إثيوبيا على حافة انتكاسة جديدة.. تصاعد التوتر في تيجراي يهدد بعودة الحرب
مصادر – موقع بيان الإخبارى
حذّر تقرير صدر حديثا عن المركز العالمي لمسؤولية الحماية (Global Centre for the Responsibility to Protect) من استمرار تعرض المدنيين في إثيوبيا لخطر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في ظل تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، واستمرار أعمال العنف ذات الطابع العرقي والديني، إلى جانب تنامي التوترات الإقليمية، خصوصا في إقليم تيجراي والمناطق المحيطة به.
وفي التقرير الذى نشره المركز تحت عنوان «السكان المعرضون للخطر – إثيوبيا»، صنف الوضع في البلاد باعتباره «أزمة حالية»، محذرا من أن السلام الهش الذي أعقب اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع عام 2022 يواجه تحديات خطيرة قد تعيد البلاد إلى دائرة الصراع المسلح.
15 عاما من الصراعات والانتهاكات
وأوضح التقرير أن إثيوبيا تعاني منذ عام 2019 سلسلة من الصراعات المرتبطة بمظالم سياسية وعرقية وانتهاكات متكررة لحقوق الإنسان، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من المدنيين، ولا يزال أكثر من 3.3 مليون شخص نازحين داخل البلاد.
وتتركز المخاطر بصورة خاصة في أقاليم أمهرة وأوروميا وتيجراي، حيث تتداخل الصراعات المسلحة مع التوترات العرقية والنزاعات الحدودية، ما يزيد من احتمالات استهداف المدنيين على أساس الهوية.
وفي أوروميا، يستمر الصراع بين قوات الأمن الإقليمية وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية من جهة، وجيش تحرير أورومو من جهة أخرى، رغم اتفاق سلام أبرمته الحكومة الفيدرالية مع أحد فصائل الجيش في ديسمبر 2024.
وأشار المركز إلى استمرار اتهامات للقوات الحكومية بارتكاب عمليات اختفاء قسري وهجمات على المدنيين، بما في ذلك ضربات جوية وبطائرات مسيرة وعمليات إعدام خارج نطاق القضاء، بينما اتهم جيش تحرير أورومو باستهداف أفراد من قومية الأمهرة في أوروميا والمناطق الحدودية.
حرب تيجراي.. سلام لم يكتمل
وتعود جذور الأزمة الأخطر إلى الحرب التي اندلعت في تيجراي بين نوفمبر 2020 ونوفمبر 2022، عندما خاضت القوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفاؤها، ومن بينهم القوات الإريترية، مواجهة مع قوات دفاع تيجراي.
وخلال الحرب، امتد القتال إلى إقليمي أمهرة وعفار، وارتكبت مختلف الأطراف انتهاكات واسعة، شملت عمليات قتل جماعي، وعنفًا جنسيًا، وتهجيرًا قسريًا، وتدميرًا للبنية التحتية والممتلكات والمواقع الثقافية.
وكانت الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي قد وقعتا في 2 نوفمبر 2022 اتفاق وقف الأعمال العدائية، المعروف باسم اتفاق بريتوريا، والذي وضع حدا للقتال واسع النطاق، ونص على ترتيبات لنزع سلاح قوات تيجراي وانسحاب القوات الأجنبية واستعادة الخدمات وعودة النازحين.
إلا أن تنفيذ الاتفاق ظل ناقصا، مع استمرار وجود قوات إريترية وقوات أمهرة في أجزاء من الإقليم، وعدم حسم قضية غرب تيجراي، وهي من أكثر الملفات حساسية في الصراع.
عودة الخلاف السياسي إلى الواجهة
ويشير التقرير إلى أن التطور الأكثر إثارة للقلق خلال عام 2026 تمثل في إعلان فصيل TPLF-D، في 5 مايو، إعادة المجلس الإقليمي لتيجراي إلى العمل بصورته السابقة للحرب، وتعيين دبرصيون جبرميكائيل رئيسا للإقليم، في خطوة شكلت تحديا مباشرا للإدارة الانتقالية المدعومة من الحكومة الفيدرالية.
وجاءت هذه الخطوة وسط اتهامات من قيادة تيجراي للحكومة المركزية بتقويض اتفاق وقف الأعمال العدائية، من خلال تأخير رواتب الموظفين، وتقييد وصول الوقود والمساعدات، وتمديد ولاية الإدارة الانتقالية.
وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية جديدة على حدود تيجراي، ووقوع اشتباكات بين قوات دفاع تيجراي والقوات الموالية للحكومة الفيدرالية، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق المواجهة لتشمل إريتريا.
كما تحدثت تقارير عن عمليات تجنيد قسري لمدنيين في تيجراي منذ أبريل 2026، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم 15 عاما، عبر عمليات اختطاف وإجبار على التجنيد، وفقا لما أورده المركز.
وتؤكد تحليلات أخرى أن إعادة البرلمان الإقليمي لتيجراي إلى العمل وتولي دبرصيون رئاسة الإقليم يزيدان من تعقيد الوضع السياسي، خصوصا في ظل عدم حسم القضايا الرئيسية التي نص عليها اتفاق بريتوريا.
إريتريا.. الطرف الغائب الحاضر
وتحتل إريتريا موقعا محوريا في المشهد الإثيوبي، إذ شاركت قواتها في حرب تيجراي، ولا يزال وجودها في أجزاء من الإقليم أحد الملفات العالقة.
ويرى المركز أن استمرار وجود القوات الإريترية، إلى جانب الانقسامات الداخلية في الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وما يثار عن دعم إريتري لفصيل دبرصيون، يزيد المخاوف من تجدد القتال بين أطراف تيجراي والحكومة الفيدرالية، بل ومن احتمال تحول الأزمة إلى مواجهة أوسع بين إثيوبيا وإريتريا.
وتكشف التطورات أن اتفاق بريتوريا لم ينه جذور الأزمة، وإنما أوقف الحرب واسعة النطاق، بينما بقيت ملفات الأرض والحدود والقوات الأجنبية والنازحين والمساءلة السياسية والقانونية دون تسوية نهائية.
أمهرة وأوروميا.. صراعات موازية
ولا تقتصر المخاطر على تيجراي، إذ يستمر القتال بين القوات الحكومية وميليشيات فانو في إقليم أمهرة منذ أبريل 2023، وسط تقارير عن عمليات قتل خارج نطاق القضاء واعتقالات تعسفية وتهجير قسري ونهب وتدمير للممتلكات وهجمات على مرافق الرعاية الصحية، فضلا عن حالات واسعة من العنف الجنسي.
وفي أوروميا، تستمر بدورها أعمال العنف ذات الطابع العرقي، بما في ذلك استهداف المدنيين ودور العبادة. وأشار التقرير إلى واقعة في منطقة شرق أرسي أسفرت عن مقتل 13 شخصا على الأقل وإحراق كنيسة.
ويحذر المركز من أن استمرار استهداف الجماعات على أساس الهوية العرقية قد يؤدي إلى اتساع نطاق العنف بين الأمهرة والأورومو، خاصة في ظل عمليات الرد الحكومية على الجماعات المسلحة المرتبطة بهويات عرقية محددة.
أزمة إنسانية تتفاقم
وبالتوازي مع التوتر الأمني والسياسي، تتدهور الأوضاع الإنسانية في مناطق مختلفة من إثيوبيا، في ظل نقص الوقود وتراجع المساعدات الإنسانية، الأمر الذي يعرقل عمل المنظمات الإغاثية ويؤثر على أوضاع النازحين.
ويواجه السكان في مخيمات النزوح صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والرعاية الصحية وخدمات الحماية، ما يضيف بعدا إنسانيا خطيرا إلى الأزمة الأمنية والسياسية.
أزمة ثقة ومحاسبة غائبة
ويعتبر التقرير أن أحد أهم أسباب استمرار المخاطر يتمثل في غياب المساءلة الفعالة عن الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف الصراعات السابقة.
وكانت اللجنة الدولية لخبراء حقوق الإنسان بشأن إثيوبيا ICHREE قد أُنشئت لمراقبة الوضع، لكنها انتهت في أكتوبر 2023، رغم تحذيراتها من استمرار مخاطر وقوع فظائع جديدة.
كما يرى المركز أن ضعف آليات العدالة الانتقالية المحلية ساهم في تراجع ثقة الضحايا والناجين في قدرة المؤسسات الإثيوبية على تحقيق العدالة.
وتشير مصادر بريطانية محدثة في مارس 2026 إلى أن حرب تيجراي خلفت تقديرات تتراوح بين 300 ألف و800 ألف قتيل مدني، إلى جانب انتهاكات شملت القتل والعنف الجنسي والاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتهجير والتطهير العرقي واستهداف البنية التحتية المدنية.
سيناريوهات مقلقة
ويرسم التقرير عدة مخاطر يمكن أن تدفع إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، أبرزها استمرار التوتر حول عملية السلام في تيجراي، وعدم حل النزاعات بين الجماعات العرقية، واستمرار الانتهاكات دون محاسبة، إلى جانب الخطاب التحريضي والدعاية وخطاب الكراهية الذي يوظف الانقسامات العرقية.
ويحذر من أن استمرار هذه العوامل، مع ضعف الثقة في مؤسسات الدولة، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الظروف التي سبقت الصراعات الدموية السابقة.
ما المطلوب دوليا؟
ودعا المركز العالمي لمسؤولية الحماية الحكومة الإثيوبية إلى الالتزام بالقانون الدولي، وإعطاء الأولوية لحماية المدنيين والتحقيق بشفافية في الانتهاكات المزعومة.
كما طالب الجماعات المسلحة بوقف استهداف المدنيين، ودعا إلى انسحاب القوات الإريترية من إثيوبيا، وخفض التصعيد بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي وإريتريا.
وطالب المركز الاتحاد الأفريقي والدول التي شاركت في الوساطة في اتفاق بريتوريا بممارسة ضغوط دبلوماسية مستمرة لضمان تنفيذ الاتفاق، مع وضع معايير واضحة للالتزام وآليات للمراقبة والمحاسبة.
كما دعا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى التحرك داخل مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، والعمل على استعادة آليات مستقلة لمراقبة حقوق الإنسان، وتعزيز جهود التحقيق وحفظ الأدلة، مع بحث اللجوء إلى آليات الاختصاص القضائي العالمي في ظل ضعف الثقة في إجراءات العدالة المحلية.
من حرب مفتوحة إلى سلام هش
تكشف التطورات الأخيرة أن إثيوبيا لم تتجاوز بعد مرحلة الصراع، وإنما انتقلت من حرب مفتوحة إلى سلام هش تحيط به ألغام سياسية وعرقية وإقليمية. ويظل إقليم تيجراي الحلقة الأكثر حساسية، في ظل الخلاف بين الحكومة المركزية والقيادة الإقليمية، وقضية غرب تيجراي، واستمرار الوجود الإريتري، والانقسامات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.
وبينما يبقى اتفاق بريتوريا الإطار الأساسي لمنع العودة إلى الحرب، فإن عدم تنفيذ بنوده بصورة كاملة قد يحول السلام الهش إلى مقدمة لجولة جديدة من الصراع، خصوصا إذا تزامنت الأزمة السياسية مع تحركات عسكرية جديدة أو تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا.
……………………………………………………………………………………………………….
المصدر الأصلي للتقرير: المركز العالمي لمسؤولية الحماية (Global Centre for the Responsibility to Protect)، تقرير 2026 «Populations At Risk – Ethiopia»





