلابه عبر الإنترنت من بين أنقاض فصله الدراسي الذي تعرض للقصف.

وهكذا تكشف تجربة الموسيقى الاحتجاجية في إيران عن ظاهرة تتجاوز الأغنية ذاتها؛ فالموسيقى أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية، تنتقل من جيل إلى آخر، وتتغير دلالاتها وفقًا للسياق.

ومن «يا زميل الدراسة» التي رافقت احتجاجات الطلاب في مطلع الألفية، إلى «Baraye» التي أصبحت أحد رموز حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، وصولًا إلى «Iranam» التي وثقت ضحايا احتجاجات 2026، تبدو الأغنية الإيرانية وكأنها تسجل، بصوت الفنانين والمحتجين، فصولًا متعاقبة من الصراع بين المجتمع والسلطة.

وفي ظل الانتشار الهائل لمنصات التواصل الاجتماعي، لم تعد الأغنية الاحتجاجية محصورة في ساحات التظاهر أو الجامعات، بل أصبحت قادرة على عبور الحدود والوصول إلى جمهور عالمي، لتتحول من عمل فني إلى وثيقة احتجاجية ووسيلة لحفظ أسماء الضحايا وذاكرة الأحداث.

طالع المزيد: ترامب يصعّد ضد إيران ويحذر داعمي طهران من عواقب اقتصادية وخيمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى