من احتكار غزة إلى نزع السلاح.. رحلة تحولات حماس

مصادر – موقع بيان الإخبارى

يكشف مسار مواقف حركة حماس خلال السنوات الثلاث الماضية عن تحولات سياسية متدرجة في قضايا السلاح، وإدارة قطاع غزة، ومستقبل الحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني.

وهذه التحولات لا يمكن اختزالها ببساطة في وصفها بأنها «تنازلات» متتالية أو «استسلام»، إذ تشير القراءة الواردة في تقرير أوسع نشره “مركز الانطلاقة” في 20 أغسطس 2026، إلى أنها أقرب إلى عملية إعادة تموضع سياسي، انتقلت خلالها الحركة تدريجيًا من رفض مناقشة بعض الملفات إلى قبول بحثها ضمن ترتيبات وشروط متبادلة.

ويستعرض التقرير الأصلي، الذي يحمل عنوان: «سقوط مقاومة حماس.. من دعوة العالم لإرسال السلاح إلى التنازل عنه»، مسار مواقف الحركة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أغسطس 2026، ويركز بصورة خاصة على ثلاثة ملفات رئيسية: السلاح والمقاومة المسلحة، ومستقبل حكم غزة، والإطار السياسي الفلسطيني.

ومن بين أبرز ما يخلص إليه التقرير أن التطور في هذه الملفات لم يكن متزامنًا أو خطيًا؛ فبينما ظهرت مبكرًا مؤشرات على استعداد سياسي للتعامل مع فكرة الدولة الفلسطينية والوحدة الوطنية، ظل ملف السلاح أكثر القضايا حساسية، قبل أن تبدأ لغة الحركة تجاهه في التحول خلال عامي 2025 و2026، من الرفض المطلق إلى مناقشة تجميده أو تخزينه، ثم إدخاله في ترتيبات انتقالية، وصولًا إلى الحديث عن نزع سلاح مرحلي.

 التنازل الأول.. التخلي عن احتكار حكم غزة

أحد أبرز التحولات السياسية تمثل في تراجع حماس عن فكرة احتكار الإدارة المباشرة لقطاع غزة.

فقد بدأت الحركة، وفق المسار الذي يوثقه التقرير، في قبول صيغ مختلفة لإدارة القطاع، من حكومة توافق وطني إلى حكومة تكنوقراط وإدارة فلسطينية انتقالية، بما يعني نقل المسؤوليات المدنية إلى جسم فلسطيني أوسع.

وتبلور هذا الاتجاه بصورة واضحة في “إعلان بكين في يوليو 2024″، الذي تضمن العمل ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل حكومة توافق وطنية انتقالية، وإدارة غزة والضفة في إطار فلسطيني موحد، إلى جانب التحضير للانتخابات والتأكيد على قيام الدولة الفلسطينية.

ولا يعني ذلك أن حماس تخلت عن نفوذها السياسي، لكنه يعكس قبولًا بمبدأ الفصل النسبي بين وجود الحركة السياسية وبين إدارة السلطة التنفيذية في غزة، وهو تغيير مهم مقارنة بنمط الإدارة الذي ساد القطاع منذ عام 2007.

من الانفراد بالقرار إلى الإطار الوطني

ارتبط التحول في إدارة غزة بتحول آخر يتعلق بموقع الحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني.

فالقبول بالعمل ضمن إطار منظمة التحرير وبناء قيادة وطنية مشتركة يعني، عمليًا، قبول مبدأ أن القرار الفلسطيني لا ينبغي أن يكون حكرًا على فصيل واحد.

ويشير التقرير إلى أن هذا المسار ظهر أيضًا في «إعلان بكين»، الذي أعاد طرح الوحدة الوطنية والحكومة الانتقالية وإدارة الأراضي الفلسطينية ضمن إطار جامع.

لكن هذا التحول ظل سياسيًا أكثر منه تنفيذيًا، إذ لم يتحول الاتفاق إلى صيغة مكتملة لإعادة ترتيب السلطة الفلسطينية على الأرض.

الدولة الفلسطينية.. من الرفض إلى التفاوض

شهد ملف الدولة الفلسطينية بدوره تحولًا لافتًا، وبحسب التقرير، ظهرت منذ أواخر عام 2023 إشارات من قيادات حماس إلى الاستعداد لمناقشة مسار سياسي ينتهي إلى دولة فلسطينية، ثم جاءت تصريحات خليل الحية في أبريل 2024 لتفتح بصورة أوضح الباب أمام إمكانية وضع السلاح جانبًا في حال قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ولا يعني ذلك أن حماس تبنت بالكامل البرنامج السياسي للسلطة الفلسطينية أو قبلت جميع شروط التسوية، لكنه يعكس انتقالًا من الرفض السياسي الحاد لبعض الصيغ إلى التعامل مع الدولة الفلسطينية باعتبارها إطارًا يمكن التفاوض والبناء عليه.

السلاح.. التحول الأكثر حساسية

يبقى ملف السلاح هو الأهم والأكثر تعقيدًا في مسار إعادة التموضع.

ويعرض التقرير سلسلة من التحولات الزمنية في موقف الحركة؛ ففي البداية كان السلاح يُقدم باعتباره جزءًا أساسيًا من هوية المقاومة، ثم ظهرت لاحقًا صيغ تربط مستقبله بقيام الدولة الفلسطينية، قبل أن ينتقل النقاش في نهاية 2025 إلى فكرة تجميده أو تخزينه.

وفي يونيو 2026، ظهرت صيغة أكثر تقدمًا تقوم على عدم ظهور الأسلحة في الشوارع إلا في إطار الأجهزة الأمنية الرسمية، بينما جاء يوليو 2026 ليشهد تحولًا جديدًا مع الحديث عن تخزين السلاح تحت مسؤولية لجنة وطنية فلسطينية، بدلًا من تسليمه مباشرة إلى إسرائيل.

وبحلول أغسطس 2026، وفق التقرير، أصبح الحديث يدور عن قبول مبدئي بمسار لنزع السلاح بصورة تدريجية، مع استمرار الخلاف حول ترتيب الخطوات، وخاصة مسألة أي طرف يبدأ أولًا.

وهنا انتقل جوهر النقاش من سؤال: هل يمكن إدخال السلاح في التفاوض؟.. إلى أسئلة أكثر تفصيلًا تتعلق بكيفية إدارة السلاح، والجهة التي ستتولى مسؤولية تخزينه، والثمن السياسي المقابل لذلك.

لماذا قبلت حماس بهذه التحولات؟

يطرح التقرير عدة عوامل يمكن أن تفسر التحول، في مقدمتها تغير البيئة العسكرية والسياسية، وطول أمد الحرب وما ترتب عليه من كلفة هائلة، إضافة إلى الدمار الواسع الذي أصاب البنية المدنية في قطاع غزة.

ومع تحول إعادة الإعمار إلى ملف مركزي في مستقبل القطاع، أصبح من الصعب فصل المسار الإنساني والاقتصادي عن المسار السياسي والأمني، وهو ما جعل قضية إدارة غزة ومستقبل السلاح جزءًا من معادلة واحدة.

كما لعب الضغط العربي والدولي دورًا في دفع النقاش نحو حكومة فلسطينية أوسع، وإنهاء الحرب، وإعادة الإعمار، وإقامة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.

أما العامل الأمريكي، فيرتبط بوضوح أكبر بربط المرحلة التالية من الحرب بإعادة تشكيل إدارة غزة وبحث مستقبل السلاح.

من «المقاومة» إلى «البقاء السياسي»

أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من مسار التقرير هو أن السؤال تغير نفسه.

ففي السنوات الأولى كان النقاش يدور حول قدرة حماس على الاحتفاظ بالسلاح ومواصلة إدارة القطاع، بينما أصبح السؤال في المرحلة الحالية متعلقًا بالدور السياسي الذي يمكن للحركة الاحتفاظ به داخل النظام الفلسطيني المقبل.

وبذلك تبدو المعادلة الجديدة أقرب إلى مقايضة سياسية: التخلي عن الإدارة المباشرة لغزة، وتقليص الظهور العسكري، وقبول إدخال السلاح في ترتيبات سياسية وأمنية، مقابل وقف الحرب، وانسحاب إسرائيلي، وإعادة الإعمار، وضمانات دولية، والحفاظ على دور سياسي للحركة، وإدارة فلسطينية للقطاع.

ومن هذا المنظور، لا تبدو التحولات أحادية الجانب؛ فكل خطوة تتعلق بالسلاح أو الحكم ترتبط، في الخطاب التفاوضي لحماس، بشروط مقابلة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الحرب وإعادة الإعمار والمستقبل السياسي للفلسطينيين.

 لماذا الآن؟

يمكن تفسير هذا التحول أيضًا بالخوف من استمرار دورة الحرب.

فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفة الاحتفاظ بالصيغة القديمة، بينما أصبحت إعادة الإعمار والحفاظ على ما تبقى من الحياة المدنية في غزة أولوية متزايدة.

وهكذا باتت الحركة أمام معادلة صعبة: الاحتفاظ بالسلاح بصورته السابقة قد يعني استمرار الصراع، بينما التخلي الكامل عنه دون ضمانات سياسية وأمنية قد يعني فقدان أوراق القوة والدور السياسي.

لذلك ظهرت صيغ وسطية، مثل التجميد والتخزين والإدارة الفلسطينية للسلاح، قبل الوصول إلى الحديث عن نزع سلاح مرحلي.

تنازلات أم إعادة تموضع؟

الموقف الأكثر مهنية في قراءة هذه التحولات هو أنها تحمل عناصر من التنازل وإعادة التموضع في الوقت نفسه، فحماس تراجعت عن احتكار الإدارة المباشرة لغزة، ووافقت على صيغ وطنية أوسع، وأبدت مرونة متزايدة تجاه الدولة الفلسطينية، وسمحت بإدخال مستقبل السلاح في المفاوضات.

لكنها، في المقابل، حاولت ربط هذه الخطوات بمقابل سياسي واضح: وقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وضمانات دولية، والحفاظ على دور فلسطيني في إدارة غزة، وعدم تسليم السلاح مباشرة إلى إسرائيل.

وبذلك فإن التحول لا يمكن وصفه بأنه تنازلات مجانية، وإنما هو إعادة صياغة لأوراق الحركة التفاوضية تحت ضغط واقع عسكري وسياسي وإنساني شديد التعقيد .

وفي النهاية، فإن أهم ما يكشفه المسار الذي يوثقه التقرير الأوسع لمركز الانطلاقة هو أن الخلاف لم يعد يدور فقط حول مبدأ مناقشة مستقبل السلاح، بل حول كيفية إدارة هذا السلاح، والجهة التي ستتولى المسؤولية عنه، وتسلسل الخطوات، وما الذي ستحصل عليه حماس والفلسطينيون في المقابل.

……………………………………………………………………………………………………………………………….

رابط التقرير الأصلى:

طالع المزيد: اجتماع كوشنر ونتنياهو يبحث ترتيبات نزع سلاح حماس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى